شبهات >> كتب القس عبد المسيح بسيط ابوالخير

ما الفرق بين المسيح والأنبياء

ومن هو الأعظم ؟

 

ــــــــــــــــــــــ

 

- 7 - 

 

 

ما الفرق بين المسيح والأنبياء ؟

ومن هو الأعظم ؟


 

 

 

قبل الإجابة علي هذا السؤال علينا أنْ نسأل الأسئلة التالية:

1 ـ من هو المسيح ؟ هل هو إنسان أم أعظم من مُجَرَّد إنسان؟

2 ـ هل هو نبيّ، أم هو أعظم من مُجَرَّد نبيّ؟

3 - وهل تميَّز عن الأنبياء؟ وهل ميَّز هو نفسه عنهم؟

4 ـ وما هو الفرق بينه وبين سائر الأنبياء؟

5 ـ ماذا كانت نظرة رجال الدين والفلاسفة والمؤرِّخين والنُقَّاد له؟

 

  

 

 


 

1 - ما هي نظرة الفلاسفة والمؤرخين والنقاد للمسيح ؟

                                          

 

كتب الكثيرون من الكتَّاب الغربيِّين من نُقَّاد وفلاسفة ومؤرِّخين وعلماء اجتماع  وغيرهم من غير المتبحِّرِين في العلوم اللاهوتيَّة

 

- 8 -

بعض الكتابات التي احتوت علي آراء خاصَّة بهم من جهة شخص  الربّ يسوع المسيح والتي نظروا فيها للمسيح كأسمي وأعظم شخصيَّة وُجِدَت علي الإطلاق. كما تكلَّم بعض هؤلاء عن المسيح كالأقل تأثيرًا ونفوذًا من الناحية الدنيويَّة الماديَّة والسياسيَّة والحربيَّة لأنَّه لم يكن قائدًا سياسيًا ولا عسكريًا مع عدم نفيهم لسِمُوِّه وعظمته الروحيَّة كأعظم شخصيَّة ذات تأثير روحيّ علي الإطلاق. وقد تُرْجِمَت بعض هذه الكتب التي من النوع الأخير إلي العربيَّة وهلَّل لها البعض لأنَّها وضعت غير المسيح كالأكثر تأثيرًا من الناحية الماديَّة الدنيويًّة، خاصَّةً السياسيَّة والحربيَّة، بالرغمِ من عدم نفيها لعظمة وسِمُوّ المسيح كالأعظم والأسمي أخلاقيًا وروحيًا!! ومن هذه الكتابات؛ كتاب " أعظم مائة شخصيَّة مؤثِّرة في التاريخ " الذي كتبه الأمريكيّ، غير المتخصِّص في اللاهوتيَّات، مايكل هارت، والذي كتب قائمة تضمّ مائة شخصيَّة كان لها، من وجهة نظره، تأثيرها الدنيويّ والماديّ في التاريخ، بصرف النظر عن قيمتها الروحيَّة والأخلاقيَّة، سواء كانت شخصيَّات صالحة أو شرّيرة، المهم هو تأثيرها علي أكبر عدد ممكن من الناس. وقد وضع فيها الربّ يسوع المسيح رقم ثلاثة في الترتيب.

  وبالرغم من أنَّ هذا الكتاب لم يلتفت إليه أحدٌ سواء في أمريكا أو في

 

- 9 -

الغرب ولم يهتمْ به أحد، فقد هلَّل له البعض هنا وتُرْجِمَت أجزاء منه إلي العربيَّة أكثر من مرَّة بل واستخرج منه أحد الكتاب كتاباً آخر !! نقَّحه علي هواه. ولكن إنصافاً للحقيقة نقول أنَّ مايكل هارت نفسه يُؤَكِّد علي عكس ما يراه هؤلاء:

(1) فهو يُؤكِّد علي أنَّه لا يقدِّم لائحة بمن هو الأعظم والأسمي روحياً وأخلاقياً، بل من هو الأكثر نفوذاً مهما كانت أفعاله، سواء كانت صالحة أم شرِّيرة !! فيقول في المقدمة " يجب أنْ أؤكِّد بقوَّةٍ أنَّ هذه اللائحة هي قائمة الشخصيَّات الأكثر نفوذًا في التاريخ ، وليست لائحة أكثرهم عظمة 000 مثلاً يجد المرء مكانًا في لائحتي لرجلٍ كبيرِ النفوذ عديم الاستقامة والإحساس نظير ستالين ولكنك لا تجد مكانًا للقدِّيسة الأم كابريني. إنَّ هذا الكتاب يدور فقط حول السؤال: ما هي المائة شخصيَّة التي كان لها أكبر الأثر علي التاريخ وسير العالم ؟ 000 إن هذه اللائحة من الشخصيَّات الفذَّة – سواء كانت نبيلة أو طالحة يلحقها اللوم ، أكانت شهيرة أم غير معروفة ، برَّاقة أم متواضعة تبقي لا محالة مشوّقة " !!

  وهنا يُؤكِّد هارت أنَّ ترتيبه لا يعتني لا بالعظمة ولا بسموّ الأخلاق! بل يعتني فقط بالتأثير علي أكبر عدد ممكن من الناس في أزمنة

 

- 10 -

وأماكن مختلفة سواء كان تأثيرها سلبيًا أو إيجابيًا، خيراً أم شراً !!

(2) ويُؤكِّد هارت علي أنَّ وضعه للربِّ يسوع المسيح كرقم ثلاثة في قائمته لا يعني أنَّ الأوَّل أو الثاني أعظم منه روحيًا أو أخلاقيًا، بل يقول " لا الصيت ولا الموهبة (العبقريَّة) ولا سموّ الأخلاق ترادف النفوذ. وهكذا لم يوضع في هذه القائمة أي من بنيامين فرانكلين ومارتن لوثر كنج وبيب روث وحتى ليوناردو دافنشي 000 ومن جهة أخري ، لا يكون النفوذ دائمًا إيجابيًا أو بنيَّة سليمة أنَّ عبقريًا شريرًا مثل هتلر  وارد في هذه اللائحة " !! ولذا فقد قال صراحة في أنَّه لم يفكر أنَّ الأوَّل " كان رجلاً أعظم من يسوع ". ولم يقل أحد أنَّه وُجِدَ علي الأرض مَنْ هو أعظم مِنْ الربِّ يسوع المسيح .

 وما جعل هذا الرجل، مايكل هارت، لا يضع الربَّ يسوع كالأوَّل في هذه القائمة باعتباره الأسمي والأعظم روحيًا وأخلاقيًا هو عدم فهمه لحقيقة المسيحيَّة بالرغم من أنَّه مسيحيّ كاثوليكيّ ! فهو ليس من رجال الدين ولا من علماء اللاهوت ولا أعتقد أنَّه تمكَّن من قراءة المسيحيَّة أو غيرها قراءة تجعل لأرائه قيمة في هذا المجال، فهو متخصِّص في علوم الرياضيَّات والفُلك والشطرنج ومحامٍ ولكن ليست لديه دراية تُذكر لا بالكتاب المقدَّس ولا بالكتب الدينيَّة الأخري سواء

 

- 11 -

كانت مسيحيَّة أو غير مسيحيَّة. ومن هنا جاء عدم فهمه لحقيقةِ  المسيحيَّة إذ تصوَّر أنَّ عدم قيام المسيح بدورٍ سياسيّ أو عسكريّ أو كتابته لكتابٍ يُقَلِّل من دوره في تأسيس المسيحيَّة ونسب الفضل الأكبر في تأسيس المسيحيَّة للقدِّيس بولس!! دون أنْ يدري أنَّ كلّ ما كُتِبَ في العهد الجديد هو عن شخص المسيح وحقيقة ربوبيَّته للكون وفدائه الأبديّ الذي قدَّمه للبشريَّة، كقول الكتاب المقدس " وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هَذَا الْكِتَابِ. وَأَمَّا هَذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ." (يو20/30-31). ما أنَّ المسيح لم يأتِ ليكون له نفوذ ماديّ بل كان هو ربّ الكلّ ومملكته سمائيَّة روحيَّة فهو ملك الملوك وربّ الأرباب كقوله " مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ. " (يو18/36). وأنَّ بولس الرسول لم يكنْ إلاَّ رسولاً للمسيح يعمل ما يُوَجِّهه به ويُرشده الربُّ يسوع المسيح " بُولُسُ، رَسُولٌ لاَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ بِإِنْسَانٍ، بَلْ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ" (غل1/1) .

  ولذا فنحن نرفضُ أمثال هذه الكتابات التي لم تفهم طبيعة شخص المسيح ولا طبيعة رسالته الروحيَّة والأخلاقيَّة والفدائيَّة السامية وتضعه في قائمة واحدة مع شخصيَّات شرِّيرة ودمويَّة من أمثال ستالين الدمويّ

 

- 12 -

الرهيب الذي غدر بكلِّ أصحابه قبل أعدائه وهتلر النازيّ الذي دمَّر بلاده وكان السبب في قتل ملايين الناس وجنكيز خان الدمويّ الذي كان يقتل بلا شفقة أو رحمة!! فما يقوله هذا الكاتب يُخالف تمامًا كلّ ما كُتب عن المسيح سواء من المؤمنين بلاهوته أو غير المؤمنين به. بل ويُخالف ما رآه الفلاسفة العقلانيُّون والماديُّون وغير المؤمنين بالوحي أو وجود اللَّه والنُقاد في شخص المسيح والذين نظروا إليه نظرات خاصَّة تراوحت بين قولهم أنَّه الكائن أو الإنسان السوبر الذي لم يُوجد له مثيل عبر التاريخ، سواء في أسلوبه وأخلاقه أو في تعاليمه التي فاقت ما يُمكن أنْ يُنادِي أو يُعلِّم به بشر !! وبين قولهم أنَّ شخصيَّة بهذا الكيان والأسلوب لا يُمكن أنْ تكون قد وُجدت في التاريخ وإنما هو أسطورة من الأساطير !!(1)

  وفيما يلي بعض ما قيل عن المسيح من شخصيَّات وُصف بعضها بأنَّها عظيمة، وشخصيَّات أخري لها مكانتها في مجالات الأدب والفلسفة والحضارة والتاريخ :

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  يقول Bruce M. Metzger   المتخصص في النقد النصي للكتاب المقدس "لا يوجد اليوم عالم مقتدر ينكر تاريخية يسوع المسيح".

 

- 13 -

*    قول نابليون بونابرت إمبراطور فرنسا بعد تقاعده " أنت تتحدث عن قيصر  والاسكندر  وغزواتهم وعن الحماس الذي أشعلوه في قلوب جنودهم، ولكن هل يمكن أنْ تفهم أنَّ رجل ميت يقوم بغزوات بجيش أمين ومُكرَّس كليَّةً لذكراه؟ لقد نسيتني جيوشي حتي وأنا علي قيد الحياة مثلما نسي الجيش القرطجني هانيبال، هذه هي قوتنا " .

