شبهات >> كتب القس عبد المسيح بسيط ابوالخير

الكتابُ المقدّس

يتحدّي

نُقّاده والقائلين بتحريفه !!

 

 

القس عبد المسيح بسيط أبو الخير

كاهن كنيسة السيدة العذراء الأثرية بمسطرد

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اسم الكتاب  : " الكتاب المقدس يتحدي نقاده والقائلين بتحريفه "

              رقم (3) من سلسلة Apologetics ) اللاهوت الدفاعي) .

المؤلف     : القس عبد المسيح بسيط أبوالخير .

              ت ك 2201530 / 2231326

              ت م 2216232 / 4751010

              محمول 3131635 /012

المطبعة    : مطبعة بيت مدارس الأحد بروض الفرج

             ت 2029744

الطبعة الأولى : في 7/12/2005م

رقم الإيداع :  22371/2004

الترقيم الدولي : 977-17-1941-7

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

محتويات الكتاب

1

المقـدمة

5

2

مدخل الكتاب: نقد الكتاب المقدس والتشكيك فيه والقول بتحريفه

6

3

الفصل الأول: الكتاب المقدس في مواجهة النقد الحديث

25

4

الفصل الثاني: الوحي الإلهي في المسيحية وكيف كتب الكتاب المقدس؟

44

5

الفصل الثالث: شهادة المسيح ورسله لكل كلمة في أسفار العهد القديم

58

6

الفصل الرابع: كيف وصل إلينا العهد القديم سالمًا ومحفوظًا بكت دقة؟

68

7

الفصل الخامس: الوثائق التي تثبت صحة العهد القديم واستحالة تحريفه

89

8

الفصل السادس: إنجيل واحد أم أربعة أناجيل؟ الإنجيل ونوع الوحي فيه

109

9

الفصل السابع: شهادة آباء الكنيسة الأولي لصحة ووحي العهد الجديد

129

10

الفصل الثامن: الوثائق التي تثبت صحة العهد الجديد واستحالة التحريف

148

11

الفصل التاسع: القرآن وشبهة تحريف الكتاب المقدس

179

12

الفصل العاشر: ألقـاب التوراة والإنجيل في القـرآن

191

13

الفصل الحادي عشر: الإنجيل هـدي ونور

201

14

الفصل الثاني عشر: شهادة القـرآن لوجود التوراة والإنجيل بين يدي نبي المسلمين

209

15

الفصل الثالث عشر: شهادة القرآن لوجود التوراة بين يدي المسيح وأنه جاء مصدقاً لها

213

16

الفصل الرابع عشر: شهادة القـرآن والحديث والسيرة لصحة التوراة واستحالة تحريفها

221

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المقدمة

  قال الرب يسوع المسيح " على هذه الصخرة أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها " (مت18:16) . وبالفعل قامت أبواب الجحيم ضد الكتاب المقدس وهاجمته بجميع الأسلحة والحيل عبر العصور وألقت بالشك من حوله ولكنها كانت تتحطم دائماً على هذه الصخرة ، صخرة الإيمان . كما وعد قائلاً " السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول "(مت35:24) ، وأيضاً " لأني ساهر على كلمتي لأجريها " (ار12:1) . كما حذر " لا تزيدوا على الكلام الذي أنا أوصيكم به ولا تنقصوا منه لكي تحفظوا وصايا الرب " (تث16:22-18) ، " أن كان أحد يزيد على هذا يزيد الله عليه الضربات المكتوبة في هذا الكتاب وان كان أحد يحذف من أقوال كتاب هذه النبوة يحذف الله نصيبه من سفر الحياة " (رؤ19:22-20) .

  فقد تكاتف ضده كل الذين ينكرون وحيه ويرفضون سلامته من التحريف والتبديل مثل الوثنيين الذين يؤمنون بتعدد الآلهة والنقاد الماديين الذين لا يؤمنون بوجود الله ولا بكلامه أو وحيه ولا بالنبوّات أو المعجزات ، ومدارس اللاهوت التحررية التي تأثرت بآراء النقاد الملحدين ، والإخوة المسلمين الذين أنكروا وحيه لوجود خلافات جوهرية بينه وبين القرآن ، بل والعقيدة الإسلامية بصفة عامة .

  وفي هذا الكتاب نؤكد ، بالدليل العلمي الموثق ، حقيقة وصحة كل حرف وكل كلمة وكل جملة وكل فقرة وكل حدث وكل رواية في الكتاب المقدس مستعينين بمئات السجلات والمراجع والوثائق العلمية والتاريخية ، المدنية والدينية ، اليهودية والمسيحية والإسلامية والوثنية والنقدية ، وما توصل إليه علم الآثار من كشوف وحفريات ومخطوطات . وذلك إلى جانب شهادة القرآن والحديث والسيرة النبوية لصحة وسلامة أسفار الكتاب المقدس عبر تاريخه ، منذ أيام يشوع بن نون تلميذ موسى النبي ، وعزرا الكاهن والكاتب ، والرب يسوع المسيح ، الذي يؤكد القرآن أنه جاء مصدقا بالتوراة وأنها كانت بين يديه " وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ " (آل عمران:50) ، ونبي المسلمين الذي يؤكد القرآن أنه جاء مصدقا بهما وأنهما كانا بين يديه وقد شهد لهما وأحتكم بأحكام التوراة قائلاً " وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ " (المائدة:43) ، وقال عن الإنجيل " وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنجيل بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ " (المائدة:47) .

  ونرجو من الله القدير أن يستخدم هذا الكتاب لمجده وأن يكون سبب بركة لكل من يبحث عن الحق بعقله وفكره وقلبه وسبب هداية لكل من تشكك في كتابه المقدس ، كقول أيوب " قد أقام كلامك العاثر وثبت الركب المرتعشة " (أي4:4) ، وقول الرب يسوع المسيح " كلامك هو حق " (يو17:17) . 

  عيد الميلاد المجيد 7/1/2005م         القس عبد المسيح بسيط أبو الخير

    29/ كيهك /1721 ش      

- 5 -

 

 

 

 

 

مدخل للكتاب

نقد الكتاب المقدس

والتشكيك فيه والقول بتحريفه

1 ـ أسباب ظهور مدارس نقد الكتاب المقدس والتشكيك فيه :

  بدأت عملية نقد الكتاب المقدس ، وخاصة العهد القديم ، منذ القرون الأولى للمسيحية ولكنها كانت منصبة على آيات محددة في التوراة ، أسفار موسى الخمسة ، أما النقد بصورته المادية الشاملة فقد أتخذ شكلاً كثيفاً ابتداء من القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين . وقد أنصب معظم نقد علماء النقد الماديين على أسفار موسى الخمسة ، التوراة ، وركزوا عليها أكثر من بقية أسفار العهد القديم . وللأسف فقد تأثر معظم هؤلاء النقاد بالفلسفات المادية الجدلية الإلحادية التي لا تؤمن بوجود الله أو التي تقول أن الله لا يتدخل في التاريخ ، أو أن الطبيعة هي الله ، والتي سادت القرنين 17و18م واستمرت آثارها حتى الآن . واعتقد بعضها بأزلية المادة أو أن الإنسان والخليقة وجدا بالمصادفة ، ورفعت من قيمة الإنسان على حساب الله ووضعته موضع الإله في هذا العالم ، وزعمت أن الدين مسخر لخدمة الأغنياء على حساب الفقراء ، كما قال كارل ماركس " الدين أفيون الشعوب " ! ورفضت أي سلطة لله أو ما يسمى بإله لأن الله في نظر بعضها لا يتدخل في شئون الكون ، أو أن الله والطبيعة واحد " فالطبيعة هي الله ، والله هو الطبيعة " .

  ونتيجة لكل ذلك فقد رفضت الإعلان الإلهي والوحي والمعجزات والنبوات وما جاء في الكتاب المقدس وقالت أن ما جاء به ليس إلا أساطير قديمة أخترعها البشر من وحي خيالهم !! وفيما يلي أهم المذاهب والحركات والفلسفات التي أدت إلى نقد الكتاب المقدس :

(1) سيبنوزا ومذهب الحلولية أو وحدة الوجود :

   يقول مذهب الحلولية أو وحدة الوجود أن الله والكون واحد أو أن الله يحل في الكون ! ومن الذين قالوا بهذا المذهب الفيلسوف اليهودي باروخ سبينوزا (Baruch Spinoza) ، (1632- 1677م) الذي اعتبر الله والطبيعة أسمين لحقيقة واحدة(1) ، ووصف الله بأنه ليس خارج الطبيعة وليس وراءها بل الله والطبيعة واحد(2)!! ونظر إلى عقولنا البشرية الكثيرة على أنها جزء من العقل الإلهي ، وأنها تنمو كلما ازددنا اقتراباً من التوحد بالله ، أو التوحد بالعالم ، وهو ما يعني نفس الشيء(3)! ومن ثم رفض الإيمان بالمعجزات وقال " لا شيء ، إذاً ، يحدث في الطبيعة يتعارض مع نواميسها الكونية ، كلا ، فكل شيء يتفق معها ويتبعها 000 فهي تحفظ ترتيب ثابت وغير متغير " !! وفي الحقيقة " فالمعجزة التي تتعارض مع الطبيعة أو تكون فوقها هي محض عبس " !! وقال أيضاً " يجب أن نتأكد بصورة كاملة أن كل حدث مذكور في الكتاب المقدس قد حدث بالضرورة مثل أي حدث آخر بحسب نواميس الطبيعة "(4)!!

  وعلل المعجزات المذكورة في الكتاب المقدس  بتعليلات مادية فاعتبر انشقاق البحر لبني إسرائيل عند خروجهم من مصر مجرد رياح شرقية شقت لهم في البحر طريقاً وأن الأنبياء لجئوا لسرد قصص المعجزات والأمثال والحكايات التي تتناسب مع عقلية الشعب ، وأن للأنبياء والرسل تأثيراً كبيراً على الناس ، بالمقارنة بالفلاسفة والعلماء ، ويرجع هذا إلى الأسلوب البياني الساحر الذي أمتاز به أصحاب الديانات من الأنبياء والرسل بحكم طبيعة رسالتهم وشدة عواطفهم . ثم يقول أننا لو فسرنا التوراة على هذا الأساس لما وجدنا فيها شيئاً يتناقض مع العقل(5)!!

  ورفض روايات القيامة المذكورة في الأناجيل وقال عن المسيحية " لقد بشر الرسل الذين جاءوا بعد المسيح بآلام المسيح لكل البشر كدين للعالم كله " ولم يؤمن بالقيامة وبالتالي جعل المسيحية بلا أمل في الحياة الأبدية(6)!!

  وأنكر أن الأنبياء تكلموا بإعلان إلهي وأن الله قد أوحي إليهم وأعتبر ما كتبوه مثله مثل الرسائل التي كتبها الرسل والتي قال عنها " أن أسلوب التعبير والحديث الذي استخدمه الرسل في الرسائل يبين بوضوح أنها لم تكتب بإعلان أو بأمر إلهي ، ولكنها كتبت بأسلوب وحكمة كتابها "(7)!!