  " أنا أعرف البشر  وأقول لكم، أنَّ يسوع المسيح ليس مُجَرَّد إنسان، فلا يُوجَد بينه وبين أيّ شخصٍ بشريّ آخر في العالم لفظ term مناسب للمقارنة. فقد أسَّسنا، أنا والإسكندر وقيصر وشارلمان، إمبراطوريَّات، ولكن علي أيّ أساس اِستقرَّ ما خلقته عبقريَّتنا؟ علي القوَّة. ولكن يسوع المسيح أسَّس إمبراطوريَّته علي الحبِّ؛ وحتي هذه الساعة يموت الملايين لأجل اسمه ".

  " لقد بحثت في التاريخ لأجد مثيل ليسوع المسيح أو  أيّ شيء يمكن أنْ يقترب من يسوع المسيح أو الإنجيل دون جدوي، فلا التاريخ ولا الإنسانيَّة ولا الدهور ولا الطبيعة قدَّمت لي أيّ شيء يمكن أنْ أقارنه أو أشرحه. هنا (في المسيح) كلّ شيء غير عاديّ " .

*    وقال ول ديورانت المؤرِّخ والفيلسوف المعاصر كاتب كتاب فلسفة الحضارة وسلسلة تاريخ الحضارة عندما سئُل:

 

- 14 -

" ماذا كانت قمَّة التاريخ؟ " فأجاب " السنوات الثلاث التي مشي فيها يسوع الناصري على الأرض ".

*    وقال كارنيجي سيمبسون " يسوع ليس واحدًا من جماعات العالم العظيمة. تحدَّث عن الإسكندر العظيم وتشارلز العظيم ونابليون العظيم إذا أردت 000 ولكن يسوع ليس من هؤلاء - فهو ليس العظيم بل هو وحده الأعظم ".

*    وقال الكاتب البريطاني هـ . جـ . ويلز (1866 - 1946م) " في حكم طيباريوس قيصر نهض من اليهوديَّة مُعَلِّم عظيم ليُحَرِّر الإدراك الجامد للبرِّ ووحدانيَّة اللَّه غير المتغيِّرة واحتياج الإنسان الأخلاقيّ للَّه 000 وكان هذا يسوع الناصريّ 000 ولا عجب فإنَّ هذا الجليليّ حتي هذا اليوم أكبر بكثير من قلوبنا الصغيرة " .

  وقال أيضًا عندما سُئل " من هو الشخص الذي ترك أعظم انطباع دائم علي التاريخ ؟ " : " ذلك يحكم علي عظمة الشخص بالمقياس التاريخيّ ": " وبهذا المقياس ، يقف يسوع الأوَّل ". ثم يقول " أنا مؤرِّخ، ولست مؤمنًا، ولكن يجب أنْ أعترف كمؤرِّخٍ أنَّ هذا المُعلم الذي من الناصرة والذي لا يملك شيء penniless  هو مركز التاريخ الذي لا ينسخ. يسوع المسيح هو الشخص الأعظم سيادة في كل التاريخ ". 

 

- 15 -

" كان يسوع المسيح هو الشخص الأعظم تفرّدًا في التاريخ ولا يمكن لإنسان أنْ يكتب تاريخ السلالة البشريَّة دون أنْ يُعطي المكانة العظمي للمُعلِّم الناصريّ الذي لم يكنْ يملك شيئًا " .

*    وقال الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو " إنَّ يسوع المسيح بطل الإنجيل هو فوق البشر. وإذا كانت حياة وموت سقراط هي حياة وموت فيلسوف حكيم، فحياة يسوع المسيح وموته هي حياة إله وموته " !!

*    وقال المؤرِّخ والعالم اللغويّ الفرنسيّ رينان، أحد زعماء المدرسة النقديَّة، عن المسيح " كان يسوع أعظم عبقريَّة دينيَّة عاش أبدًا. فجماله أبديّ ، وحكمه لن ينتهي أبدًا . يسوع فريد في كلِّ شيء ولا يمكن أنْ يُقارن به شيء " .

  " كل التاريخ لا يمكن أنْ يُقارن بدون يسوع " !!

  " مهما كانت مفاجآت المستقبل فلن يتفوَّق أحدٌ علي يسوع " .

  " حقا بدا يسوع هنا ابن اللَّه، لأنَّه نطق لأوَّلِ مرَّة بالكلمةِ التي يرسخ عليها أساس الدين الخالد. لقد وطَّد أساس العبادة النقيَّة التي

 

- 16 -

تتسامي فوق الأزمان والأوطان، والتي سوف تتمرَّس بها النفوس الرفيعة إلي منتهي الدهرِ. وقد أصبح دينه منذ ذلك الوقت ـ لا دين البشريَّة فحسب بل الدين علي الإطلاق. وإنْ يكن ثمة كواكب آهلة بأناسٍ ذوي عقول وأخلاق بخلاف الأرض، فلا سبيل لهم أنْ يدينوا بدين يفوق سموًا ذاك الدين الذي أعلنه يسوع المسيح علي بئر يعقوب 000 إنَّ الدين الحقيقيّ يبقي أبدًا من صنع يسوع المسيح وليس للبشر فيما بعد إلاَّ أنْ يشرحوا ما فاه به من مبادئ  وتعاليم " .

  " سوف يبقي يسوع المسيح مبعث يقظة أخلاقيَّة للبشرِ لا يخبو نورها لأنَّ الفلسفة وحدها لا تكفي البشر، فإنَّهم بحاجة إلي القداسة ".

  " ألاَّ إجلس الآن هانئًا في مجدك يا دليلنا الساميّ إلي اللَّه. أمَّا الآن وقد تحرَّرت من قيود الضعف ستشهد من أعلي مقرَّك الإلهيّ نتائج أعمالك اللامتناهية. أنَّ العالم سيبقي مدينًا لك إلي آلاف السنين 000 سوف تبقي حيًا محبوبًا بعد موتك أكثر مما كنت في حياتك علي الأرض. سوف تبقي حجر الزاوية من البشر بحيث يستحيل محو اسمك من العالم دون أنْ يُنزع الكون وينهار. فيا قاهر الموت ألاَّ استلم زمام ملكوتك، حيث سلك منذ الآن علي الطريق الملوكيّ الذي شققته، آلاف من عبادك " !!

 

- 17 -

 

 

 

2 ـ فمن هو المسيح إذًا ، وما الفرق بينه وبين الأنبياء ؟

هذا السؤال نوجِّهه للربِّ يسوع المسيح شخصيًا ليُجيبنا هو عليه!! وقد أجاب الربُّ يسوع المسيح عليه بسؤالٍ وجَّهَه لرؤساءِ اليهود، يقول الكتاب:" مَاذَا تَظُنُّونَ فِي الْمَسِيحِ؟ ابْنُ مَنْ هُوَ؟» قَالُوا لَهُ: «ابْنُ دَاوُدَ». قَالَ لَهُمْ: «فَكَيْفَ يَدْعُوهُ دَاوُدُ بِالرُّوحِ رَبّاً قَائِلاً: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ؟ فَإِنْ كَانَ دَاوُدُ يَدْعُوهُ رَبّاً فَكَيْفَ يَكُونُ ابْنَهُ؟» فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يُجِيبَهُ بِكَلِمَةٍ. وَمِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ لَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ أَنْ يَسْأَلَهُ بَتَّةً." (مت22/42ـ46). فالربِّ يسوع المسيح نفسه يُؤكِّد أنَّه ربّ داود ! ولأنَّه ربّ داود فهو، كما يُعلن هو بنَفْسِهِ، أعظم من جميع الأنبياء، بل وأعظم من كلِّ ما في الكون من كائنات.

  فهو ربُّ داود كما أوضح هو نفسه، وربُّ داود هو إله داود كما يقول الكتاب " إِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ" (تث6/4). والكتاب يُؤكِّد لنا أنَّ الربّ يسوع هو هذا الإله الواحد " وَرَبٌّ وَاحِدٌ: يَسُوعُ الْمَسِيحُ الَّذِي بِهِ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ وَنَحْنُ بِهِ " (1كو 8/6). إنَّه ربّ داود وربّ جميع الأنبياء والبشر " رَبُّ اَلْكُلِّ " (أع10/36) .

 

- 18 -

  إذا كان هو ربُّ الكلِّ فكيف أعطاه الكتاب لقب نبيّ، كما قيل عنه "فَقَالَتِ الْجُمُوعُ: «هَذَا يَسُوعُ النَّبِيُّ الَّذِي مِنْ نَاصِرَةِ الْجَلِيلِ»." (مت21/11). 

  والإجابة هي أنَّه هو ربُّ الكلِّ ولكنَّه عندما تجسَّد وصار بشرًا مارس مهمَّة النبيّ، لذا لم يكنْ مُجَرَّد نبيّ كسائرِ الأنبياء، إنما هو أعظم من جميع الأنبياء، فهو ربُّ الكلِّ، كما أكَّدَ هو نفسه، أنَّه أعظم من جميع الأنبياء:

(1) أعظم من إبراهيم أبو الآباء والأنبياء: فعندما سأله اليهود قائلين "أَلَعَلَّكَ أَعْظَمُ مِنْ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ الَّذِي مَاتَ؟ " فقال لهم " أَبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ تَهَلَّلَ بِأَنْ يَرَى يَوْمِي فَرَأَى وَفَرِحَ». فَقَالَ لَهُ الْيَهُودُ: «لَيْسَ لَكَ خَمْسُونَ سَنَةً بَعْدُ أَفَرَأَيْتَ إِبْرَاهِيمَ؟» قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ».فَرَفَعُوا حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ. أَمَّا يَسُوعُ فَاخْتَفَى وَخَرَجَ مِنَ الْهَيْكَلِ مُجْتَازاً فِي وَسْطِهِمْ وَمَضَى هَكَذَا " (يو8/53ـ59) .

  وهنا أثار قوله " قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ " غضب اليهود وجعلهم يحنقون عليه ويقرروا موته رجماً بالحجارة " فَرَفَعُوا حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ" .

 

- 19 -

لماذا ؟ لأنَّهم فهموا من عبارته " قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ " ، وتعبير "أَنَا كَائِنٌ " هو التعبير الذي عبَّر  به اللَّه عن نفسه وعن اسمه لموسى النبي (خر3/14)، إنَّه كان موجودًا قبل أنْ يُوجد إبراهيم الذي وُجد قبل التجسُّد بحوالي 2000 سنة، أيّ أنَّه يُؤكِّد علي وجوده السابق قبل إبراهيم وهذا يعني أنَّه كان كائنًا في السماء وأنَّه هو الربُّ الذي كلَّم موسى النبيّ(2).

(2) أعظم من يعقوب : قالت له المرأة السامريَّة " أَلَعَلَّكَ أَعْظَمُ مِنْ أَبِينَا يَعْقُوبَ الَّذِي أَعْطَانَا الْبِئْرَ وَشَرِبَ مِنْهَا هُوَ وَبَنُوهُ وَمَوَاشِيهِ؟» أَجَابَ يَسُوعُ: «كُلُّ مَنْ يَشْرَبُ مِنْ هَذَا الْمَاءِ يَعْطَشُ أَيْضاً. وَلَكِنْ مَنْ يَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى الأَبَدِ بَلِ الْمَاءُ الَّذِي أُعْطِيهِ يَصِيرُ فِيهِ يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ»." (يو4/12-14). فقد حفر أبونا يعقوب بئرًا ليشرب منها هو وبنوه، وهذا عمل يمكن أنْ يقوم به أيّ بشر، أمَّا الماء الحيّ المؤدِّي للحياةِ الأبديَّة والذي يُعطيه الربُّ يسوع المسيح لا يقدر عليه أحدُ سواه، فهو الحيّ ومُعْطِي الحياة، لذا يقول عن نفسه " إِنِّي أَنَا حَيٌّ فَأَنْتُمْ سَتَحْيَوْنَ." (يو14/19)، فهو الحياة ومعطي الحياة " فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ" (يو1/4) ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2)  أنظر كتابنا " هل قال المسيح أني أنا ربكم فاعبدوني " .

 

- 20 -

الحياة، أي الوجود، والحياة الأبديَّة، كما قال له القدِّيس بطرس بالروح " يَا رَبُّ إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟ كلاَمُ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ عِنْدَكَ" (يو6/68 وكما قال هو عن نفسه " أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاةِ " (يو 8/12).

(3) سيد ورب موسي: يقول الكتاب في الرسالة إلي العبرانيّين في المقارنة بين المسيح وموسي " مِنْ ثَمَّ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْقِدِّيسُونَ، شُرَكَاءُ الدَّعْوَةِ السَّمَاوِيَّةِ، لاَحِظُوا رَسُولَ اعْتِرَافِنَا وَرَئِيسَ كَهَنَتِهِ الْمَسِيحَ يَسُوعَ، حَالَ كَوْنِهِ أَمِيناً لِلَّذِي أَقَامَهُ، كَمَا كَانَ مُوسَى أَيْضاً فِي كُلِّ بَيْتِهِ. فَإِنَّ هَذَا قَدْ حُسِبَ أَهْلاً لِمَجْدٍ أَكْثَرَ مِنْ مُوسَى، بِمِقْدَارِ مَا لِبَانِي الْبَيْتِ مِنْ كَرَامَةٍ أَكْثَرَ مِنَ الْبَيْتِ. لأَنَّ كُلَّ بَيْتٍ يَبْنِيهِ إِنْسَانٌ مَا، وَلَكِنَّ بَانِيَ الْكُلِّ هُوَ اللهُ. وَمُوسَى كَانَ أَمِيناً فِي كُلِّ بَيْتِهِ كَخَادِمٍ، شَهَادَةً لِلْعَتِيدِ أَنْ يُتَكَلَّمَ بِهِ. وَأَمَّا الْمَسِيحُ فَكَابْنٍ عَلَى بَيْتِهِ. وَبَيْتُهُ نَحْنُ إِنْ تَمَسَّكْنَا بِثِقَةِ الرَّجَاءِ وَافْتِخَارِهِ ثَابِتَةً إِلَى النِّهَايَةِ." (عب3/1ـ6). إذًا فالفرقِ بين المسيح وموسي النبيّ هو الفرق بين ابن صاحب البيت ووارثه، الذي هو المسيح ابن اللَّه، والخادم الذي يقوم بخدمة صاحب البيت وابنه، والخادم هنا هو موسي النبيّ، وبيت اللَّه هو نحن . ومن ثمَّ فالمسيح أعظم من موسي كقوله " اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ عَبْدٌ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ وَلاَ رَسُولٌ أَعْظَمَ مِنْ مُرْسِلِهِ." (يو13/16).

 

- 21 -

 (4) الأعظم من الهيكل ومن جميع البشر: كما وصف الربُّ يسوع  المسيح  نفسه بأنَّه أعظم من الكلِّ، أعظم من سليمان، إذ قال عن نفسه " هُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ سُلَيْمَانَ هَهُنَا." (لو11/31)، وأعظم من يونان " وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ يُونَانَ هَهُنَا!" (لو11/32)، أعظم من الهيكل " وَلَكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هَهُنَا أَعْظَمَ مِنَ الْهَيْكَلِ! " (مت12/6).

  وبالرغم من أنَّه، الربّ يسوع المسيح، وصف يوحنا المعمدان كـ " لَمْ يَقُمْ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ" (مت11/11)، فقد قال يوحنا عنه " أَنَا أُعَمِّدُ بِمَاءٍ وَلَكِنْ فِي وَسَطِكُمْ قَائِمٌ الَّذِي لَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ. هُوَ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي الَّذِي صَارَ قُدَّامِي الَّذِي لَسْتُ بِمُسْتَحِقٍّ أَنْ أَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ» 000 وَفِي الْغَدِ نَظَرَ يُوحَنَّا يَسُوعَ مُقْبِلاً إِلَيْهِ فَقَالَ: «هُوَذَا حَمَلُ اللَّهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ. هَذَا هُوَ الَّذِي قُلْتُ عَنْهُ يَأْتِي بَعْدِي رَجُلٌ صَارَ قُدَّامِي لأَنَّهُ كَانَ قَبْلِي 000 وَأَنَا قَدْ رَأَيْتُ وَشَهِدْتُ أَنَّ هَذَا هُوَ ابْنُ اللَّهِ»." (يو 1/26ـ34) .  

  ويقدِّم لنا القدِّيس بولس بالروح شخص الربّ يسوع المسيح في مقارنة رائعة بينه وبين جميع الكائنات والمخلوقات في السماء وعلي الأرض فيقول بالروح " اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيماً، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُقٍ كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ - الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثاً لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ

 

- 22 -

أَيْضاً عَمِلَ الْعَالَمِينَ. الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ، بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيراً لِخَطَايَانَا، جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ فِي الأَعَالِي، " (عب1/1-4) .

  وهنا يُؤكِّد لنا أنَّ المسيح يتميَّز عن الأنبياء بسبع مميزات هي :

1.      المسيح هو ابن اللَّه الوحيد " اِبْنِهِ " الذي من ذاته.

2.      ولأنَّه الابن الوحيد فهو الوارث لكلِّ شيء في الكون " الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثاً لِكُلِّ شَيْءٍ " .

3.      وهو الخالق ؛ خالق الكون " الْعَالَمِينَ ". ومن ثمَّ فهو الوارث لكلِّ شيءٍ لأنَّه خالق كلِّ شيءٍ .

4.      وهو بهاء مجد اللَّه، شعاع مجد اللَّه، مثل شعاع الشمس الصادر عن الشمس دون أنْ ينفصل عنها، فهو نورٌ من نورٍ .

5.      كما أنَّه رسم جوهر اللَّه، صورة جوهر اللَّه، صورة اللَّه الغير منظور ، الكائن في صورة اللَّه، الصورة المعبِّرة لذات اللَّه، الصورة التي تعبِّر عن صاحبها، صورة اللَّه الذي هو اللَّه ظاهرًا.

6.      حامل كلُّ الأشياء في الكون، مُدَبِّر الكون ومديره ومُحَرِّكه وضابط نواميسه. فهو خالقه ومُدَبِّرَه .

 

- 23 -

7.      الجالس في يمين العظمة في الأعالي، أي الجالس علي العرش الإلهيّ، كالإله المتجسِّد بعد أنْ قدَّم بدمه كإنسان الفداء لكلِّ البشريَّة.

 

5 – الأعظم من الملائكة : وبالإضافة إلي تميُّز المسيح عن جميع المخلوقات، سواء الملائكة والبشر، بالمميزات المذكورة أعلاه، يضع الكتاب المقارنة التالية بين المسيح والملائكة، فيقول : " صَائِراً أَعْظَمَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ بِمِقْدَارِ مَا وَرِثَ اسْماً أَفْضَلَ مِنْهُمْ. لأَنَّهُ لِمَنْ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ قَالَ قَطُّ: «أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ»؟ وَأَيْضاً: «أَنَا أَكُونُ لَهُ أَباً وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْناً»؟ وَأَيْضاً مَتَى أَدْخَلَ الْبِكْرَ إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ: «وَلْتَسْجُدْ لَهُ كُلُّ مَلاَئِكَةِ اللهِ». وَعَنِ الْمَلاَئِكَةِ يَقُولُ: «الصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ رِيَاحاً وَخُدَّامَهُ لَهِيبَ نَارٍ». وَأَمَّا عَنْ الاِبْنِ: «كُرْسِيُّكَ يَا أَللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ. أَحْبَبْتَ الْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ الإِثْمَ. مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَسَحَكَ اللهُ إِلَهُكَ بِزَيْتِ الاِبْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ شُرَكَائِكَ». وَ«أَنْتَ يَا رَبُّ فِي الْبَدْءِ أَسَّسْتَ الأَرْضَ، وَالسَّمَاوَاتُ هِيَ عَمَلُ يَدَيْكَ. هِيَ تَبِيدُ وَلَكِنْ أَنْتَ تَبْقَى، وَكُلُّهَا كَثَوْبٍ تَبْلَى، وَكَرِدَاءٍ تَطْوِيهَا فَتَتَغَيَّرُ. وَلَكِنْ أَنْتَ أَنْتَ، وَسِنُوكَ لَنْ تَفْنَى». ثُمَّ لِمَنْ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ قَالَ قَطُّ: «اِجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ؟» أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحاً خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ! " (عب1/4-14).

 

- 24 -

1.  إنَّه، المسيح، ورث اسمًا أفضل منهم، من الملائكة، وهذا الاسم هو " اَلاِبْنُ " ابن اللَّه، ابن اللَّه الوحيد، الذي لم يتسمّ به أحد مطلقًا، سواء في السماء وعلي الأرض، فقد دُعي الملائكة وبعض البشر بأبناء اللَّه، ولكن لم يدع أحدهم مطلقًا بابن اللَّه، كما أن المسيح هو " اَلاِبْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ " (يو1/18) ومن ذات الآب، صورة اللَّه الآب وبهاء مجده ورسم جوهره.

2.  ثم يُؤكِّد تفرُّد المسيح، الابن، ابن اللَّه الوحيد، الفريد في جنسه، بقوله " لأَنَّهُ لِمَنْ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ قَالَ قَطُّ: «أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ»؟" .

3.  وأيضًا " أَنَا أَكُونُ لَهُ أَباً وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْناً " .

4.  وهو البكر الذي تسجد له جميع ملائكة اللَّه، والبكر هنا بمعني البكر من الأموات. والكتاب هنا يكشف لنا عن لقبَين للمسيح أُعْلِنَا بعد التجسُّد، لقب الابن الذي لم يُعْلَنْ عنه إلاَّ بعد التجسُّد، ولقب البكر الذي أُعطي له بالقيامة من الأموات، باعتباره باكورة القيامة من الأموات. ويقول الكتاب أيضًا " الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ. لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ.