  وكتب كتاباً في السياسة والدين نقد فيه العهد القديم وكان هو أول من بدأ بكتابة ما عرف فيما بعد بالنقد العالي للكتاب المقدس ، خاصة العهد القديم(8). ودعي سبينوزا بـ " أب النقد الكتابي الحديث " .

(2) مذهب الربوبية(9)  Deism:

  الذي نادى بدين طبيعي يعتمد على العقل وينكر الوحي ويرفض تدخل الله في نواميس الكون ويركز على الأخلاق . وبرغم أنه يؤمن بالله كالسبب الأول في خلق الكون(10) لكنه يقول أن الله لم يتدخل بعد ذلك في أموره !! ويرفض الإعلان الإلهي والوحي والمعجزات والنبوّات ، وبالتالي الكتاب المقدس ، ويرفض الأديان عموماً خاصة التي تؤمن بالوحي الإلهي باعتباره كلام الله المنزّل من السماء !! وقد بدأ هذا المذهب في القرن السابع عشر في أمريكا كحركة حديثة نتيجة للاكتشافات العلمية ونجاح طرقها العلمية ، وقد وُصف في القرن الـ 18 بالدين الطبيعي ، في كتابات ما سمي بعصر الاستنارة . وقد ركز أصحاب هذا المذهب على العقل  والخبرات الشخصية بطريقة مبالغ فيها ، وحاولوا الإجابة على الأسئلة الدينية بعيدا عن الإعلان الإلهي واهتموا بما يكتشفه الإنسان بالعقل فقط . وهكذا لم يعد الدين ، بالنسبة لهم ، إلا مجموعة أخلاقيات وأن ما هو فوق الطبيعة يدرك بالعقل فقط !!

(3) الحركة الإنسانية Humanism :

  وخاصة الإنسانية الحديثة ، التي ترفض المعجزات وكل ما هو فوق الطبيعة وتركز بالدرجة الأولى على قيمة الإنسان وقدرته على تحقيق الذات عن طريق العقل والعلم والعاطفة الإنسانية(11). يقول UU Minister Kenneth Phifer  : " يعلمنا المذهب الإنساني أنه ليس من الأخلاق أن ننتظر من الله أن يعمل لنا . فيجب أن نعمل نحن لنوقف الحروب والجرائم والأعمال الوحشية في هذا العصر وعصور المستقبل فلدينا قوات مدركة ولدينا درجة عالية من الحرية في اختيار ما نفعله ، فالإنسانية تعلمنا أنه مهما كانت فلسفتنا عن الكون فالمسئولية المطلقة في هذا العالم الذي نعيش فيه تقع علينا "(12).

(4) الفلسفة التجريبية Empiricism :

  التي تعتقد أن المعرفة كلها مستمدة من التجربة والخبرة المحسوسة(13). وتقول أن نظرياتنا العلمية يجب أن تبنى على ملاحظاتنا للعالم وليس على الحدث

والإيمان(14). ومن أهم فلاسفة هذه المدرسة جون لوك(15)وجورج باركلي(16) ودافيد هيوم(17) الذي تبنى فكر سبينوزا المضاد لما هو فوق الطبيعة وبصفة خاصة ما يختص بالمعجزات وكان منطقه هو :

(1) المعرفة والمعتقدات مبنية على الخبرة ، فكلما كانت خبرتنا اعتيادية أو متماثلة ، كلما كانت معتقداتنا ومعرفتنا أكيدة .

(2) " وقد تأسست هذه النواميس التي للطبيعة على خبرة ثابتة وغير متغيرة " .

(3) " وعلى الرجل الحكيم أن يجعل إيمانه متناسب مع البرهان " .

(4) " ولذا فالبرهان ضد المعجزات " !!

(5) " المعجزة هي انتهاك لنواميس الطبيعة " .

(6) ومن ثم فعلى الحكيم أن لا يؤمن بالمعجزات(18).

(5) الفلسفة الوضعية Positivism :

  والتي أسسها أوجست كونت وتهتم بالظواهر والوقائع اليقينية الإيجابية فقط وترفض كل تفكير تجريدي في الأسباب المطلقة وتعتبر العلوم الطبيعية المصدر الوحيد للمعرفة الحقيقة(19). وهي تهتم بالإنسان وتضعه في مركز الكون ، وقد تحدت الدين واتخذت موقفاً عدائياً من الوحي الإلهي ، بدرجات متفاوتة ، وأنكرت الغيبيات والإلهيات ، ومن ثم تحول هؤلاء النقاد إلى هدامين للكتاب المقدس .

(6) عصر التنوير Enlightenment أو عصر العقل :

  بدأ هذا العصر في القرنين السابع عشر والثامن عشر ، في أوربا ، ليقدم ، حسب وجهة نظر رواده ، أخلاقيات وجماليات (فنون الجمال) ومعرفة مبنية على الاستنارة العقلية بعيداً عن الدين ، واعتبر قادة هذه الحركات أنفسهم كالنخبة الشجاعة للعقليات التي تقود العالم نحو التقدم والخروج من عصر اللاعقلانية ، التي تقوم على الحدس أو الغريزة أو الشعور أو الإيمان والخرافة والطغيان التي بدأت خلال فترة زمنية أسموها بالعصور المظلمة . يقول الفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل (1873 -1970م)(20)، عن عصر التنوير " لقد كانت حركة التنوير مرتبطة بانتشار المعرفة العلمية . كان الناس في الماضي يسلمون بأمور كثيرة ارتكازا إلى سلطة أرسطو والكنيسة ، ولكن الآن أصبح الاتجاه الجديد هو الإقتداء بآراء العلماء . وكما أن البروتستانتية قد طرحت ، في الميدان الديني ، الفكرة القائلة أن كل شخص ينبغي أن يتصرف حسب تقديره هو ، فكذلك أصبح من واجب الناس الآن ، في الميدان العلمي أن يتطلعوا بأنفسهم ، بدلاً أن من يضعوا ثقتهم العمياء في أقوال أولئك الذين كانوا يدافعون عن النظريات البالية "(21) . وقد نتج عن هذا العصر الأفكار التالية :

(1) الفكر الطبيعي أو المذهب الطبيعي (Pantheism- وحدة الوجود)(22) الذي ينادي بأن الله والطبيعة واحد " الله هو الكل والكل هو الله " أو أن الكون - الطبيعة - والله مترادفان وأن كل فرد هو جزء من الكون أو الطبيعة وبالتالي هو جزء من الله ، ومن هذا المذهب خرجت فكرة أخرى (Panentheism)(23) تقول أن الله موجود داخل كل خليقة وأن الله هو القوة الحية وراء الكون ، وأن الكون هو جزء من الله الذي هو أعظم من الطبيعة وحدها .

(2) الفكر الأخلاقي الذي يركز على الأخلاق بعيدا عن الوحي ويتجاهل الدين تماماً

(3) الفكر الأسطوري الذي نادى بأن ما جاء في الكتب الدينية مجرد أساطير شعبية ابتكرها خيال الإنسان .

(4) الفكر التطوري الذي نادى به رجال التاريخ الطبيعي وأهمهم سبنسر وداروين الذين تصوروا ، خطأ بنظرة فلسفية مادية ، من خلال دراستهم للحفريات الخاصة بالإنسان البدائي والقبائل البدائية تطور فكرة وجود الروح في جميع الأجسام .

  وقد كتب في هذا العصر موسوعة أعدتها جماعة من الكتاب والعلماء بفرنسا من الذين أداروا ظهورهم لتعاليم الدين والفلاسفة المتافيزيقيين (الذين يبحثون فيما وراء الطبيعة) ورأوا في العلم وحده القوة الدافعة الجديدة في الميدان العقلي . وكان أبرز فلاسفة هذا العصر فولتير(24) وجان جاك روسو(25) بفرنسا ، وكانت(26) وفشته(27) وهيجل(28) في ألمانيا .

  وقد تأثر بفلسفة هيجل في التاريخ الألماني فيرديناند كريستيان باور Ferdinand Christian Bauer (1792 – 1860م) والذي أسس مدرسة توبنجن Tubingen الألمانية لتفسير العهد الجديد والتي كانت أكثر حركة مثيرة للجدل في القرن التاسع عشر . وقد زعمت هذه المدرسة أن الإنجيل للقديس يوحنا قد كتب في القرن الثاني الميلادي(29)!!

  وجاء الفيلسوف الألماني نيتشه ، عدو المسيح ، (1844 – 1900م) ، ونادى بالنظرية اليونانية القديمة التي تفضل الأقوى ، الأوفر صحة والأقوى شخصية ، على الضعيف والسادة على العبيد !! وكان يرى أن أخلاق السادة يرتبط فيها الخير بالاستقلال والكرم والاعتماد على النفس ، وما شابه ذلك ، أي جميع الفضائل التي يتصف بها الإنسان " ذو النفس الكبيرة " عند أرسطو . أما النقائص المقابلة فهي  الخضوع والوضاعة والتهيب وما إلى ذلك ، وهذه تمثل الشر . وهنا نجد التقابل

بين الخير والشر يعادل على وجه التقريب التضاد بين النبيل والحقير(30)!! 

  ونادى بالإنسان السوبرمان ونظرية البقاء للأصلح وكان يحتقر النساء ولا يثق في قدراتهن العقلية وكان يعتقد أن لكل فعل حسن مساوئ وانتهت حياته بالجنون وقال في أفول الأصنام " اليوم لا نمتلك من العلوم إلا بقدر ما نحن مستعدين لقبول شهادة الحواس ،- حيث نقويها ونستخدمها ، حيث تعلمنا أن نفكر حتّى أقصى إمكانياتنا . أما البقية فهي ما زالت تجهض تفكيرنا ، ما زالت ما قبل علمية : أعني الميتافيزيقا ، اللاهوت ، علم النفس ، أو نظرية المعرفة . أو أيضا العلم الشكلي ، نظرية العلامات : كعلم المنطق ، أو أيضا هذا المنطق التطبيقي، أقصد به الرياضيات . هنا الحقيقة لا تظهر أبدا ، ولا حتّى كمشكل؟ وقليلا ما يوجد فيها سؤال لمعرفة القيمة العامة لاصطلاح سيميولوجي كما نجد عليه المنطق(31).  

  وتصور أن وجود الله يكون على حساب الإنسان ومن ثم قال أن الإله مات !! وقال أن الآلهة مجرد رموز من خلق الشعراء و " أن الإله المسيحي مجرد افتراض ، ولكني أريدكم أن لا تفترضوا وراء حدود آلهتكم الخلاقة . هل تستطيعون أن تخلقوا إلهاً ؟ إذا فلا تحدثوني عن أي إله ، ولكنكم تستطيعون أن تخلقوا الإنسان الأعلى  000 إذا كان هناك آلهة فكيف أستطيع أن أتحمل ألا أكون إلهاً !"(32).