 

- 25 -

لِذَلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضاً، وَأَعْطَاهُ اسْماً فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ." (في2/6-11).

 فالمسيح بالتجسُّد " افْتَقَرَ وَهُوَ غَنِيٌّ" (2كو 8/9)، وضع نفسه " قَلِيلاً عَنِ الْمَلاَئِكَةِ" (عب2/9)، ولكنه اِرتفع مرَّة أخري وعاد لمجده السابق بالقيامة من الأموات.

5.  لذا فالفرق بينه وبين الملائكة هو الفرق بين الجالس علي عرش العظمة في السموات، بين الخالق والخليقة .

6.  هو الخالق الحيّ إلي الأبد الباقي الذي لا يُفني ولا نهاية له.

7.  هو الجالس عن يمين العظمة في الأعالي، وهم، الملائكة، خدام اللَّه وخدام الوارثين للخلاص.

  هذا بعض مما قاله الكتاب المقدَّس عن المسيح وما قاله هو عن نفسه، فما الفرق بينه وبين الأنبياء في الواقع؟ وما الذي تميَّز به عنهم  ويكشف لنا عن عظمته وأنَّه الأعظم؟.

 

- 26 -

1ـ  تميَّز في الحبل به من أمٍ عذراءٍ هي أعظم نساء العالمين

 

 

(1) وُلِدَ المسيح من أم وُصفت في جميع الكتب التي كتبت عنها بأنَّها الإنسانة الوحيدة، بل المخلوقة الوحيدة، التي فاقت الملائكة والبشر ! فقد قيل عنها أنَّها :

1.  أنَّها كانت مختارة، مصطفاة، علي نساء العالمين، أي في هذا العالم والعالم الآخر ! وأنَّها كانت نذيرة للَّه من قَبْل الحبل بها في بطن  أمِّها، كانت مميَّزة علي سائر البشر من آدم وحتي يوم الدين.

2.  وأنَّها الوحيدة التي كانت مطهَّرة، طاهرة، بحسب هذا المفهوم، من الذنوب حتي من قَبْل أنْ تُوْلَد، وأنَّ الشيطان لم يمسَّها منذ لحظة ولادتها من بطن أمِّها إلي لحظة وفاتها، كانت معصومة من مسِّ الشيطان، خاصَّة في فترة حملها بالمسيح وولادته !! جاء في الحديث " مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلاَّ نَخَسَهُ الشَّيْطَانُ، فَيَسْتَهِلُ صَارِخاً مِنْ نَخْسَةِ الشَّيْطَانِ، إِلاَّ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ" .

3.  كما أنَّها نشأت نشأة متميِّزة علي سائر البشر في العالمين، فيُقال أنَّها تربَّت في الهيكل بمُجَرِّدِ بلوغها سنّ الثالثة، وعاشت في الهيكل حتي خُطِبَت ليوسف النجار ، أي عاشت كلّ حياتها منذ الطفولة منقطعة للعبادة ولا تعرف شيئًا غير العبادة .

 

- 27 -

4.  وأنَّ اللَّه تقبلها قبولاً حسنًا وأنبتها نباتًا حسنًا، أي تربَّت ونمت ونشأت تحت رعاية اللَّه المباشرة، وأنَّ اللَّه كان يعتني بها وقد حفظها من مسِّ الشيطان كما بيَّنا أعلاه.

5.  وأنَّها الإنسانة الوحيدة في العالمين التي أطعمها اللَّه من طعام الجنَّة، فيُقال أنَّ الملائكة كانوا يكلِّمونها ويأتون لها بطعام من السماء (الجنَّة)(3).

6.  وأنَّ اللَّه جعلها مع اِبنها آية للعالمين.

 

(2) الأم العذراء : وُلد جميع الأنبياء من آباء وأمّهات عاديِّين، مثل سائر البشر، وقد  تفاوتوا في البرِّ والقداسة ولكنَّهم كانوا في النهاية مجرَّد بشر، وقد وُلِدُوا بحسب ناموس الخليقة، بالزواج، والعلاقات الزوجيَّة وبحسب ناموس، قانون، الوراثة الذي وضعه اللَّه، مع ملاحظة طهارة الزواج والعلاقات الزوجيَّة كقول الكتاب " لِيَكُنِ الزِّوَاجُ مُكَرَّماً عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ، وَالْمَضْجَعُ غَيْرَ نَجِسٍ." (عب13/4)، وحتي الآباء والأنبياء الذين وُلدوا بمعجزات مثل اِسحق ويوحنا المعمدان (تك17/19؛لو1/13) ،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(3) جاء في الكتاب الأبوكريفي المسمى بإنجيل يعقوب الأولي ف 8 : " وكانت مريم في هيكل الرب كأنما كانت يمامة تقطن هناك وتتناول طعامها من يدي ملاك " ، وجاء في ف 15 " وتلقت طعاماً من يد ملاك " ، وجاء في كتاب يسمى بشبيه متى ف 10 " يوميا يتحدث ملاك الله لها ، يوميا تتسلم طعاماً من أيدي الرب " ، ويقول كتاب ميلاد مريم ف 9 " فالعذراء التي كانت معتادة على الوجوه الملائكية " .

 

- 28 -

فقد وُلدوا أيضًا مثل سائر البشر، بالزواج وبحسب ناموس الوراثة. ولكن الربّ يسوع المسيح فقد وُلد بعيدًا عن ناموس الوراثة والزواج والعلاقات الزوجيَّة. فقد وُلِدَ من أمٍ ولكن بدون أبّ بشريّ ، وُلِدَ بقوَّة اللَّه وحلول الروح القدس مباشرة.

  وقد قصد الكتاب المقدس بـ " العذراء "، العذراء إلي الأبد ! فكلِّ فتاة عذراء قبل الزواج تُدْعَي بـ " عذراء " لأنَّها عادة ما تكون عذراء إلي حين، أمَّا القدِّيسة مريم فقد دعيت بـ " الْعَذْرَاءُ " ، فهي الوحيدة العذراء قبل الحبل بالمسيح وأثناء الحبل به وبعد ولادته ! لأنَّ مولودها هو " عِمَّانُوئِيلَ اَللَّهُ مَعَنَا.  لذا فقد وُصف حبلها بأنَّه " آَيَة " ؛ " وَلَكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْناً وَتَدْعُو اسْمَهُ «عِمَّانُوئِيلَ»." (اش7/14)، "هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْناً وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ، الَّذِي تَفْسِيرُهُ: اَللَّهُ مَعَنَا" (مت1/23) .

 

(3) الممتلئة نعمة : كما وصفها الكتاب بالمُنْعم عليها، الممتلئة نعمة ، والمتميِّزة عن سائر النساء ببركة لم تنلها ولن تنالها واحدة منهن " فَدَخَلَ إِلَيْهَا الْمَلاَكُ وَقَالَ: «سَلاَمٌ لَكِ أَيَّتُهَا الْمُنْعَمُ عَلَيْهَا! اَلرَّبُّ مَعَكِ.

 

- 29 -

مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ». فَلَمَّا رَأَتْهُ اضْطَرَبَتْ مِنْ كَلاَمِهِ وَفَكَّرَتْ مَا عَسَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ التَّحِيَّةُ! فَقَالَ لَهَا الْمَلاَكُ: «لاَ تَخَافِي يَا مَرْيَمُ لأَنَّكِ قَدْ وَجَدْتِ نِعْمَةً عِنْدَ اللهِ. " (لو1/28ـ30) . وعندما ذهبت لزيارة أليصابات، صرخت أليصابات عند رؤيتها وقالت بالروح القدس الذي حلَّ عليها في تلك اللحظة " مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ وَمُبَارَكَةٌ هِيَ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ!  فَمِنْ أَيْنَ لِي هَذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟" (لو1/42- 43) .

  والسؤال هنا هل نالت أيّ أمّ من أمِّهات جميع الأنبياء وتميَّزت بما تميَّزت به ونالته العذراء ؟! والإجابة : كلا ! والسؤال الطبيعيّ هنا  هو ؛ لماذا وُصفت العذراء القدِّيسة مريم بهذه الأوصاف التي وضعتها فوق مستوي جميع النساء، بلّ وفوق مستوي جميع البشر بما فيهم الأنبياء، في الوجود كلّه ؟! والإجابة المنطقيَّة هي: لأنَّ الذي حُبِلَت به وولدته هو فوق مستوي جميع البشر! هذه الإجابة المنطقيَّة أجابتها أليصابات في بساطة، بالروح القدس عندما وصفت العذراء بـ " أُمُّ رَبِّي " ؛ " مِنْ أَيْنَ لِي هَذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟ " !!

  تميَّز المسيح عن سائر الأنبياء بأنَّه قد وُلد من أمٍّ عذراء بدون أبّ، وُلِدَ بدون زرع بشر، حبلت به العذراء علي عكس ناموس الطبيعة وقانون الوراثة اللَّذان وضعهما اللَّه للحبل والولادة، حبلت به بالروح

 

- 30 -

القدس. وقد وُلِدَ جميع الأنبياء، دون استثناء، ولادة طبيعيَّة، بحسب ناموس الطبيعة وقانون الوراثة من آباء وأمِّهات. قال الملاك للعذراء عندما بشَّرها بالحبل بالمسيح " وَهَا أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْناً وَتُسَمِّينَهُ يَسُوعَ. هَذَا يَكُونُ عَظِيماً وَابْنَ الْعَلِيِّ يُدْعَى وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلَهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى الأَبَدِ وَلاَ يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ" (لو1/31ـ33). ذُهِلَت العذراء عند سماعها هذا الكلام وقالت للملاك متسائلة " كَيْفَ يَكُونُ هَذَا وَأَنَا لَسْتُ أَعْرِفُ رَجُلاً؟ ". فهي لم تتصوَّر أبدًا أنَّها يمكن أنْ تحبل بدون زواج، وسؤالها هذا يدلّ ويُؤكِّد أنَّ الزواج لم يكنْ في نيَّتها مطلقًا!! ولكن أشعياء النبي كان قد سبق وتنبَّأ قبل ذلك بحوالي 700 سنة بهذا الحبل الآية " يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْناً وَتَدْعُو اسْمَهُ «عِمَّانُوئِيلَ»" (اش7/14). إذًا كيف حَبَلَت العذراء ؟ ولماذا كان عليها أنْ تحبل وتلد بدون زرع بشر وبعيدًا عن ناموس الحبل والولادة الذي وضعه اللَّه؟ وقد جاءت الإجابة علي فم الملاك " فَأَجَابَ الْمَلاَكُ: «اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ فَلِذَلِكَ أَيْضاً الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ." (لو1/35). إذًا فالمولود هو :

 

- 31 -

(أ) المولود بقوة اللَّه التي ظلَّلت العذراء وحلول الروح القدس عليها "تجسَّد من الروح القدس ومن مريم العذراء تأنَّس"، أي أنَّ الأبّ الحقيقيّ له هو اللَّه! ومن ثمَّ يُدْعَي بالحقيقة ابن اللَّه، سواء قبل التجسُّد أو بعد التجسُّد، فهو المولود من الآب قبل كل الدهور بلاهوته، والمولود من العذراء القدِّيسة مريم بالروح القدس عند تجسُّده! لذا يُدْعَي بالحقيقة " ابْنَ اللهِ " ابْنَ الْعَلِيِّ ".

(ب) وهو القدُّوس، كما قال الملاك " الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ والقدُّوس لقب من ألقاب اللَّه! فهل حُبِلَ بأحدٍ ما، سواء من الأنبياء أو غيرهم، بهذه الطريقة ؟! وهل دُعِي أحدٌ منهم بالقدُّوس وابن العلي وابن اللَّه ؟!!  والإجابة؛ كلا ! فلماذا وُلِدَ المسيح بهذه الطريقة ولماذا لُقِّبَ بهذه الألقاب الخاصَّة باللَّه ؟!!(*)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*)  يزعم البعـض ويقولون أنَّ الله خلق آدم بدون أب ولا أم، وأنه خلق حواء من أب ولكن بدون أم، وهكذا وُلد المسيح من أم بلا أب مثلما ولدت حواء من أب بلا أم !!! ونقول لهؤلاء أن آدم خُلق من الله مباشرة ولم يُولد من أب وأم لأنه لم يكن هناك قبله رجل أو امرأة ليولد منهما ، فقد كان هو الإنسان الأول، ومن ثم فقد خلقه الله من التراب مباشرة بدون أب أو أم. كما خلقت حواء من ضلع أخذه الله من أضلاع آدم، دون أن يكون لها أب أو أم، ولم يكن آدم أباً لها لأنه لم يتزوج  بامرأة أخرى لينجبها، ولا حتى حبل بها وولدها!! فكيف يكون أبوها وهي مخلوقة مثله من الله مباشرة وأن كانت منه؟! " فأوقع الرب الإله سباتا على آدم فنام . فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحما . وبنى الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة وأحضرها إلى آدم . " فقال آدم هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي . هذه تدعى امرأة لأنها من امرأ أُخذت " ( تك2/21ـ23) . كانت الضرورة وحدها هي التي جعلت آدم وحواء يوجدان بهذه الطريقة التي وجدا بها، أي بواسطة الله مباشرة وبعيدًا عن ناموس الولادة والوراثة، لأنَّ هذه تتطلب وجود أب وأم وبالتالي خلقهما بواسطة الله مباشرة!! ولم يكن هناك حاجة بعد ذلك ليوجد أحد من أم بلا أب!! وهنا لا توجد مقارنة بين ولادتين وإنما بين ولادة خارقة لناموس الولادة والوراثة الطبيعي وخلق مباشر من الله. فقد خلق آدم من تراب وخلقت حواء من ضلع من أحد أضلاع آدم، أم المسيح فقد وُلد بطريقة إعجازية خارقة للناموس الطبيعي، وهذه الولادة الإعجازية إنفرد بها وتميز بها وحده ولم تحدث لأحد من فبل ولن تحدث لأحد من بعد!! لماذا؟ لأنه القدوس ابن الله العلي الذي فوق جميع البشر، الأعظم.

 

- 32 -

 

Text Box: 2 -  تميز المسيح  بحدوث عجائب أثناء الحبل به 
العالمين 
 

 

بعد أنْ بشَّر الملاك العذراء مريم بالحبل الإلهيّ بشَّرها أيضًا بحبل أليصابات بابنٍ في شيخوختها، فقامت العذراء وذهبت بسرعة إلي بيت زكرِّيا وسلَّمَت علي أليصابات، وبمجرَّد سلامها عليها حلَّ الروح القدس علي أليصابات بسرٍّ عظيم وحدثت عدة أمور لا يُمكن أنْ تًسَمَّي إلاَّ بالإعجاز الإلهيّ: 

  " فَلَمَّا سَمِعَتْ أَلِيصَابَاتُ سَلاَمَ مَرْيَمَ ارْتَكَضَ الْجَنِينُ فِي بَطْنِهَا وَامْتَلإتْ أَلِيصَابَاتُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَصَرَخَتْ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَقَالَتْ: «مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ وَمُبَارَكَةٌ هِيَ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ! فَمِنْ أَيْنَ لِي هَذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟ فَهُوَذَا حِينَ صَارَ صَوْتُ سَلاَمِكِ فِي أُذُنَيَّ ارْتَكَضَ الْجَنِينُ بِابْتِهَاجٍ فِي بَطْنِي. فَطُوبَى لِلَّتِي آمَنَتْ أَنْ يَتِمَّ مَا قِيلَ لَهَا مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ»" (لو1/39ـ45) .!!

 

- 33 -

إنتفض الجنين (يوحنا)، الذي حملت به أمّه منذ ستَّة شهور، في بطن أليصابات ابتهاجًا بقدوم الجنين الإلهيّ الموجود في بطن مريم العذراء والذي حبلت به منذ أقلّ من أسبوع، شعرت أليصابات بحركة قويَّة داخل أحشائها واضطرب قلبها بنورٍ جديدٍ ثم أوحي إليها الروح القدس بسرٍّ عظيم ودفعها لأنْ تهتف فرحة مسرورة لتقول ما قالته للعذراء، ويقول الحديث أنَّ أليصابات قالت للعذراء أنَّ " من في بطني يسجد لمن في بطنك"!! فلماذا سجد يوحنا للمسيح؟! وكيف تحوَّل يوحنا إلي هذه الدرجة من المعرفة  وهو جنين حبلت به أمّه منذ ستَّة أشهر، وأدرك أنَّ من في بطن العذراء هو الذي يجب السجود له؟!

  بمجرَّد سلام العذراء، الحامل بالجنين الإلهيّ حلَّ الروح القدس علي أليصابات وتحوَّلت إلي نبيَّة وعرفت بالروح القدس ما لم يعرفه يوسف النجَّار إلاَّ بعد أنْ ظهر له الملاك في حلمٍ إلهيٍّ (مت1/20)، كما عرفت أيضًا أنَّ الذي في بطن العذراء هو الربّ نفسه ولذا فقد دعتها بأمّ الرب " أُمُّ رَبِّي "! وهذا ما لم يدركه بعض ممن اعتبروا أنفسهم من عظماء اللاهوتيّين. وعرفت أيضًا أنَّ الجنين الإلهيّ الذي كان في

 

- 34 -

بطن العذراء قد إتَّخذ الطبيعة الإنسانيَّة الكاملة من أحشائها " مُبَارَكَةٌ هِيَ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ " .

  هل حدث مثل هذا عندما كان أحد من الأنبياء جنينًا في بطن أمِّه ؟!!

 

Text Box: 3 ـ تميَّز المسيح بميلاد إعجازي

 

 

 وما حدث في ميلاد المسيح لم يكنْ له مثيل في تاريخ البشريَّة، فقد كان مظاهرة سمائيَّة وأرضيَّة، فرحٌ في السماء وبهجةٌ علي الأرض!! فبالرغم من أنَّه وُلِدَ في مزود حقير للبقر، إلاَّ أنَّ ما حدث كان أكبر وأروع من أنْ يحدث مع أيّ من أبناء البشر مهما كانت مكانتهم علي الأرض.

(1) تسبحة الجند السماوي :

  فقد جاء ملاك من السماء ومعه جمهور من الجند السماويّ في احتفال سمائيّ وبشَّر جماعة من الرعاة بميلاد المسيح الذي وصفه بالمخلِّص الربّ "وَإِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ وَقَفَ بِهِمْ وَمَجْدُ الرَّبِّ أَضَاءَ حَوْلَهُمْ فَخَافُوا خَوْفاً عَظِيماً. فَقَالَ لَهُمُ الْمَلاَكُ: «لاَ تَخَافُوا. فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ. وَهَذِهِ

 

- 35 -

لَكُمُ الْعَلاَمَةُ: تَجِدُونَ طِفْلاً مُقَمَّطاً مُضْجَعاً فِي مِذْوَدٍ». وَظَهَرَ بَغْتَةً مَعَ الْمَلاَكِ جُمْهُورٌ مِنَ الْجُنْدِ السَّمَاوِيِّ مُسَبِّحِينَ اللهَ وَقَائِلِينَ: «الْمَجْدُ لِلَّهِ فِي الأَعَالِي وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ». وَلَمَّا مَضَتْ عَنْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ إِلَى السَّمَاءِ قَالَ الرُّعَاةُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «لِنَذْهَبِ الآنَ إِلَى بَيْتِ لَحْمٍ وَنَنْظُرْ هَذَا الأَمْرَ الْوَاقِعَ الَّذِي أَعْلَمَنَا بِهِ الرَّبُّ». فَجَاءُوا مُسْرِعِينَ وَوَجَدُوا مَرْيَمَ وَيُوسُفَ وَالطِّفْلَ مُضْجَعاً فِي الْمِذْوَدِ. فَلَمَّا رَأَوْهُ أَخْبَرُوا بِالْكَلاَمِ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ عَنْ هَذَا الصَّبِيِّ. وَكُلُّ الَّذِينَ سَمِعُوا تَعَجَّبُوا مِمَّا قِيلَ لَهُمْ مِنَ الرُّعَاةِ. وَأَمَّا مَرْيَمُ فَكَانَتْ تَحْفَظُ جَمِيعَ هَذَا الْكَلاَمِ مُتَفَكِّرَةً بِهِ فِي قَلْبِهَا." (لو2/8ـ19). وهذا ما لم يحدث ولن يحدث مع أيّ كائنٍ ظهر علي الأرض، لم تهتف السماء لميلاد أحدٍ ولم تسبِّح الملائكة لميلاد أحدٍ، سواء كان نبيًا أو رسولاً أو قديسًا، سوي شخص المسيح فقط!! لماذا ؟ لأنَّ المسيح هو فوق الكلّ أو كما قال هو في مقارنة بينه وبين كلّ من وُجِدَ علي الأرض " فَقَالَ لَهُمْ: « أَنْتُمْ مِنْ أَسْفَلُ أَمَّا أَنَا فَمِنْ فَوْقُ. أَنْتُمْ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ أَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ. " (يو8/23). وقال القديس يوحنا بالروح " اَلَّذِي يَأْتِي مِنْ فَوْقُ هُوَ فَوْقَ الْجَمِيعِ وَالَّذِي مِنَ الأَرْضِ هُوَ أَرْضِيٌّ وَمِنَ الأَرْضِ يَتَكَلَّمُ. اَلَّذِي يَأْتِي مِنَ السَّمَاءِ هُوَ فَوْقَ الْجَمِيعِ " (يو3/31).