7 ـ نظرية التطور وأثارها الإلحادية المدمرة :

  نادت الفلسفات المادية القديمة التي أعتنقها فلاسفة اليونان والتي قالت بأزلية الكون والمادة بفكرة التطور قبل الميلاد بقرون ، وقال بها قبل دارون العالم الفرنسي لامارك (1744 - 1829) ، الذي كان أو من جعل من التطور مذهباً بارزاً ، وقال أن الكائنات الحية قد نقلت السمات التي اكتسبتها أثناء حياتها من جيل إلى جيل ، وبهذه الصورة تطورت هذه الكائنات . وعلى سبيل المثال فقد تطورت الزرافات من حيوانات شبيهة بالبقر الوحشي عن طريق إطالة أعناقها شيئا فشيئاً من جيل إلى جيل عندما كانت تحاول الوصول إلى الأغصان الأعلى فالأعلى لأكل أوراقها . ثم ليبل (1832م) الذي قال بالقدم السحيق للأرض والحياة(33).

  ثم جاء سبنسر (ولد 1820م) وقال بعدم تلاشي المادة أو فنائها وبقاء الطاقة ، واستمرار الحركة وثبات العلاقة بين القوى (المادة أزلية لا تستحدث ولا تفنى) ، وأن التاريخ الكلي لجميع الأشياء هو ظهورها من بدء مجهول غير مدرك ، واختفاؤها في مجهول غير مدرك ، وقال أن التطور هو " تجمع لأجزاء المادة يلازمه تشتيت أو تبديد للحركة ، تنتقل خلاله المادة من حالة التجانس المنقطع غير المحدود إلى حالة التباين المتلاصق المحدود " . كما قال أن الوحدة في الفرد أيضاً ستتحول إلى تمزق وتفسخ ، وينتهي ذلك التناسق وهو الحياة إلى تفشي الفساد وهو الموت ، وستتحول الأرض إلى مسرح من الفوضى والدمار والفساد وتنتهي إلى السديم والغبار الذي أتت منه . وبذلك تصبح دورة التطور والانحلال دورة تامة ، ولكن ستبدأ هذه الدورة من جديد مرة ثانية ، وثالثة إلى ما لا نهاية(34)

  وقال عن الدين أنه كان أول الأمر عبادة طائفة من الآلهة والأرواح ، المتشابهة قليلاً أو كثيراً في كل أمة . وتطور الدين إلى فكرة إله مركزي قوي قادر على كل شيء ، أتبع كل الآلهة له ونسق أعمالها وصلاحيتها . لقد أوحت الأحلام والأشباح على ما يحتمل إلى تصور أول الآلهة 000 لقد كان الله في أول الأمر في اعتقادهم شبحاً دائم الوجود ، وأن أقوياء الرجال في هذه الدنيا تنتقل قواهم ، وسلطانهم إلى أشباحهم التي تظهر بعد موتهم . وكان لابد من استرضاء هذه الأشباح واستعطافها . وتطورت طقوس الجنائز إلى عبادة ، وأخذت جميع مظاهر الاستعطاف التي تقدم للزعيم أو القائد على هذه الأرض تستخدم في الاحتفالات والصلوات والتزلف والتقرب إلى الآلهة . وبدأ تقديم الهدايا إلى الآلهة 00الخ(35).

  ثم نشر تشارلز داروين سنة 1859م كتابه " أصل الأنواع " ، وناقش فيه نظريته في النشوء والارتقاء منطلقاً من مقدمة منطقية أساسية هي : " يعتمد تطور الكائنات الحية على الصراع من أجل البقاء . ويفوز القوي في الصراع ، في حين يُحكم على الضعيف بالهزيمة والنسيان " . ويقول أنه يوجد صراع قاس من أجل البقاء ونزاع أبدي في الطبيعة يتغلب فيه القوي على الضعيف دائماً ، وهذا ما يؤدي إلى حدوث التطور ولذا فقد سمى كتابه " أصل الأنواع بواسطة الانتقاء الطبيعي أو الحفاظ على الأجناس المفضلة في الصراع من أجل البقاء " ! ويكرر في كتابه عبارات " ؛ " الانتقاء الطبيعي " و " الصراع من أجل البقاء بين الأجناس " و " التزاوج المختار " 000 الخ . وأعتبر أن أصل الحياة ظهر في صورة هلامية  تسمى بالجبلة أو البروتوبلازم ونواة وهي ما يسميه علماء الأحياء بالخلية ، وكل الأحياء تتكون من خلية واحدة أو خلايا متعددة . وقد تطورت هذه الخلية ومرت بمراحل منها مرحلة القرد ، انتهاء بالإنسان(36)!!

  وقال دارون ودعاة التطور إن للبشر والقردة الحديثة أسلافاً مشتركة ، وقد تطورت هذه الكائنات بمرور الزمن فصار بعضها قردة اليوم ، في حين أصبحت مجموعة أخرى ، اتبعت فرعاً آخر من فروع التطور ، إنسان اليوم !! أي أن الإنسان العصري قد تطور من أحد أنواع المخلوقات الشبيهة بالقردة ! ويقولون أنه أثناء عملية التطور المزعومة هذه ، والتي يفترض أنها قد بدأت منذ حوالي أربعة إلى خمسة ملايين سنة ، وجدت بعض الأشكال الانتقالية بين الإنسان العصري وأسلافه ، ووفقاً لهذا السيناريو الخيالي وضع دعاة التطور قائمة بأربع فئات أساسية هي : (1) القرد الجنوبي ، (2) الإنسان القادر على استخدام الأدوات ، (3) الإنسان منتصب القامة ، (4) الإنسان العاقل . وأطلقوا على ما يزعمون أنه الأسلاف الأولى لكل من الإنسان والقرد اسم القرد الأفريقي الجنوبي(37)!!

  كما زعموا أن الحياة قد بدأت بخلية تكونت بمحض الصدفة ! وقالوا أنه منذ أربعة بلايين سنة خضعت أعداد متنوعة من المركبات الكيميائية التي لا حياة فيها إلى تفاعل حدث في جو الأرض البدائي ، وفيه حثت الصواعق والضغط هذه

المركبات على تكوين أول خلية حية(38)!!  

  وتفترض النظرية أن كل مرحلة من مراحل التطور أعقبت التي قبلها بطريقة حتمية ، أي العوامل الخارجية هي التي تحدد نوعية هذه المرحلة ، أما خط سيرها ذاته بمراحله جميعها فهو خط مضطرب لا يسعى إلى غاية مرسومة أو هدف بعيد لأن الطبيعة التي أوجدته غير عاقلة ولا واعية وتتخبط بشكل عشوائي !!

  وهكذا نسف تفسير داروين الطبيعي الغاية من وجود الله ومعه فكرة الخلق ، إذ جعل هذا التفسير الإنسان مماثلاً تماماً للحيوانات ، وخلق تياراً فكريا مادياً وتفاقم الصراع بين العلم والدين ، وكما يقول برتراند راسل " لقد سدد مذهب داروين إلى علم اللاهوت ضربة قاسية تماماً كما فعل كوبرنيكوس في عالم الفلك ، فالداروينية لم تجعل فحسب من الضروري التخلي عن الاعتقاد بثبات الأنواع والتخلي عن فكرة آتيان الله بأعمال الخلق المنفصلة التي يبدو أن سفر التكوين في الكتاب المقدس يؤيدها . بل أنها جعلت من الضروري أن نفترض انقضاء حقب سحيقة منذ بداية الحياة . الأمر الذي صدم مشاعر المؤمنين بالأرثوذكسية الدينية "(39). وقال الأمريكي وليم درابر " إذا افترضنا عدم وجود جنة عدن وأيام ستة تم فيها خلق الكون ، فهذا يعني أن العقيدة الدينية كلها كانت مجرد بنية زائفة "(40).

  وطبق داروين هذه النظرية على الدين وقال أن الدين نِشأ أولاً على الإيمان بقوى روحية غير مرئية ثم الإيمان بقوى سحرية ثم أنتقل إلى الوثنية أو تعدد الآلهة حتى وصل إلى غايته في التوحيد !! ورفض ما جاء في العهد القديم مثل برج بابل وظهور قوس قزح بعد الطوفان 00 الخ وباختصار فقد قال أن " كل شيء في الطبيعة هو نتيجة للنواميس الثابتة "(41).

  وكان ظهور هذه النظرية سبباً في ترك الأديان وانتشار الإلحاد وعبادة الطبيعة وإنكار الكتب الدينية والوحي والأنبياء عموماً ونفي وجود الله ووجود آدم وحواء 00 الخ ونتج عن هذه النظرية سيطرة الأفكار المادية على عقول المفكرين ومناداتهم بخضوع الإنسان للمادة وعبادة الطبيعة التي قال عنها داروين " الطبيعة تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها على الخلق "!!

õ وجعل الكنيسة الكاثوليكية ، كما يقول جيمس بيرك في كتابه عندما تغير العالم ، تتجه لتبني أفكار التطور الدارينية " وتحركت الكنيسة الكاثوليكية أسرع من أي كنيسة أخرى ، وكانت قد سمحت للكاثوليك بمناقشة التطور بعد صدور كتاب  بيوس الثاني عشر في عام 1951م بعنوان الجنس الإنساني "(42).

õ وكانت وراء نظرية فرويد (1856 – 1939م) في التحليل النفسي والذي فسر الدين تفسيراُ جنسيا حيث يقول فرويد أنه تناول هذا الموضوع في كتابه " الطوطم والمحرم" سنة 1912، " وبدأت المناقشة ببعض الملحوظات التي ساقها داروين وضمت بها فكرة قال بها أتكنسون (عالم اجتماع) تقول أن الناس عاشت في الأزمنة البدائية في عشائر صغيرة ، كل منها يحكمها ذكر قوي " وتلخص فكره في أن الدين هو الشعور بالندم من قتل الأولاد لأبيهم الذي حرمهم من الاستمتاع بأمهم ثم صار عبادة للأب ، ثم عبادة الطوطم ، ثم عبادة القوى الخفية في صورة الدين السماوي ، وكل الأدوار تنبع وترتكز على عقدة أوديب " . وقوله بحيوانية الإنسان ، فالإنسان عنده حيوان جنسي ، لا يملك إلا الانصياع لأوامر الغريزة وإلا وقع فريسة الكبت المدمر للأعصاب(43).

õ وكذلك نظرية جان بول سارتر (مواليد 1905) في الوجودية الإلحادية . وهذه الفلسفة تقوم أساسا على نظرة الإنسان كفرد وترى أن " وجوده" هو أهم صفاته ، وانه غاية بذاته ، ولا أهداف " ما ورائية " لوجوده ، بل هو الذي يحدد أهدافه بنفسه . وتؤكد من جهة أخرى أن حرية الإنسان مطلقة ولا حدود لها(44). وأن وجود الإله مستحيل ، حيث أن الموجود – في – ذاته – ولأجل – ذاته هو تصور غير ممكن وغير معقول(45). ورفض وجود الله لأنه تصور أن وجود الله يلغي وجوده وقال " إذا كان الله موجوداً فالإنسان عدم " . كما قال أيضا " أن وجود الله يعطل وجودي أنا " ، وأيضاً " إذا انفجرت الحرية مرة أخرى في روح الإنسان ، لم يبق للآلهة على هذا الإنسان آية سلطة "(46).