 

- 36 -

(2) سجود المجوس له :

  ثم جاء مجوسٌ، وهم حكماء من المشرق، يحملون هدايا لهذا المولود الإلهيّ، وكان قد ظهر لهم نجم من السماء ليُبْلغهم بخبر الميلاد ويُرشدهم في الطريق للوصول إلي هذا الطفل الإلهيّ. يقول الكتاب " وَلَمَّا وُلِدَ يَسُوعُ فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ الْمَلِكِ إِذَا مَجُوسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ قَدْ جَاءُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ. قَائِلِينَ: «أَيْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ مَلِكُ الْيَهُودِ؟ فَإِنَّنَا رَأَيْنَا نَجْمَهُ فِي الْمَشْرِقِ وَأَتَيْنَا لِنَسْجُدَ لَهُ» 000 وَإِذَا النَّجْمُ الَّذِي رَأَوْهُ فِي الْمَشْرِقِ يَتَقَدَّمُهُمْ حَتَّى جَاءَ وَوَقَفَ فَوْقُ حَيْثُ كَانَ الصَّبِيُّ. فَلَمَّا رَأَوُا النَّجْمَ فَرِحُوا فَرَحاً عَظِيماً جِدّاً وَأَتَوْا إِلَى الْبَيْتِ وَرَأَوُا الصَّبِيَّ مَعَ مَرْيَمَ أُمِّهِ فَخَرُّوا وَسَجَدُوا لَهُ ثُمَّ فَتَحُوا كُنُوزَهُمْ وَقَدَّمُوا لَهُ هَدَايَا: ذَهَباً وَلُبَاناً وَمُرّاً. " (مت 2/1-12).

  ويري علماء اللاهوت أنَّ هذا النجم إمَّا أنْ يكون نجمًا حقيقيًا وقد جعله اللَّه يتحرَّك خارج إطار قانون وناموس الكون ويظهر بصورة إعجازيَّة ليُرشد المجوس إلي ميلاده ومكان ولادته، وإمَّا أنَّه ملاك وقد ظهر في شكل نجم ليقوم بنفس المهمَّة. فإذا كان هو نجمٌ حقيقيٌّ كما يبدو من الكتاب فتكون الأفلاك السمائيَّة أيضًا قد شاركت في الاحتفال بهذا المولود الإلهي !! فهل حدث مثل هذا عند ميلاد أحد الأنبياء ؟! ولماذا حدث ذلك عند ميلاد المسيح ؟ والإجابة هي كما قال الملاك أنه هو " المسيح الرب " وليس سواه.

 

- 37 -

 (3) إعلان الروح القدس عن شخصه لسمعان وحنة النبية :

  وفي وقت ختانه في اليوم الثامن في الهيكل حسب عادة اليهود جاء رجل من أورشليم اسمه سمعان، وهذا الرجل يقول عنه الكتاب أنَّه كان "بَارّاً تَقِيّاً يَنْتَظِرُ تَعْزِيَةَ إِسْرَائِيلَ وَالرُّوحُ الْقُدُسُ كَانَ عَلَيْهِ. وَكَانَ قَدْ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ أَنَّهُ لاَ يَرَى الْمَوْتَ قَبْلَ أَنْ يَرَى مَسِيحَ الرَّبِّ. فَأَتَى بِالرُّوحِ إِلَى الْهَيْكَلِ. وَعِنْدَمَا دَخَلَ بِالصَّبِيِّ يَسُوعَ أَبَوَاهُ لِيَصْنَعَا لَهُ حَسَبَ عَادَةِ النَّامُوسِ أَخَذَهُ عَلَى ذِرَاعَيْهِ وَبَارَكَ اللهَ وَقَالَ: «الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ الَّذِي أَعْدَدْتَهُ قُدَّامَ وَجْهِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ. نُورَ إِعْلاَنٍ لِلأُمَمِ وَمَجْداً لِشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ». وَكَانَ يُوسُفُ وَأُمُّهُ يَتَعَجَّبَانِ مِمَّا قِيلَ فِيهِ. وَبَارَكَهُمَا سِمْعَانُ وَقَالَ لِمَرْيَمَ أُمِّهِ: «هَا إِنَّ هَذَا قَدْ وُضِعَ لِسُقُوطِ وَقِيَامِ كَثِيرِينَ فِي إِسْرَائِيلَ وَلِعَلاَمَةٍ تُقَاوَمُ. وَأَنْتِ أَيْضاً يَجُوزُ فِي نَفْسِكِ سَيْفٌ لِتُعْلَنَ أَفْكَارٌ مِنْ قُلُوبٍ كَثِيرَةٍ»." (لو2/25ـ36).

  وكان هناك أيضًا في الهيكل امرأة نبيَّة اسمها حنَّة يقول عنها الكتاب " وَكَانَتْ نَبِيَّةٌ حَنَّةُ بِنْتُ فَنُوئِيلَ مِنْ سِبْطِ أَشِيرَ وَهِيَ مُتَقّدِّمَةٌ فِي

 

- 38 -

أَيَّامٍ كَثِيرَةٍ قَدْ عَاشَتْ مَعَ زَوْجٍ سَبْعَ سِنِينَ بَعْدَ بُكُورِيَّتِهَا. وَهِيَ أَرْمَلَةٌ نَحْوَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً لاَ تُفَارِقُ الْهَيْكَلَ عَابِدَةً بِأَصْوَامٍ وَطِلْبَاتٍ لَيْلاً وَنَهَاراً. فَهِيَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ وَقَفَتْ تُسَبِّحُ الرَّبَّ وَتَكَلَّمَتْ عَنْهُ مَعَ جَمِيعِ الْمُنْتَظِرِينَ فِدَاءً فِي أُورُشَلِيمَ." (لو2/36ـ38).

  جاء سمعان إلي الهيكل بالروح وكان الروح القدس قد سبق أنْ وعد أنْ لا يري الموت قبل أنْ يري المسيح الربّ، وتكلَّمت عنه حَنَّة النبيَّة مع جميع الذين كانوا يتوقَّعون ميلاده، بحسب النبوَّات، جميع المنتظرين الفداء الذي كان سيأتي من إسرائيل. فهل حدث مثل ذلك  عند ولادة أي نبيّ أو رئيس أنبياء أو أيّ شخص ظهر علي الأرض مهما كانت أهمِّيَّته؟! بالطبع لم يحدث مثل ذلك إلاَّ في ميلاد الربّ يسوع لأنَّه ليس مجرَّد شخص عاديّ ولا هو مجرَّد نبيّ بلّ هو المسيح الرب الذي ظهر في الجسد. فهو مُرْسِل الأنبياء.

  كما قيل عن المسيح أيضًا أنَّه تكلَّم بمجرَّد ميلاده من بطن أمِّه ودافع عنها! وأعلن وهو في المهد، في لحظة ولادته، أنَّه جاء إلي العالم نبيًا متعلمًا، تعلَّم من اللَّه! وأنَّه جاء بالحكمة ومعه كتابه، الإنجيل، وحافظًا للتوراة! وأنَّه سيكون بارًا بوالدته ولن يكون جبارًا ولا شقيًا، بل وتنبَّأ عن السلام الذي سيسود معه في ولادته وفي موته وفي قيامته

 

- 39 -

حيًا من الأموات! كما قيل أنَّه أجري معجزات عظيمة لحظة ميلاده أيضًا مثل تحويله النهر الجاف إلي نهر مليء بالماء العذب لتشرب منه أمّه ومن معها! وتحويله النخلة غير المثمرة إلي نخلة محمَّلة بالبلح الرطب الشهيّ! فهل قيل مثل ذلك عن غير المسيح ؟!(4)

 

Text Box: 4 ـ تميَّز المسيح عن الأنبياء في أسلوب الوحي

 

 

  تكلَّم الله قديمًا وأعلن عن ذاته عن طريق الأنبياء بأنواعٍ وطرقٍ كثيرةٍ مثل؛ الرؤى والأحلام وحلول الروح القدس علي الأنبياء والتكلُّم بلسانهم وعلي أفواههم، أو عن طريق إرسال ملائكة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(4) جاء في كتاب " الإنجيل شبيه متى " المنحول ف 20 : " حينئذ فأن الصبي يسوع بملامح سارة ، استراح في حضن أمه ، قائلا للنخلة " يا شجرة ، أحني أغصانك ، وأنعشي أمي بثمارك . وفي الحال عند تلك الكلمات أحنت النخلة قمتها إلى أسفل عند أقدام القديسة مريم وجمعوا منها ثماراً ، انتعشوا بها كلهم . وبعد أن جمعوا كل ثمارها بقيت منحنية لأسفل ، منتظرة الأمر لترتفع من الذي أمرها بالانحناء . حينئذ قال لها يسوع : " ارتفعي بذاتك يا نخلة وكوني قوية ورفيقة أشجاري ، التي في فردوس أبي وافتحي من جذورك مجرى من الماء الذي كان مختبئا في الأرض ودعى المياه تنساب حتى نكون راضين عنك . وفي الحال ارتفعت وعند جذورها تدفق نبع من الماء رائقا جدا وباردا ولامعا . فحينما رأوا نبع الماء ابتهجوا بفرح عظيم وكانوا راضين هم ذاتهم وجميع أبقارهم ودوابهم " !!

 

- 40 -

وقد تميَّز موسي النبيّ علي كلِّ الأنبياء بأنَّ اللَّه تكلَّم معه فمًا إلي فم كقول الله لهارون ومريم أخته " إِنْ كَانَ مِنْكُمْ نَبِيٌّ لِلرَّبِّ فَبِالرُّؤْيَا أَسْتَعْلِنُ لهُ. فِي الحُلمِ أُكَلِّمُهُ. وَأَمَّا عَبْدِي مُوسَى فَليْسَ هَكَذَا بَل هُوَ أَمِينٌ فِي كُلِّ بَيْتِي. فَماً إِلى فَمٍ وَعَيَاناً أَتَكَلمُ مَعَهُ لا بِالأَلغَازِ. وَشِبْهَ الرَّبِّ يُعَايِنُ. فَلِمَاذَا لا تَخْشَيَانِ أَنْ تَتَكَلمَا عَلى عَبْدِي مُوسَى؟" (عدد12/6-8). كان موسي النبيّ كليم اللّه، أمَّا المسيح فكان هو كلمة اللَّه ذاته الذي من ذات اللَّه وفي ذات اللَّه " فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللَّهَ" (يو1/1 ابن اللَّه الوحيد الذي في حضنه والذي هو وحده دون سواه يستطيع أنْ يكشف عن ذات اللَّه؛ " اَللَّهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلاِبْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ. " (يو1/18 أو كما قال هو نفسه " كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الاِبْنَ إِلاَّ الآبُ وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الاِبْنُ وَمَنْ أَرَادَ الاِبْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ" (مت11/27). فهو وحده كلمة اللَّه الذاتيّ وابن اللَّه الذي من ذاته وفي ذاته وعندما ظهر علي الأرض كان هو اللَّه الذي ظهر في الجسد.

  إذًا فالفرق بين المسيح والأنبياء هو الفرق بين رُسل اللَّه وبين كلمة اللَّه الذاتيّ الذي هو اللَّه ناطقًا، اللَّه متكلمًا، اللَّه الذي ظهر في الجسد. كان جميع الأنبياء مجرَّد رُسل ما عليهم إلا الإبلاغ برسالة اللَّه، أمَّا

 

- 41 -

المسيح فجاء برسالته هو وتعليمه هو كالربِّ المعطي الوصايا فيقول: "قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْوَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ. 000‏ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: ‏ إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى إمْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ.... ‏وَقِيلَ: مَنْ طَلَّقَ إمْرَأَتَهُ فَلْيُعْطِهَا كِتَابَ طَلاَقٍ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ:إِنَّ مَنْ طَلَّقَ إمْرَأَتَهُ إِلاَّ لِعِلَّةِ اَلْزِّنَى يَجْعَلُهَا تَزْنِي وَمَنْ يَتَزَوَّجُ مُطَلَّقَةً فَإِنَّهُ يَزْنِي .... قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ:لاَ تَحْنَثْ بَلْ أَوْفِ لِلرَّبِّ أَقْسَامَكَ.‏ وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَحْلِفُوا الْبَتَّةَ .... سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ.‏ وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا اَلشَّرَّ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ" (مت5/27-44). وهو هنا يتكلَّم كصاحبِ السلطان علي الشريعة والإله الذي أعطاها وصاحبها.

  لم يكنْ إنجيله هو وحيٌ نزل عليه من السماء بوسيلةٍ ما مثل بقيَّة الأنبياء وإنَّما كان هو ذاته كلمة اللَّه النازل من السماء وتعليمه نابعٌ من ذاته لأنَّه كلمة اللَّه، وكانت أعماله أيضًا نابعةٌ من ذاته، لأنَّ الآب يعمل به "أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ 000 لأَنْ مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ فَهَذَا (الآب) يَعْمَلُهُ الاِبْنُ كَذَلِكَ

 

- 42 -

فهذا يعمله الابن كذلك . لأَنَّ الآبَ يُحِبُّ الاِبْنَ وَيُرِيهِ جَمِيعَ مَا هُوَ يَعْمَلُهُ" (يو5/16-20).

  لم يكن الإنجيل مجرَّد رسالة نزلت عليه ودُوِّنَت في كتاب ليقرأُه فئة من الناس، كما هو الحال بالنسبة لأسفار موسي الخمسة أو بقيَّة أسفار العهد القديم، وإنَّما الإنجيل هو الخبر السار والبشارة المفرحة المقدَّم للعالم أجمع والذي يتلخَّص فيما قاله الكتاب بالروح وهو " جَمِيعِ مَا ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَفْعَلُهُ وَيُعَلِّمُ بِهِ إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي ارْتَفَعَ فِيهِ " (أع2/1-2 هو الدعوة والكرازة بالمسيح في كلِّ المسكونة، هو الإيمان بالمسيح ابن اللَّه لنوال الحياة الأبديَّة " وَأَمَّا هَذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ." (يو20/31)، هو الشهادة " أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَ الاِبْنَ مُخَلِّصاً لِلْعَالَمِ." (1يو4/14).

 

Text Box: 5 ـ  تميز المسيح بكونه الخالق

 

 

الخلق هو إيجاد الشيء من لاشيء، من العدم، وهو عمل اللَّه وحده والذي لا يشاركه فيه أحد علي الإطلاق. اللَّه وحده خالق الكون وكلّ ما به وما فيه يقول الكتاب ؛ " الرَّبُّ خَالِقُ أَطْرَافِ الأَرْضِ لاَ يَكِلُّ وَلاَ يَعْيَا. لَيْسَ عَنْ فَهْمِهِ فَحْصٌ. " (اش40/28

 

- 43 -

"هَكَذَا يَقُولُ اللَّهُ الرَّبُّ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَنَاشِرُهَا بَاسِطُ الأَرْضِ وَنَتَائِجِهَا مُعْطِي الشَّعْبِ عَلَيْهَا نَسَمَةً وَالسَّاكِنِينَ فِيهَا رُوحاً " (اش42/5). ثم يؤكِّد الكتاب أنَّ اللَّه وحده الخالق وليس معه أحد، أي لا يوجد آخر معه " أَنَا الرَّبُّ صَانِعٌ كُلَّ شَيْءٍ نَاشِرٌ السَّمَاوَاتِ وَحْدِي. بَاسِطٌ الأَرْضَ. مَنْ مَعِي؟" (أش44/24).

  وتتحدَّي الكُتب جميع البشر وسائر المخلوقات العاقلة وغير العاقلة إنْ كان هناك أحدٌ، غير اللَّه، يقدر أنْ يخلق أي شيء مهما كان، كما تتحدَّي جميع الأصنام أنْ تخلق، ولو اجتمعوا معًا، حتى ولو ذبابًا. اللَّه وحده هو الخالق البارئ المصوِّر وليس سواه ولا مثله ولا معه.

  ومع ذلك فقد قيل عن المسيح، أنَّه كان يخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيصير طيرًا بأذن اللَّه. كان المسيح يَخْلِق وبنفس الطريقة التي خَلَقَ اللَّه بها الإنسان، يقول الكتاب المقدس " وَجَبَلَ الرَّبُّ الالَهُ ادَمَ تُرَابا مِنَ الارْضِ وَنَفَخَ فِي انْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ. فَصَارَ ادَمُ نَفْسا حَيَّةً. " (تك2/7) . وهناك اتِّفاق علي أنَّ خَلْق آدم تمَّ كالآتي:

(1)                      أنَّ اللَّه خلق الإنسان من طين ثمَّ سوَّاه .

(2)                      ثمَّ نَفَخَ فيه من روحه.

 

- 44 -

والمسيح خلق الطير بنفس الطريقة(5):

(1)                      خَلَقَ من الطين كهيئة الطير.

(2)                      ثم نَفَخَ فيه فصار طيرًا 000 بإذن اللَّه.

  والسؤال هنا؛ هل هناك فرق بين خلقة الإنسان وخلقة الطير؟ والإجابة هي؛ كلا، لأنَّ كليهما عملية خلق وإيجاد حياة فيمن ليست له حياة. إذًا لماذا المسيح بالذات هو الذي أعطاه اللَّه عمل من أعماله وصفة من صفاته واسم من أسمائه؟ فقد خلق مثلما يخلق اللَّه وبنفس الطريقة التي خلق بها اللَّه الإنسان الأوَّل، وأصبح من حقِّه اسم الخالق وصفته. والإجابة دائمًا هي أنَّ اللَّه يفعل ما يريد وأنَّ له حكْمة في ذلك!!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(5) وتمتلئ كتب الأساطير المسيحية التي كتُبت فيما بين القرن الثاني الميلادي والقرن الخامس الميلادي ، والتي سمي بعضها بالأناجيل الأبوكريفية ، بالقصص التي تروي عن المسيح قيامه بعمل الخلق ؛ فقد جاء في كتاب " شبيه متى " المنحول ف 27 " أخذ يسوع طبن صلصال من الأحواض التي صنعها ومنها صنع أثنى عشر عصفورا . وكان السبت حينما فعل يسوع ذلك 000 وعندما سمع يوسف ذلك أنتهره قائلا " لماذا تفعل أنت في السبت ، تلك الأمور التي لا يحل لنا فعلها ؟ " . وعندما سمع يسوع يوسف خبط يديه سويا وقال لعصافيره : " طيري ! " . وعلى صوت أمره بدأت في الطيران . وعلى مرأى ومسمع من جميع الواقفين جانبا ، قال للطيور : " أذهبي وطيري خلال الأرض وخلال كل العالم وعيشي " . وجاء في كتاب " إنجيل الطفولة العربي " المنحول " وصنع أشكالا من الطيور والعصافير ، التي طارت حينما أخبرها أن تطير ،  ووقفت ساكتة عندما أمرها أن تقف وأكلت وشربت عندما أعطاها طعاما وشرابا " !!

 

- 45 -

ولكنَّنا نقول أنَّ اللَّه يفعل كلّ شيء بحسب مشورته الأزليَّة وتدبيره الإلهيّ وعلمه السابق ولا يفعل شيئًا باطلاً، فإذا كان قد أعطي المسيح، وحده، عمل الخلق وصفة الخالق واسم الخالق فهذا يعني أنَّ المسيح له امتياز خاص يتميَّز به عن كلِّ ما في الكون من كائنات، سواء كانت تُري أو لا تُري!! أو كما يقول الكتاب " أَعْطَاهُ اسْماً فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ. " (في2/9-11). كما يقال أن المسيح خلق بإذن اللَّه، والإنجيل يقول أنَّ اللَّه خلق به، بالمسيح، وفيه وله كل شيء " اللهِ خَالِقِ الْجَمِيعِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ. " (أف3/9)، "كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ " (يو1/2)، " الَّذِي بِهِ أَيْضاً عَمِلَ الْعَالَمِينَ. " (عب1/2)، " فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشاً امْ سِيَادَاتٍ امْ رِيَاسَاتٍ امْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ. اَلَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَفِيهِ يَقُومُ الْكُلُّ " (كو1/16ـ17).

  ويذكر الكتاب أيضًا أنَّ المسيح قام بعملية الخلق في أكثر من مناسبة؛ فقد خلق للمولود أعمي، بلا عيْنَين، عيْنَين من طين، يقول الكتاب أنَّه " تَفَلَ عَلَى الأَرْضِ وَصَنَعَ مِنَ التُّفْلِ طِيناً وَطَلَى بِالطِّينِ عَيْنَيِ الأَعْمَى.

 

- 46 -

وَقَالَ لَهُ: «اذْهَبِ اغْتَسِلْ فِي بِرْكَةِ سِلْوَامَ». الَّذِي تَفْسِيرُهُ مُرْسَلٌ. فَمَضَى وَاغْتَسَلَ وَأَتَى بَصِيراً. " (يو9/6- 7). وفي تحويلة للماء إلي خمرٍ قام بعمليَّة خلق مادةٍ من مادةٍ أخري مختلفة عنها، كيميائيًا، تمامًا، وذلك بكلمتين للأمر " امْلأوا الأَجْرَانَ مَاءً 000 اسْتَقُوا الآنَ " (يو2/7- 8). وفي إشباعه لخمسة آلاف رجلٍ غير الذين كانوا معهم من نساء وأطفال بخمسة أرغفة وسمكتَين، قام بعمليَّة خلق أخري إذ خلق من كلِّ رغيفٍ واحدٍ ما يشبع أكثر من ألف فردٍ بل وزاد حوالي قفَّتَين وربع من هذا الرغيف الواحد !! خلق من الرغيف الواحد أكثر من ألف رغيف لو افترضنا أنَّ كلّ شخص أكل رغيفًا واحدًا !! (مت14/19-22). فمَنْ كان له امتياز كهذا غير المسيح؟ والإجابة؛ لا أحد علي الإطلاق !!