õ كما فرضت العنصرية على العلوم الاجتماعية حيث تقول عالمة الأنثروبولوجيا الهندية لاليتا فيدرياتي Lalita Vidyarthi " لقد لاقت نظريته (نظرية داروين) الخاصة بالبقاء للأصلح ترحيباً حاراً من قبل علماء العلوم الاجتماعية في ذلك العصر ، الذين اعتقدوا أن البشر قد حققوا مستويات متنوعة من التطور وصلت إلى أوجها في حضارة الرجل الأبيض . وبحلول النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، أصبحت العنصرية حقيقة مقبولة لدى الغالبية العظمى من علماء الغرب "(47).

  ونتيجة لذلك ظهورت الفاشية النازية والشيوعية الماركسية فغرق العالم في بحور من الدم !! فقد تأثر هتلر بأقوال داروين عن " الانتقاء الطبيعي " و " الصراع من أجل البقاء بين الأجناس " و " التزاوج المختار " والتي تتكرر عشرت المرات في كتابه " أصل الأنواع " واستوحى منها أفكار كتابه " كفاحي " الذي ركز على مبدأ البقاء والنصر للأصلح وقال " سوف يصل التاريخ إلى أوجه في إمبراطورية ألفية جديدة تتسم بعظمة لا مثيل لها ، وتستند إلى تسلسل جديد للأجناس تقرره الطبيعة ذاتها " . ويصف المؤرخ هيكمان Hickman تأثير الداروينية على هتلر كالآتي : " لقد كان (هتلر) مؤمناً راسخاً بالتطور ومبشراً به . وأيا كانت عقده النفسية الأعمق والأعوص فإن من المؤكد أن (فكرة الصراع كانت مهمة بالنسبة له لأن) 000كتابه كفاحي يبين بوضوح عدداً من الأفكار التطورية ، وخاصة تلك التي تؤكد على الصراع ، والبقاء للأصلح ، وإبادة الضعفاء لإنتاج مجتمع أفضل "(48) ،(49).     

õ وقرأ كارل ماركس (1818 – 1883م) ، ورفيقه إنجلز مؤسسا الشيوعية ، كتاب أصل الأنواع بمجرد ظهوره وانبهرا بالأسلوب المادي الجدلي الذي أتبعه ، كما تأثرا أيضاً بفكر هيجل . وكتب ماركس في " بيان الحزب الشيوعي (1848م) استكمالا وتوضيحاً للماركسية . إن هذا المؤلف " يضع الخطوط العريضة لتصور جديد للعالم ، هو المادية المتماسكة ، وهو تصور يضم أيضاً مجال الحياة الاجتماعية والجدل ، باعتباره أكثر نظريات التطور شمولاً وعمقاً ، ونظرية صراع الطبقات ، ونظرية الدور الثوري التاريخي العالمي للبروليتاريا (الطبقة العمالية) – خالقة المجتمع الشيوعي الجديد "(50). وقال كارل ماركس " أن الدين هو تغرب عن الإنسان بالهروب إلى ما يُسمى إله " وأيضاً " إنه أفيون الشعوب 000 من يحدثني عن الله يبغي أن يسلبني مالي وحياتي "(51).

õ واستخدمها أصحاب نظرية الوثائق في الدين ، وقالوا أن الدين بدأ في زمن الإنسان البدائي بالإيمان بالأرواح ووصل بالتطور إلى عبادة الإله الواحد !! بل إن ولهاوزن حاول أن يطبق نظرية هيجل في التاريخ ، والتي تأثرت بدورها بنظرية داروين ، ليبني نظاماً لتطوّر الديانة اليهودية في شبه الجزيرة العربية في عصر ما قبل الإسلام . ويشرح ج . رايت رأي ولهاوزن وغيره من النقاد المتطرفين ، في كتابه دراسة الكتاب المقدس اليوم وغداً فيقول : البناء الذي أقامه جراف وولهاوزن لتاريخ إسرائيل الديني أكّد أن صفحات التوراة تعطينا نموذجاً كاملاً للتطور الديني من عبادة الأرواح في زمن الآباء إلى التوحيد ، عندما جاءت صورة التوحيد النقية في القرنين 6 و5 ق م . وقد عبد الآباء (إبراهيم وأولاده عام 1800 ق م) الأرواح في الأشجار والأحجار والينابيع والجبال 00 الخ ! وكان إله بني إسرائيل في عصر ما قبل الأنبياء (1000 ق م) إله قبيلة ، يمتد سلطانه إلى أرض فلسطين فقط ! وكان الأنبياء هم مخترعو التوحيد ! وهم يعنون بهذا أن العبادة اليهودية بدأت بعبادة الأرواح ، ثم تبعتها عبادة آلهة قَبَلية ، وأخيراً ارتقَت إلى عبادة الإله الواحد . ثم قالوا إن الإنسان يقدر أن يحدد تاريخ أي قطعة أدبية بأن يدرس درجة تقدم التعليم الديني الذي تورده ، وحكموا بأنه يستحيل أن الأفكار الرفيعة عن الله التي تعزوها التوراة لإبراهيم وغيره من الآباء تكون من نتاج أفكار إبراهيم وسائر الآباء ، لأن فكرة الوحدانية أسمى من تفكيرهم . ويصف ولهاوزن فكرة أن الله الواحد خلق العالم أنها فكرة لاهوتية تجريدية غير مسموع بها وسط شعب ناشئ . ثم يقولون إنهم لما افترضوا أن بالدين تطوراً وارتقاءً ، فلا يناسب أن يُقال عن إبراهيم : وَيَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ ، مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِي (تكوين 22:18) لأن فكر إبراهيم الديني لم يكن قد تطور إلى مثل هذه الدرجة من الرقي ، فلا بد أن هذه العبارة كُتبت بعد ذلك بألف سنة(52)!!

  وبالرغم من كل ما سبق إلا أن نظرية التطور وما جرى عليها من تطور هي أيضاً لم تستطيع أن تقدم دليلاً علمياً مؤكداً على صحتها !! بل ولم يستطع أحد من العلماء الذين ينادون بها أن يبرهنوا على صحتها لأنها بنيت أصلاً على الفلسفة والملاحظات الشخصية وقوة المخيلة وليس على التجربة العلمية ، بل على تكنولوجية بدائية جداً !! ولم تكن هناك مجالات علمية مثل علم الوراثة وعلم الكيمياء الحيوية !! كما كان اكتشاف عالم النبات النمساوي غريغور مندل لقوانين الوراثة سنة 1865م والذي ولد على أثرها علم الوراثة في القرن العشرين من أقوى الضربات التي وجهت لها !! ورفضها معظم العلماء في نهاية القرن العشرين وكتبت ضدها مئات الكتب التي تثبت عدم وقوفها أم الدليل العلمي ويرفض تدريسها حاليا في أكثر من 42 ولاية أمريكية وحلت محلها نظرية جديدة هي نظرية " التصميم الذكي - Intelligent Design " التي تقول أن الكون خلقه عقل ذكي جداً (الله) . ويقول عنها عالم الكيمياء الحيوية الأمريكي د . مايكل بيهي أحد الأسماء المشهورة التي تؤيد هذه النظرية :

  " على مدى الأربعين سنة الماضية اكتشف علم الكيمياء الحيوية الحديثة أسرار الخلية ، وقد استلزم ذلك من عشرت الآلاف من الأشخاص تكريس أفضل سنوات حياتهم في العمل الممل داخل المختبرات 000 وقد تجسدت نتيجة كل هذه الجهود المتراكمة لدراسة الخلية (ودراسة الحياة عند المستوى الجزيئي) في صرخة عالية ، واضحة حادة تقول : التصميم المبدع !"(53).

  فنظرية التطور تحمل في ذاتها دليل بطلانها فلم يستطع أحد مطلقاً أن يدعي أو يقول أن المواد غير الحية يمكن أن تجتمع معاً لتكون حياة ، فهذا غير علمي ولم تثبته أية تجربه أو ملاحظة على الإطلاق لأن الحياة لا تولد إلا من حياة وتتكون كل خلية حية بالنسخ من خلية أخرى ، ولم ينجح أي شخص أبداً في العالم في تكوين خلية حية بالجمع بين المواد غير الحية !! ويقر بذلك أيضاً علماء التطور أنفسهم !! فيقول العالم الروسي ألكساندر أوبارين ، أحد أبرز الثقات في نظرية التطور الجزيئي في كتابه " أصل الحياة " الذي نشر سنة 1936م ؛ " لسوء الحظ مازال أصل الخلية سؤلاً يشكل – في الواقع – أكثر نقطة مظلمة في نظرية التطور بأكملها " ! كما أجرى دعاة التطور منذ أوبارين عدداً لا يحصى من التجارب لمحاولة إثبات أن الخلية كان يمكن تكوينها بمحض الصدفة فثبت لهم عكس ذلك . يقول الأستاذ كلاوس دوز ، رئيس معهد الكيمياء الحيوية بجامعة جوهانز جوتنبرج " لقد أدت أكثر من ثلاثين سنة من إجراء التجارب عن أصل الحياة في مجالات التطور الكيميائي والجزيئي إلى الوصول إلى إدراك أفضل لضخامة مشكلة أصل الحياة  على الأرض بدلاً من حلها . وفي الوقت الحالي ، فأن المناقشات الدائرة  حول نظريات وتجارب أساسية في هذا المجال إما أن تنتهي إلى طريق مسدود أو

إلى اعتراف بالجهل "(54)!!

  وعلى عكس علماء التطور الذين يندبون فشل نظريتهم ووصولهم إلى طريق مسدود واعترافهم بالجهل ، تقف الغالبية العظمى من العلماء على أرض الإيمان بالله الذي رأوه في أعماله في الكون الذي خلقه بتصميم ذكي ، كما يقول الكتاب " السموات تحدث بمجد الله . والفلك يخبر بعمل يديه " (مز19 :1) ، ولمسوه بقلوبهم ومشاعرهم وأحاسيسهم وأكد لهم المنطق والعقل العلمي وجوده . وقد قامت مجلة Le Nouvel Observateur   الفرنسية الأسبوعية بتحقيق لدى العلماء الفرنسيين فأكتشفت أن الغالبية العظمى منهم يؤمنون بالله . ونشرت أيضاً مؤسسة جيوفاني أنييلي الإيطالية نتائج مماثل لدى العلماء الإيطاليين . ويؤكد عالم الفلك الإنجليزي فريد هُويل Hoyle وهو عقل من أكثر العقول ابتكاراً في القرن العشرين أن العالم والإنسان في وسطه لا يمكن أن يكونا ثمرة المصادفة والضرورة . وقال أيضاً " إن اكتشاف كل جزء جديد ، سواء كان الـ (واو W) أو (الصفر Zero) يظهر هندسات لا تخطر ببال وانسجامات رياضية رائعة الجمال . فقوانين الفيزياء ترعي نظاماً وتماسكاً عظيمين جداً ، حتى يكاد أن يكون عدم التفكير في وجود تصميم مستحيلاً " . ويفسر الأستاذ أنطونيو زيكيكي ، وهو واحد من أعظم علماء الذّرة اليوم تركيب المادة قائلاً " إن الذي صنع العالم كما يقول أينشتاين ، لم يكن بوسعه أن يُحسن اختياراته أكثر من ذلك "(55)

  ويقول أرنو بنزياس مكتشف المُحَتَمل لميلاد العالم – الانفجار العظيم – والفائز بجائزة نوبل العام 1978م لعلم فيزياء الفلك ، أنه ما من شيء ثابت ونهائي في العلم أبداً . ثم قال – مخاطباً الله ومستخدما قول المزمور الثامن - أن السؤال الذي أسأله لنفسي هو : " من هو الإنسان حتى تذكره " (مزمور 8)(56)!!            

2 - أسباب ظهور هذه الحركات والمذاهب الفكرية والفلسفية :

(1) وراثة الفكر الأوربي للفكر الإغريقي الذي يصور عداء الآلهة للإنسان والذي يتجسد في أسطورة برومثـيوس (إله الصناعة والعلم) التي تقول أنه قام بسرقة النار من الآلهة وأعطاها للهالكين (البشر) حتى يستعملوها فأثار غضب زيوس ، إله السماء والرعد ، وعاقبه بربطه إلى صخرة ، ثم أطلق عليه عقابا أو نسرا اسمه " إثون " ، يأكل كبده في النهار ويقوم زيوس بتجديدها في الليل . في النهاية قام هيراكليس بتحريره ، وعاد إلى أوليمبوس(57). ويعتبر الإغريق قيامه بتقديم النار للبشر دليل على كونه من المساهمين في الحضارة الإنسانية . وقد صار لهذه الأسطورة تأثيرها الكبير على الفكر الأوربي وكانت محور الكثير من المسرحيات والتمثيليات والقصص التي تقف مع الإنسان المظلوم ضد الآلهة القاسية المتجبرة .

(2) الأهواء والطمع والكبرياء والغرور والانجراف الشديد للشهوات . فالذين ينقادون لأهوائهم وشهواتهم ينظرون لله ونواميسه كعائق في سبيل إشباعها وتحقيقها ، والمتكبرون والمختالون بأنفسهم يتصورون أن الدين والله حجر عثرة أمام ميولهم ورغبتهم في التحرر من أي قيد ! يقول الفرنسي لا بروير " أود لو أرى إنساناً عفيفاً ، متزناً ، معتدلاً ينكر الله ، فيكون على الأقل ، خالي الغرض والمصلحة ، ولكن التاريخ لم يسجل إلى الآن شيئاً من ذلك ". ويقول العالم باسكال " يقول الملحد : لو كان لي إيمان لتركت الملذات ، وأنا أقول لك : أهجر الملاذ تجد الإيمان "(58). ويقول فولتير " أن الملحد الماكر ، الناكر الجميل ، المفتري ، قاطع الطريق ، وسفاك الدماء يسلك وفق مبادئه إذا كان متأكداً من سهو وعفو البشر . فإذا حذف اسم الله من الوجود ، فهذا المسخ يكون إله نفسه ، فأنه يضحي لهواه بكل ما يبتغي أو بكل ما ينتصب عائقاً أمامه ، والصلوات الأشد رقة ، والبراهين الأكثر تماسكاً ليس لها عمل في قلبه ، كما ليس لها عمل في قلب جائع إلى سفك الدماء . فمن الثابت أن الإلحاد يدفع بالبشر إلى جميع الجرائم في عواصف الحياة العامة "(59).

(3) الصراعات الدينية بين الطوائف المسيحية ، خاصة بين الكاثوليك والبروتستانت ؛ فقد ثارت صراعات دينية في القرنين السادس عشر والسابع عشر أحدثت انقساماً كبيراً في أوربا بين مختلف الطوائف من كاثوليك وبروتستانت فتأثر الكثيرون بسبب هذه الحروب التي كان يدافع فيها كل واحد منهم عن عقيدته بكل ثقة وقوة معتقدا أنها العقيدة الأصح !! يقول المفكر الإنجليزي فرنسيس بيكون (1561 – 1626م) " أن أسباب الإلحاد هي الانقسامات ، إذا كانت كثيرة ، لأن أي انقسام أساسي يلهب حماسة الفريقين كليهما وغيرتهم ، ولكن الانقسامات الكثيرة تقود إلى الإلحاد "(60).

(4) بداية عصر النهضة العلمية ومقاومة رجال الكنيسة الغربية لها لتأثرها بفلسفة أرسطو على حساب العلم والكتاب المقدس ، فعارضت كوبرنيكوس الذي ولد في بولندا سنة 1473م وجالليوا اللذين قالا بثبات الشمس ودوران الأرض والكواكب حولها !! مما جعل البعض يتصور أن الدين يتعارض مع العلم !!

(5) الظلم الاجتماعي الذي كان سائداً في القرون الوسطى فقد كانت معظم الأرضي الزراعية يملكها النبلاء والكنيسة الكاثوليكية في حين أن العاملين في هذه الأرضي لا يستطيعون التصرف إلا في 50% فقط من دخلهم وكانوا يعانون من كل شيء . وهذا جعل البعض يتصور أن الدين يساند الأغنياء ضد الفقراء !!

(6) سلطة الكنيسة الغربية وصراعاتها مع أباطرة ألمانيا وبريطانيا والتي أدت إلى انفصال الكنيسة في بريطانيا عن الكنيسة الكاثوليكية وأسمت نفسها بالإنجليكانية تحت رآسة ملك أو ملكة إنجلترا ، وظهور البروتستانتية كحركة إصلاح لما كان يسود الكنيسة الكاثوليكية من أخطاء مثل حرمان الشعب من قراءة الكتاب المقدس وصكوك الغفران 00الخ ، مما فتح المجال على مصراعيه لكل فرد أو جماعة تفسر الكتاب المقدس حسب هواها بعيدا عن التسليم الرسولي .

  وقد أدى كل ذلك إلى إنكار البعض للإعلان الإلهي والوحي والكتب الموحى بها ورفض التقليد والتسليم الرسولي المسلم مرة من المسيح لتلاميذه ومن تلاميذه ورسله لخلفائهم 00 الخ .

3 – القول بالتحريف عند الأخوة المسلمين معناه وأسبابه :

1 – ما هو التحريف ؟ التحريف كما أصطلح علماء المسلمين هو تحريف الكلام بمعنى تفسيره على غير معناه بدون دليل وإعطاؤه معنى يخالف معناه الحقيقي . ويعني اصل التحريف في اللغة تبديل المعنى(61). والتحريف اصطلاحاً له معانٍ كثيرة منها : التحريف الترتيبي : أي نقل الآية من مكانها إلى مكان آخر . ومنها تحريف المعنى وتبديله إلى ما يخالف ظاهر لفظه ، وهذا يشمل التفسير بالرأي ، وكل من فسر الكلام بخلاف حقيقته وحمله على غير معناه فهو تحريف . ومنها تحريف اللفظ : وهو يشمل  الزيادة أو النقص ، والتغيير والتبديل .

أولاً : التحريف بالزيادة : بمعنى أنّ بعض الكتاب ليس من كلام الكتاب الأصلي .

1- الزيادة في الآية بحرف أو اكثر  .

2- الزيادة في الآية بكلمة أو أكثر .

3- الزيادة في جزء من الكتاب .

4- الزيادة في مجموع الكتاب .

ثانيأً : التحريف بالنقص : بمعنى أنّ بعض الكتاب لا يشتمل على جميع ما كتبه الأنبياء بالروح ، بأنْ يكون قد ضاع بعضه إمّا عمداً ، أو نسياناً ، وقد يكون هذا البعض حرفاً أو كلمةً أو آية أو جزءاً من الكتاب .

1- النقص في الآية بحرف أو اكثر .

2- النقص في الآية بكلمة أو اكثر .

3- النقص في جزء واحد .

4- النقص في مجموع الكتاب .

  أي التحريف في تبديل كلمة بدل أخرى ، التحريف في تبديل حرف بآخر ، التحريف في تبديل حركة بأخرى .

هذا معنى التحريف وأقسامه كما عرفها وبينها علماء المسلمين .

والسؤال هو : هل ينطبق معنى التحريف هذا على أسفار الكتاب المقدس ؟ وأن كان البعض يتصور ويزعم حدوث ذلك فهل يستطيع الإجابة على الأسئلة التالية ؟

(1) متى حُرف الكتاب المقدس ؟ وفي إي عصر تم التحريف ؟

(2) هل تم التحريف قبل القرن السادس الميلادي أم بعده ؟

(3) من الذي حرف الكتاب المقدس ؟

(4) أين حُرف الكتاب المقدس ؟ وفي أي بلد من بلاد العالم ؟

(5) لماذا حُرف الكتاب المقدس ؟ وما هو الهدف من ذلك ؟

(6) هل يستطيع أحد أن يقدم دليلاً تاريخياً على هذا الزعم ؟

(7) أين نسخة الكتاب المقدس الغير محرفة ؟ وما هي النصوص التي حُرفت ؟ وكيف تستطيع أن تميز بين ما حرف وما لم يحرف ؟

(8) كيف تم التحريف ؟ وهل كان في إمكان أحد أن يجمع جميع نسخ العهد القديم والتي كانت موجودة مع اليهود والمسيحيين ، و جميع أسفار العهد الجديد التي كانت منتشرة في عشرات الدول ومئات المدن وألوف القرى ، سواء التي كانت مع الأفراد أو التي كانت في الكنائس ، ثم يقوم بتحريفها وإعادتها إلى من أُخذت منهم؟

  ولم يقل أحد قط من المسيحيين سواء من المستقيمين في العقيدة أو الهراطقة  بتحريف الكتاب المقدس عبر تاريخ الكتاب المقدس والمسيحية . وبرغم ظهور الفرق المسيحية المختلفة ، سواء في القرون الأولى أو في العصور الحديثة ، وظهور البدع والهرطقات عبر تاريخ المسيحية ، واختلافها وتباينها في الفكر  والعقيدة حول شخص وطبيعة الرب يسوع المسيح ، فلم تقل فرقة واحدة أو  مجموعة من المجموعات بتحريف الكتاب المقدس .

  وقد كان كل من رجال الكنيسة والهراطقة علماء في الكتاب المقدس ، وقد درسوا   كل كلمة فيه وحفظوها عن ظهر قلب وكان لدى كل منهم نسخته الخاصة من  الكتاب المقدس . وقد عُقدت المجامع المكانية والمسكونية ودارت فيها مناقشات حامية حول مفهوم كل منهم لآيات نفس الكتاب المقدس الواحد  ، فقد اختلفوا حول  تفسير بعض آياته ومفهوم كل منهم لها ، وجعل بعضهم آياته  تخدم أفكاره الخاصة ، ولكنهم جميعاً آمنوا بوحي واحد لكتاب مقدس واحد معصوم من الخطأ والزلل .