 

Text Box: 6 – تميَّز المسيح بكونه علام الغيوب

 

   هناك إجماع علي أنَّ اللَّه وحده هو علام الغيوب، هو وحده يعلم الخفيَّات والظاهرات، وهو غير المحدود في العلم والمعرفة، كلِّيّ العلم والمعرفة. ولكن الكتب تقول أنَّ المسيح، أيضًا، علام الغيوب وأنَّه قال للجموع أنَّه يقدر أنْ يُنْبِئهم بما يأكلون وما يدَّخرون في

 

- 47 -

بيوتهم. والكتاب المقدَّس يقول أنَّه، المسيح، يعلم كلّ شيء ولا يخفي عليه شيء ويقول عنه " عَيْنَاه كَلَهِيبِ نَارٍ " (رؤ1/14؛2/18؛19/12 وأنَّه هو " الْفَاحِصُ الْكُلَى وَالْقُلُوبَِ" (رؤ2/23). وأنَّ علمه للغيب لم يكنْ جزئيًا لبعض الأحداث أو لأحد المواقف، أي يعلم بعض الأمور ولا يعلم البعض الآخر، بل كان علمه علمًا كليًا بصورةٍ مطلقةٍ، يعلم كلّ شيء ولا يخفي عليه شيء. يعلم الماضي والحاضر والمستقبل، ما كان في الماضي وإلي الأزل وما هو كائن في الحاضر وما سيكون في المستقبل وإلي الأبد. يعلم كلّ ما يدور في الخفيَّات وما يدور في الصدور وكل ما يدور في كلِّ مكان وزمان في الكون.

  يقول الكتاب عن معرفته المطلقة بالإنسان " فَعَلِمَ يَسُوعُ أَفْكَارَهُمْ " (مت9/4؛مت12/25)، " فَعَلِمَ يَسُوعُ خُبْثَهُمْ" (مت22/18)، " لأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ الْجَمِيعَ." (يو2/24)، " لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجاً أَنْ يَشْهَدَ أَحَدٌ عَنِ الإِنْسَانِ لأَنَّهُ عَلِمَ مَا كَانَ فِي الإِنْسَانِ. " (يو2/25). كما كشف ما سيحدث في المستقبل لتلاميذه " هَا أَنَا قَدْ سَبَقْتُ وَأَخْبَرْتُكُمْ." (مت24/25)، " أَقُولُ لَكُمُ الآنَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ حَتَّى مَتَى كَانَ تُؤْمِنُونَ أَنِّي أَنَا هُوَ." (يو13/19)، "وَقُلْتُ لَكُمُ الآنَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ حَتَّى مَتَى كَانَ تُؤْمِنُونَ." (يو14/29). ووصف لهم كلّ ما سيحدث لهم بعد صعوده وما سيحدث للكنيسة حتي

 

- 48 -

وقت مجيئه الثاني في مجد " سَيُخْرِجُونَكُمْ مِنَ الْمَجَامِعِ بَلْ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةً لِلَّهِ. وَسَيَفْعَلُونَ هَذَا بِكُمْ لأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا الآبَ وَلاَ عَرَفُونِي. لَكِنِّي قَدْ كَلَّمْتُكُمْ بِهَذَا حَتَّى إِذَا جَاءَتِ السَّاعَةُ تَذْكُرُونَ أَنِّي أَنَا قُلْتُهُ لَكُمْ. وَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ مِنَ الْبِدَايَةِ لأَنِّي كُنْتُ مَعَكُمْ. " (يو 16/2ـ4).

  وعندما قابل تلميذه نثنائيل أكَّد له أنَّه رآه وهو تحت التينة قبل أنْ يأتي إليه " فَقَالَ نَثَنَائِيلُ: «يَا مُعَلِّمُ أَنْتَ ابْنُ اللَّهِ! أَنْتَ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ!» أَجَابَ يَسُوعُ: «هَلْ آمَنْتَ لأَنِّي قُلْتُ لَكَ إِنِّي رَأَيْتُكَ تَحْتَ التِّينَةِ؟ سَوْفَ تَرَى أَعْظَمَ مِنْ هَذَا!»" (يو1/48-49)، وكشف أسرار المرأة السامريَّة " قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «اذْهَبِي وَادْعِي زَوْجَكِ وَتَعَالَيْ إِلَى هَهُنَا» أَجَابَتِ الْمَرْأَةُ: «لَيْسَ لِي زَوْجٌ». قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «حَسَناً قُلْتِ لَيْسَ لِي زَوْجٌ لأَنَّهُ كَانَ لَكِ خَمْسَةُ أَزْوَاجٍ وَالَّذِي لَكِ الآنَ لَيْسَ هُوَ زَوْجَكِ. هَذَا قُلْتِ بِالصِّدْقِ». قَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ: «يَا سَيِّدُ أَرَى أَنَّكَ نَبِيٌّ!" وأسرعت هي لتقول للناس " هَلُمُّوا انْظُرُوا إِنْسَاناً قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ. أَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْمَسِيحُ؟ " (يو4/16-19،29 وكان يعلم من سيؤمن به ومن لا يؤمن ؛ " لأَنَّ يَسُوعَ مِنَ الْبَدْءِ عَلِمَ مَنْ هُمُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَمَنْ هُوَ الَّذِي يُسَلِّمُهُ. " (يو6/64). وكان يعلم من هو الذي يسلمه " لأَنَّهُ عَرَفَ مُسَلِّمَهُ " (يو13/11).

 

- 49 -

وعند دخوله أورشليم " أَرْسَلَ اثْنَيْنِ مِنْ تَلاَمِيذِهِ وَقَالَ لَهُمَا: «اذْهَبَا إِلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أَمَامَكُمَا فَلِلْوَقْتِ وَأَنْتُمَا دَاخِلاَنِ إِلَيْهَا تَجِدَانِ جَحْشاً مَرْبُوطاً لَمْ يَجْلِسْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ. فَحُلاَّهُ وَأْتِيَا بِهِ." (مر11/1-2)، كان يعلم ما سيلاقيانه بكلِّ دقَّة. وعندما أرسل اثنين من تلاميذه ليُعِدَّا له الفصح شرح لهما كل ما سيلاقيانه بالتفصيل " فَأَرْسَلَ اثْنَيْنِ مِنْ تَلاَمِيذِهِ وَقَالَ لَهُمَا: «اذْهَبَا إِلَى الْمَدِينَةِ فَيُلاَقِيَكُمَا إِنْسَانٌ حَامِلٌ جَرَّةَ مَاءٍ. اتْبَعَاهُ. وَحَيْثُمَا يَدْخُلْ فَقُولاَ لِرَبِّ الْبَيْتِ: إِنَّ الْمُعَلِّمَ يَقُولُ: أَيْنَ الْمَنْزِلُ حَيْثُ آكُلُ الْفِصْحَ مَعَ تَلاَمِيذِي؟ " (مر14/13-14). وعرف أنَّ بطرس سينكره ثلاث مرات قبل أنْ يَصيح الديك مرتَين " فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ إِنَّكَ الْيَوْمَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ مَرَّتَيْنِ تُنْكِرُنِي ثَلاَثَ مَرَّاتٍ». " (مر14/30).

  كما كان يعرف ما سيحدث له في أيَّامه الأخيرة علي الأرض من صَلْب ومَوْت بالجسد وقيامته من الموت ومقابلته لتلاميذه بعد قيامته وصعوده إلي السموات وحلول الروح القدس علي تلاميذه، وشرحه لتلاميذه بالتفصيل؛ " مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يُظْهِرُ لِتَلاَمِيذِهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَتَأَلَّمَ كَثِيراً مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ وَيُقْتَلَ وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومَ. " (مت16/21

 

- 50 -

" وَيُسَلِّمُونَهُ إِلَى الأُمَمِ لِكَيْ يَهْزَأُوا بِهِ وَيَجْلِدُوهُ وَيَصْلِبُوهُ وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ "(مت20/19)، "وَلَكِنْ بَعْدَ قِيَامِي أَسْبِقُكُمْ إِلَى الْجَلِيلِ " (مت26/32؛مر14/28)، " فَإِنْ رَأَيْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ صَاعِداً إِلَى حَيْثُ كَانَ أَوَّلاً! " (يو6/62)، " فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: أَنَا مَعَكُمْ زَمَاناً يَسِيراً بَعْدُ ثُمَّ أَمْضِي إِلَى الَّذِي أَرْسَلَنِي. " (يو7/33). وبالتجربة عرف تلاميذه أنَّه يعلم كلّ شيء ولا يخفي عليه شيء " اَلآنَ نَعْلَمُ أَنَّكَ عَالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وَلَسْتَ تَحْتَاجُ أَنْ يَسْأَلَكَ أَحَدٌ. لِهَذَا نُؤْمِنُ أَنَّكَ مِنَ اللَّهِ خَرَجْتَ " (يو16/30) .

  فهل كان أحد من الأنبياء يعلم الغيب مثل المسيح الذي لم يكنْ يُخفي عليه شيء سواء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل؟ والإجابة؛ كلا، هو وحده علام الغيوب .

 

Text Box: 7 ـ تميُّز المسيح بكونه محيي الموتي 
 

 

 

 لقد أحيا إيليَّا النبيّ اِبن أرملة صرفة صيدا، يقول الكتاب " فَتَمَدَّدَ عَلَى الْوَلَدِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، وَصَرَخَ إِلَى الرَّبِّ: يَا رَبُّ إِلَهِي، لِتَرْجِعْ نَفْسُ هَذَا الْوَلَدِ إِلَى جَوْفِهِ." (1مل17/21)، وأحيا إليشع النبيّ اِبن المرأة الشونميَّة من الموت بنفس الطريقة تقريبًا (2مل12). ويذكر الكتاب أنَّ الربّ يسوع المسيح أقام ثلاثة من الموت؛ ابنة يايرس وهو

 

- 51 -

رئيس مجمع لليهود بعد وفاتها بوقتٍ قليلٍ، وابنٌ وحيدٌ لأرملة من قرية تُدْعَي نايين وهو في طريقة إلي المقابر ليُدفن، ولعازر بعد موته ودفنه بأربعة أيَّام. وفي كلِّ المرَّات كان يُحْيِيهم بكلمة الأمر منه؛ ففي حالة اِبنة يايرس التي كانت قد ماتت منذ وقت قليل يقول الكتاب أنَّه قال للباكين " لاَ تَبْكُوا. لَمْ تَمُتْ لَكِنَّهَا نَائِمَةٌ 000 وَأَمْسَك&#