  كما لم يقل أحد من اليهود بتحريف الكتاب المقدس ، وكان قد أنضم إلى المسيحية المئات من كهنة اليهود في السنوات الأولى للبشارة بالإنجيل ، يقول الكتاب " وكانت كلمة الله تنمو وعدد التلاميذ يتكاثر جدا في أورشليم وجمهور كثير من الكهنة يطيعون الإيمان " (أع7:6) . كما دارت مناقشات حامية بين اليهود والمسيحيين حول ما جاء عن المسيح من نبوات في العهد القديم آمن بسببها الآلاف منهم وصاروا مسيحيين (أع2:17-4) .

  ومن اشهر المناقشات في القرن الثاني الحوار الذي دار بين يوستينوس الشهيد وتريفو اليهودي ، واعتمد كلاهما على آيات نفس الكتاب المقدس الواحد ، العهد القديم ، ولم يتهم أحدهما الآخر بتحريف الكتاب المقدس إنما اختلفا في التفسير والتطبيق . وبرغم ظهور آلاف الترجمات للكتاب المقدس فقد تُرجمت جميعها من النص الأصلي ، العبري والآرامي الذي كتب به العهد القديم ، واليوناني الذي كتب به العهد الجديد ، ولدينا له مخطوطات ترجع لأيام الرب يسوع المسيح وأيام رسله الأطهار .

- 22 -

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(2) الأخوة المسلمون والقول بتحريف الكتاب المقدس وأسبابه: يقول هؤلاء بتحريف الكتاب المقدس ، التوراة والمزامير (الزبور) والإنجيل ، برغم شهادة القرآن له وقوله أنه منزل من عند الله وأنه كلام الله ووحيه المنزل على الأنبياء من موسى إلى المسيح ، بل ويعترف القرآن أن هذه الكتب كانت مع نبي المسلمين " بين يديه " وأنه جاء مصدقاً لها ومهيمناً عليها !! والسؤال هنا هو ؛  لماذا يقول هؤلاء بتحريف الكتاب المقدس ؟

  والإجابة هي أن هذا القول جاء كمحاولة لإيجاد مخرج للخلاف القائم بين العقائد    الجوهرية لكل من المسيحية والإسلام ! ومن ثم فلم يقل أحد بتحريف الكتاب المقدس قبل العصور الوسطى وانتشار الإسلام في الأوساط المسيحية وذلك  للأسباب التالية :

1 – شهادة القرآن للكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد (التوراة والزبور [ المزامير ] والإنجيل) على أنه كلمة الله الموحى بها وأنه هدى ونور ، ولكن وجود اختلاف في العقائد الجوهرية بينهما أدى إلى القول بتحريف الكتاب المقدس !

2 – الاعتقاد بأن الكتاب المقدس بشر بنبي آخر يأتي بعد المسيح وعدم وجود ذكر لهذه البشارة المفترضة في الكتاب المقدس بعهديه . وأن كان البعض قد لجأ لتطبيق بعض النبوات التي تنبأ بها أنبياء العهد القديم عن شخص المسيح الآتي والمنتظر ، وكذلك إعلان الرب يسوع المسيح لتلاميذه عن إرسال الباراقليط الروح القدس عليهم في يوم الخمسين ، على أنها هي البشارة التي قيل عنها(62)!

3 – الاعتقاد بأن الإنجيل الذي نزل على المسيح هو إنجيل واحد لا أربعة ، وأنه ليس أسفار العهد الجديد التي كتبها تلاميذه ورسله !!

4 – الاختلاف حول عقيدة تجسد المسيح وصلبه وفدائه للبشرية بتقديم ذاته فدية عن خلاص العالم كله والتي هي محور الكتاب المقدس بعهديه " فان كلمة الصليب عند

الهالكين جهالة وأما عندنا نحن المخلّصين فهي قوة الله " (1كو18:1) .

5 – الاختلاف حول عقيدة لاهوت المسيح وظهوره في الجسد ووحدته مع الآب والروح القدس ، عقيدة وحدانية الله الجامعة ، الآب والابن والروح القدس ، كالموجود بذاته = الآب ، والناطق بكلمته = الابن، والحي بروحه = الروح القدس.

6 – وذلك إلى جانب بعض الاختلافات الأخرى سواء العقيدية أو التشريعية مثل طبيعة الحياة بعد الموت ، في العالم الآخر " لأنهم في القيامة لا يزوجون ولا يتزوجون بل يكونون كملائكة الله في السماء " (مت30:22) ، " لان ليس ملكوت الله أكلا وشربا . بل هو بر وسلام وفرح في الروح القدس " (رو14: 17) ، وقيام المسيحية على أساس الحب بلا حدود ولا قيود ، محبة الأخوة بعضهم لبعض " وصية جديدة أنا أعطيكم أن تحبوا بعضكم بعضا . كما أحببتكم أنا تحبون انتم أيضا بعضكم بعضا " (يو34:13) ، ومحبة الأقرباء ، " تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قدرتك ومن كل فكرك وقريبك مثل نفسك " (لو27:10) ، بل ومحبة الأعداء " وأما أنا فأقول لكم احبوا أعداءكم . باركوا لاعنيكم . احسنوا إلى مبغضيكم . وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم " (مت44:5) .

7 – وكذلك تصورهم أن الكتاب المقدس لابد وأن يكون قد نزل دفعة واحدة على كل من موسى والمسيح !! ويصرون في نقدهم للكتاب المقدس على التمييز بين ثلاث نقاط في الوحي الإلهي ورسالة كل نبي هي ؛

ا كلام الله الذي نطق به مباشرة ، مثل الوصايا العشر .

ب - كلام النبي الذي تكلم به من ذاته ، مثل حديث إيليا مع الشعب " فتقدم إيليا إلى جميع الشعب وقال حتى متى تعرجون بين الفرقتين أن كان الرب هو الله فاتبعوه وأن كان البعل هو الله فاتبعوه " (1مل 21:18) ، (وهذا ما يسمونه بالحديث النبوي أو بأقوال النبي) .

ج - تسجيل المؤرخين لأعمال النبي وأقواله وسيرة حياته وعمل الله من خلاله ، مثل تسجيل أحاديث الله مع موسى النبي وحوارات موسى مع هارون والشعب وفرعون والضربات العشر وتفاصيل الخروج من مصر في سفر الخروج ، (وهذا

ما يسمونه بتاريخ البنوة أو السيرة الذاتية للنبي ورسالته أو السيرة النبوية) .

  ويتصور هؤلاء أن الكتاب المقدس الموجود حالياَ هو أقرب لسجلات المؤرخين وأن أسفاره هي ما كتب عن موسى وعن داود وعن الرب يسوع المسيح ، ويؤمنون بأن هناك توراة أصلية نزلت على موسى وزبور أصلى نزل على داود وإنجيل أصلى نزل على المسيح ، كما يؤمن غالبيتهم بان هذه الأسفار الموجودة حالياً  قد أصابها التحريف والتبديل والتعديل .

  ثم تطور هؤلاء في نقدهم للكتاب المقدس بدرجة كبيرة ابتداء من القرن التاسع عشر بعد أن وصلت إليهم كتابات مدارس النقد الإلحادية بمذاهبها وأفكارها المختلفة ، خاصة مدارس النقد الألمانية ، وتغير أسلوبهم في نقد الكتاب المقدس فترجموا كتب النقاد المختلفة واستخدموها في المناظرات والكتب التي تهاجم المسيحية ، وكانت البداية في الهند عندما جرت المناظرات بين هؤلاء وبين بعض رجال الإرساليات التبشيرية هناك والتي كان يتصور كل طرف في نهايتها أنه هو الذي خرج منتصراً !! ومن ثم فقد كتب هؤلاء عشرات الكتب في نقد الكتاب المقدس مستعينين بنفس كتابات وأفكار ونظريات النقاد بكل أنواعها واتجاهاتها ولا يزالون ، وذلك على الرغم من أن معظم أفكار هذه الكتابات تناقض عقائدهم وإيمانهم بأنبياء مثل إبراهيم وأسحق ويعقوب وموسى والرب يسوع المسيح 00 الخ كما كتبت العشرات بل والمئات من الكتب في الدفاع عن الكتاب المقدس ولا تزال.

  والسؤال الآن هو ما مدى حقيقة وصحة هذه الادعاءات التي تشكك في الكتاب المقدس وتدعي تحريفه ؟!

 

- 24 -

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

الكتاب المقدس

في مواجهة النقد الحديث

" كل آلة صورت ضدك لا تنجح

وكل لسان يقوم عليك في القضاء تحكمين عليه " (إش54: 17) .

  يهتم نقد الكتاب المقدس ، أولا ، بدراسة الوثائق القديمة من لفائف وأدراج ومخطوطات وكتب للتأكد من صحة نصوص وآيات الأسفار المختلفة كما دونها كتاب الوحي الأصليون من الأنبياء ، ثم يتجه النقد بعد ذلك لبحث المحتوى الداخلي والأشكال الأدبية إلى جانب البراهين الخارجية كالخلفية التاريخية والمكتشفات الأثرية ، وذلك للوصول إلى المصادر التي حصل منها الكتاب على المادة التاريخية والكتابية والتاريخ الذي دونت فيه الأسفار ، كل سفر على حدة . وينقسم نقد الكتاب المقدس إلى النقد الأدنى (النصي) والنقد الأعلى (الأدبي والتاريخي) :

1 - النقد النصي (النقد الأدنى) :

  النقد النصي Textual Criticism أو النقد الأدنى Lower Criticism هو الذي يبحث في الوثائق القديمة والنسخ العديدة المنقولة عن المخطوطات الأصلية سواء بلغاتها الأصلية أو باللغات التي ترجمت إليها ، خاصة اليونانية واللاتينية والسريانية والقبطية ، وذلك من عصور وأزمنة وبلدان وأمم مختلفة ، للتأكد من صحة النصوص ومطابقتها أو الوصول بها إلى التطابق الكامل مع النصوص الأصلية كما دونها كتاب الوحي(1)، واستعادة الكلمات الصحيحة ، الأصلية ، في حالة ما إذا كان قد طرأ عليها تبديل أو تغيير بسبب عمليات النسخ اليدوي المتكرر على مر العصور والأزمنة وفي مختلف البلاد والقارات وذلك بواسطة كتبة (نساخ) مختلفين في الفكر والثقافة والظروف . فقد كانت عمليات انتشار وتوزيع الكتب قديما وقبل عصر الطباعة تتم بنقلها ونسخها يدوياً سواء من المخطوطات الأصلية التي دونها الأنبياء كتاب الوحي أو من المنقولة عنها وهكذا استمرت هذه العملية من ثلاثة آلاف سنة إلى 1900 سنة بالنسبة لأسفار العهد القديم وحوالي 1400 سنة بالنسبة لأسفار العهد الجديد .

  ويقوم بهذه المهمة مجموعة من العلماء الذين وصلوا إلى درجة عالية من الخبرة والتمرين ، في هذا المجال(2)، والذين لديهم موهبة مميزة ومقدرة عالية على دراسة النصوص دراسة دقيقة للوصول إلى النص الأصلي وذلك بمقارنة المخطوطات المتنوعة والتي جاءت من عصور وبلاد مختلفة سواء في لغاتها الأصلية أو المترجمة عنها . ومما يسهل هذه المهمة ، نسبيا ، وجود آلاف المخطوطات التي ترجع أقدمها إلى زمن قريب نسبيا من زمن المخطوطات الأصلية ، إذ ترجع أقدم مخطوطات العهد القديم إلى سنة 250 ق م وكان عزرا الكاتب والكاهن قد جمع أسفار العهد القديم بعد العودة من السبي وكتب سفره حوالي سنة 440 ق م أي أن المدة بين أخر جمع لأسفار العهد القديم وبين أقدم المخطوطات حوالي 200 سنة بل أن أحد العلماء يؤكد أن قسما من سفر اللاويين وجد ضمن مخطوطات البحر الميت يرجع إلى سنة 400 ق م أي قريبا جدا من عصر عزرا الكاتب ، كما ترجع أقدم مخطوطة من العهد الجديد وهي جزء من الإنجيل للقديس متى إلى سنة 68 م ويرجع جزء آخر من الإنجيل للقديس يوحنا إلى سنة 125 م أي بعد القديس يوحنا بحوالي 25 سنة . وهذا مكن العلماء من التأكد من سلامة وصحة نصوص الكتاب المقدس وأنها وصلت إلينا كما كانت في مخطوطاتها الأصلية .

  ويجب أن نضع في الاعتبار أن نسخة أسفار العهد القديم الأصلية ، المقياس ، التي حررها عزرا الكاهن والكاتب (حوالي 440 ق م) ، كانت موجودة في الهيكل أيام الرب يسوع المسيح وتلاميذه ، وكان علماء اليهود ينقلون عنها نسخهم . وقد حصل عليها الكاهن والكاتب اليهودي يوسيفوس (36-100م) المعاصر لتلاميذ المسيح وقت دمار الهيكل سنة 70م مكافأة له من الإمبراطور الروماني تيطس ، وكتب بناء عليها عادات اليهود من سفر التكوين وحتى أيامه(3)!! كما كانت النسخ التي كتبها تلاميذ المسيح ورسله ، بالروح القدس مع تلاميذهم وخلفائهم من آباء الكنيسة الأولى ، وكانوا يقتبسون منها ، سواء كتابة أو شفاهه(4).

2 - النقد الأعلى (النقد الأدبي والتاريخي) :

  والنقد الأعلى Higher Criticism يبحث في التكوين الداخلي للأسفار المقدسة ، أي تركيب السفر من حيث المصادر التي أعتمد عليها كتّاب الوحي والطريقة التي اعتمدوا عليها واستخدموها في ضم هذه المصادر ، فيحلل تركيب السفر والأشكال الأدبية والأسلوب والمفردات اللغوية وتكرار الكلمات ومنطق السفر ووجهة النظر فيه ، وأي تغيير في الأسلوب أو اختيار الكلمات يدل على اختلاف الكتابة أو زمن

التكوين ، تكوين الكتاب(5).

(أ) نقد الشكل (Form Criticism) : وهو يفحص كتاباً ما من جهة طرق تركيباته اللغوية وتعبيراته التي قد تبين مصادر مختلفة لعناصر محددة . " ومن الواضح عند هذه المدرسة أن عزل الوثائق عزلاً دقيقاً - هو الذي تم إنجازه بواسطة المدرسة الوثائقية - كان مستحيلاً . وكانت الطريقة العملية لفهم هذه الوثائق هي استطلاع خبايا المصادر في هيئتها المكتوبة وفحص أنواع المقولات التي تنتمي إليها المادة الأصلية في حالتها الشفوية ، بعد ذلك تتبع طريق تطور كل وثيقة من هذه الوثائق الشفوية إلى أن وصلوا أخيراً إلى صيغتها المكتوبة . ولقد ركزوا بشدة على حالة هذه الوثائق المختلفة ليقرروا من خلالها أي نوع من العمليات تطورت إلى أن وصلت إلى شكلها المكتوب "(6).  

(ب) النقد المصدري (Source Criticism)(7): معظم المصادر التي استقى منها كتّاب الوحي مادة كتبهم الإلهية كانت شفوية لأنهم دونوا إعلانات الله التي أعلنها لشعبه بواسطتهم ، فكان مصدرها هو الله نفسه وقد أعلنها لهم بوسائل الإعلان الإلهي المختلفة وذلك إلى جانب الأحداث الجارية الخاصة بعصر كل نبي على حدة والمرتبطة بعلاقة شعب الله بهذا الإعلان وبالله ذاته . وتعتبر هذه الكتب هي المصدر الوحيد المكتوب لهذه المواد الكتابية ، مثل أسفار الأنبياء . ولكن هناك أسفار كانت لها مصادر سابقة على عصر النبي وأحداث حدثت مع أجيال سابقة على جيله مثل سفر التكوين الذي دون فيه موسى النبي تاريخ البشرية من الخليقة إلى يوسف الصديق . وهذه المصادر ليست موجودة بين أيدي النقاد والباحثين ولكن أثارها واضحة في السفر نفسه . وهناك بعض الأسفار التاريخية لا تزال بعض مصادرها موجودة بين أيدينا الآن ، فهناك نصوص كاملة متطابقة أخذها كاتب سفر الملوك الثاني (ص13:18-1:20-19) من سفر إشعياء النبي (ص 34-39) وكان إشعياء هو النبي العامل فيها ، أي أن سفر إشعياء هو أحد مصادر سفر الملوك، التاريخي ، وبقاء النصين في كلا السفرين يشهد بصحة كل منهما . كما أن أسفار صموئيل والملوك تعتبر أحد المصادر الرئيسية لسفري أخبار الأيام ، لذلك يمكن الرجوع إلى هذه الأسفار للتأكد من صحة سفري الأخبار ، والعكس صحيح أيضا لأن سفري الأخبار اللذين كتبا في القرن الخامس ق م يشهدان على صحة أسفار صموئيل والملوك وأن نصوصها التي بأيدينا اليوم هي هي كما كانت ، على الأقل ، في القرن الخامس قبل ميلاد السيد المسيح . كما تشهد أجزاء من سفر إرميا لأجزاء من سفر الملوك الثاني (2ملوك 25 وإرميا 25) والعكس صحيح ، كما أن خاتمة الأخبار الثاني هي فاتحة سفر عزرا وكلاهما يشهد لصحة الأخر .

  ولكن بقية مصادر الأسفار التاريخية الأخرى غير موجودة بين أيدينا ، فقد كان كهنة وملوك وأنبياء إسرائيل يسجلون الأحداث المعاصرة لهم ويحتفظون بسجلاتها إلى جوار تابوت العهد ، ثم بعد ذلك في الهيكل ، وقد استعان الأنبياء كتاب الوحي بأجزاء منها عند كتابة الأسفار التاريخية مثل قضاة وصموئيل والملوك والأخبار، وذلك إلى جانب الأحداث الجارية التي كانت معاصرة للكتاب ، مثل أحداث عصر إرميا والتي دونها في سفر الملوك الثاني وأحداث عصر صموئيل النبي التي دونها في الإصحاحات الأولى من سفر صموئيل الأول 00 الخ .

  وبرغم أن هذه المصادر المفقودة لا حاجة لنا بها لأنها كانت تهتم بحوليات الملوك والممالك وليست من أسفار الوحي إلا إننا نعرف الكثير منها من الكتاب المقدس ذاته والذي أكد الفحص الدقيق لمحتوياته الداخلية إلى جانب كتب التاريخ المدني القديمة والحفريات والكشوف الأثرية الكثيرة جدا صحة ودقة كل ما جاء فيه .

(ج) معايير التاريخ : ويستخدم التحليل التاريخي والمفردات اللغوية والتحليل الأركيولوجي (علم الآثار) للمكتشفات الأثرية والحفريات لتحديد الموقع التاريخي للسفر(8). وهناك عدّة معايير لتحديد تاريخ أي سفر أو جزء من أسفار الكتاب المقدس مثل اقتباس سفر من أخر أو إشارته إليه ، وذكر أحداث - أو أشخاص - كانت معاصرة ولها سجلات أخرى خارج الكتاب المقدس أو تنبؤ بعض الأنبياء عن أحداث سوف تتم بعد تنبؤهم بها أو حتى بعد رحيلهم عن العالم أو بعد ذلك بمئات أو ألوف السنين . فهناك بعض الأسفار تقتبس من أسفار أخرى كمعظم الأنبياء الذين جاءوا بعد موسى واقتبسوا من شريعته أو أشاروا إليها ، وهذا يعنى أن تاريخ أسفار التوراة الخمسة أقدم من تاريخ كل أسفار الكتاب المقدس ، وبهذا المعيار أيضا تكون أسفار صموئيل والملوك اسبق من سفري أخبار الأيام . وكذلك أيضا عندما يذكر أحد الأسفار حدثاً تاريخياً أو أشخاصاً لهم دور تاريخي معاصر فتاريخ هذا الحدث أو هؤلاء الأشخاص يحدد لنا تاريخ السفر ، مثل غزو سنحاريب لمملكة يهوذا وحصار نبوخذ نصر لأورشليم . كما حددت لنا سجلات حضارات الشرق الأدنى القديمة كبابل وأشور وكذلك سجلات مصر القديمة تاريخ بعض أجزاء العهد القديم . وعلى سبيل المثال فقد مكنتنا السجلات الآشورية من تحديد تاريخ سفر إشعياء بتاريخ سابق لعام 701 ق م وهو العام الذي غزا فيه سنحاريب يهوذا(9).

  وتحدد بعض الأسفار النبوّية تاريخها بذكر السنين التي تنبأ فيها كتابها الأنبياء وأسماء ملوك هذه الفترة . فيحدد إشعياء تاريخ نبوءته وبالتالي سفره بتاريخ أربعة ملوك " عزيا ويوثام وآحاز وحزقيا ملوك يهوذا " (إش1:1) ، وكذلك هوشع يذكر نفس الملوك الأربعة (هو1:1) ، وهكذا يفعل عاموس (عا1:1)  وميخا (ميخا1:1) وصفنيا (صف1:1) وحجى (حج1:1) وزكريا (زك1:1) ، كل منهم يحدد تاريخ سفره بالملك أو الملوك الذين كانوا معاصرين له .

  وقد ساعدت الكشوف الأثرية والحفريات على إعادة بناء تاريخ الشرق الأدنى القديم بتفصيل حاسم بدرجة معقولة وهكذا مكنتنا بدرجة كبيرة من تحديد الموقع

التاريخي المناسب لأسفار العهد القديم المختلفة .

  وهناك نبوّات تنبأ بها بعض الأنبياء عن أحداث تمت في أيامهم أو بعد ذلك . والنبوّة هنا تحدد تاريخ السفر لأن النبوّة دائماً تسبق الأحداث المتممة لها ، وعلى سبيل المثال فقد تنبأ ناحوم النبي عن سقوط نينوى (نا8:3و9) وتحققت نبّوته وسقطت نينوى عام 612 ق م وهذا ، بدوره ، يحدد لنا تاريخ سفر نحميا قبل 612ق م وليس العكس . كما تنبأ إرميا وحزقيال عن حصار أورشليم وقد تم ذلك بالفعل سنة 588-587 ق م وبالتالي يكون تاريخ هذه النبوّات قبل تاريخ الحصار ، ثم عاد النبيان وسجلا أحداث هذا الحصار ، بعد أن تم ، كأحداث تاريخية ومن ثم يكون تاريخ هذا السجل بعد تاريخ الحصار ولكن ، كما يدل السفر ، قبل العودة من سبى بابل سنة 537 ق م بزمن .

3 – مشكلة النقد الأعلى :

  وبرغم أن هذا النقد عموما ، سواء النصي أو الأعلى لا يشكل مشكلة بالنسبة للكتاب المقدس بل يساعد الدارس على الوصول للنص الأصلي لأسفار الكتاب المقدس بكل دقة وفهم المحتوى الداخلي لها ، إلا أنه كان في البداية لغير صالح الكتاب المقدس ، يقول جوش ماكدويل (Josh McDowell)(10)" ولسوء الحظ فإن مدرسة النقد العالي التي نمت في الأوساط الدراسية الألمانية في القرن قبل الماضي استخدمت بعض المناهج الخاطئة التي استندت على بعض الافتراضات المسبقة المثيرة للجدل . ولقد قوَّض هذا شرعية الكثير من استنتاجاتهم . إذ انقسمت أسفار بأكملها إلى مصادر عديدة ، كانت معظم أسفار العهد القديم تؤرخ في بعض الحالات بعد ألف سنة تقريباً من زمن الشهود الحقيقيين للوثائق . وهكذا نجد أن القصة الكتابية للتاريخ العبري القديم حلَّت محلها نظرية معقدة متناقضة مع رواية إسرائيل في كل النقط الرئيسية تقريبا 00 هذه المدرسة التي سيطرت على دراسات العهد القديم منذ البداية معاً بالإضافة إلى المنهج الذي أنتج هذه النتائج المتطرفة ، أصبحت تُعرف في بعض الدوائر بأنها " النقد العالي الهدام "(11).

4 – النقد الأعلى الهدام المتأثر بالفلسفات المادية الجدلية الإلحادية :

  بدأت عملية نقد الكتاب المقدس ، وخاصة العهد القديم ،كما بينا في الفصل السابق ، منذ القرون الأولى للمسيحية . وللأسف فقد تأثر معظم هؤلاء النقاد بالفلسفات المادية الجدلية الإلحادية التي ذكرناها في المدخل لهذا الكتاب .

5 - النقاد والافتراض المسبق المضاد لما هو خارق للطبيعة :

  وهؤلاء النقاد وأمثالهم ، من الملحدين وغيرهم ، بنوا نظرياتهم النقدية للكتاب المقدس على أساس افتراضات سابقة وهي ؛ بما أن الله غير موجود أو أنه لا يتدخل في نظام الطبيعة والكون والتاريخ فلا معنى لعبارات مثل " كلمة الله " ، " قال الله " و " وحي من الله " ، ولا وجود للنبوّة لأن الإنسان مهما كان لا يستطيع أن يعرف ما سيحدث في المستقبل القريب أو البعيد ، ولا معنى لكلمة معجزة لأن للطبيعة قوانينها الثابتة وكل شيء له مسبباته التي يصل إليها الإنسان بالخبرة والتجربة ، كما أن الكون مغلق على ذاته ولا تتدخل فيه قوة من خارجه !! " لأننا نعلم أنه لا يوجد إله ، وأن " الأمور التي فوق الطبيعية مستحيلة " و " نحن نعيش في نظام مغلق " و " المعجزات غير ممكنة " ، وهكذا إلى ما لا نهاية "(13).

  ويلخص لنا جوش مكدويل أفكارهم كما يلي : " ما دمنا نعيش في نظام مغلق أو ما نسميه الكون ، لذا لن يكون هناك أي تدخل أو غزو من قوى خارج الكون . وذلك بواسطة إله مفترض . هذا النظام المغلق يعني أن كل حدث له أسبابه داخل النظام ، ولتوضيح المسألة أكثر ، نقول إن كل حدث يحادث له تفسير طبيعي ، لذلك ، أي إشارة إلى تدخـل إلهـي يعتبــر باطلاً ، ما دمنا نفترض تواجد تفسير طبيعـي لكل ظاهـرة "(14).

  وقد عرَّف أ. كارلسون - في كتابه " العلم وما فوق الطبيعة " - " ما فوق الطبيعة " بقوله : " هي كل المعلومات ، والنظريات ، والاعتقادات والتطبيقات التي تدَّعي لنفسها مصادر أكثر وأعمق من الخبرة الموثَّقة والتفكير العميق ، أو هي الأحداث التي تتعارض مع الظواهر التي نعرفها من الطبيعة "(15).

  ونتيجة لذلك فعلى ناقد الكتاب المقدس أن ينطلق في نقده على الافتراضات المسبقة التالية :

1 – بما أنه لا وجود لله أو أنه لا يتدخل في سير التاريخ ولا أحداثه فلا يوجد ما يسمى بكلام الله أو وحي الله أو نبوّات ، ولا وجود للمعجزات ، سواء قيامة الأموات أو غيرها لأنها تتناقض مع قوانين الطبيعة ، وبالتالي فالكتاب المقدس ليس أكثر من مجرد كتاب بشري كتبه بشر ليس بوحي ولا بالهام من قوة خارقة للطبيعة ، والمعجزات ما هي إلا أساطير أو خرافات ، والنبوّات هي تاريخ حدث أولاً ثم كتب بعد حدوثه بسنوات بصيغة وأسلوب الأدب الرؤوي !!

2 – وعلى المؤرخ وهو يحقق التاريخ أن يشكل قناعته بناء على هذه الافتراضات المسبقة ، وليس على ما حدث فعلاً في مكان محدد وزمان معلوم في التاريخ !!  ويلخص الباحث الألماني فرانك الافتراضات المسبقة التي تؤمن بها تلك الجماعة من المعارضين تلخيصاً دقيقاً بقوله : " إن عرض أي حدث في التاريخ يمكن  اعتباره غير حقيقي وغير تاريخي إذا تداخلت فيه عوامل ما فوق الطبيعة ، كل

شيء يجب أن يظهر بشكل ملائم للطبيعة ويرتبط بحدث تاريخي طبيعي "(16).

  ويذكر أ. كونن وهو يشرح اتجاهه المعارض لما فوق الطبيعة : " ما دمنا ننسب جزءاً من حياة إسرائيل الدينية إلى ما هو فوق الطبيعة أو للنبوّات ولو للحظة واحدة ، فإن أي وجهة نظر لتقييم الحدث سوف تكون غير دقيقة ، ونجد أنفسنا مضطرين إلى لوي الحقائق بعنف هنا وهناك لكي نطمئن على تدفق الأحداث التاريخية ، ولا يوجد سوى التطور الطبيعي الذي نأخذه في الحسبان في كل ظاهرة مجال البحث "(17).

  ويعترف كونن أيضاً بأن " التدخّل المعتاد للقوى الإلهية في حياة الآباء الأوائل هي من وجهة نظري واحدة من العوامل الرئيسية التي تضعف من السمات التاريخية في الرواية "(18).

  ويشرح لانجدون جِلكي من جامعة شيكاغو الرد الكتابي لتجربة الخروج إلى سيناء بقوله : " إن الأفعال التي ظن الإسرائيليون أن الله فعلها والكلمات التي اعتقدوا أنه نطق بها - هم قالوا إن الله فعلاً عملها ونطق بها - لكن بالطبع نحن نعلم أنه لم يفعل كذلك "(19).

  ويسخر جوليوس ويلهوزن في كتابه " تاريخ إسرائيل واليهودية " من ذكر المعجزات التي صاحبتهم أثناء خروجهم من مصر ولجوئهم إلى سيناء وبعدما أعطى الله موسى الشريعة ، بقوله : " لكن من يمكن أن يصدق كل هذه الأمور؟"(20).

3 – وعلى الناقد لأسفار الكتاب المقدس أن يبني نقده على أساس هذه الافتراضات المسبقة !! ويخبرنا برنارد رام عن المذهب الطبيعي وتأثيره على نتائج أي دراسة نقدية : " إذا كان الموضوع يختص بما فوق الطبيعة ، فإنه من الواضح أن هذا المدخل يجعل من النتائج هي الغرض الرئيسي . وبالاختصار ، قبل بداية النقد  ، يتم الحكم نهائياً على ظواهر ما فوق الطبيعة ، وعلى جميعها أن يختفي من الوجود . لذلك فالاستنتاجات النهائية لن تكون نتيجة لدراسة عقلية خالصة لكن استنتاج محكوم عليه بمعتقدات راسخة تعارض كل ما هو فوق الطبيعي ، إذن بأي أساس يستطيع به النقاد أن يحكموا بشكل كامل على ظواهر ما فوق الطبيعة المسجلة ولها قيمة تاريخية لاشك فيها ؟ "(21).

  ويقول هيرمان ريدربوس : " من غير المقنع بالنسبة للمفكر الحديث إمكانية قيام إنسان من الموت وأن يعود طبيعياً مرة أخرى ، لأن المفكر الحديث تعلَّم أن يفهم جيداً نظام الجسد البشري . يمكن للإنسان الحديث أن يفهم عمل الله بأنه الحدث الذي يتدخل ويحـوِّل من حقيقـة حياته " الضـرورية " ، بمعنـى أنه يؤثر في حقيقة تواجده كـروح . لكنه لن يقتنع بما يسمعه عن أعمـال الفـداء ، لأن هذه تتـعامـل مـع الإنسان وهو حقيقـة طبيعية في عالم طبيعي وداخل منظومة كونية طبيعية . ومشابه لذلك الحبل بالمسيح ، ووجوده السماوي السابق ، ونقل الإنسان إلى عالم من النور حيث يلبس جسداً سماوياً ، هذه الأمور ليست فقط غير قابلة للتحقق من مصداقيتها ، بل أيضاً أمور لا معنى لها ، إنها جميعاً لا تقول شيئاً "(22).

  ويقول هيوم في جداله الفلسفي إن المعجزة هي انتهاك لقوانين الطبيعة ، ولأن نشأة هذه القوانين كانت بسبب تجارب ثابتة لا تتغير ، فإن الدليل ضد المعجزة هو من نفس طبيعة الحقيقة ويشابه أي محاولة تنشأ من التجربة ويمكن تصورها . لن يقِّدر أحد المعجزة إذا حدثت في التيار المعادي للطبيعة . لن تعتبر تلك معجزة أن يموت فجأة شخص كان يتمتع بصحة جيدة ، لكن ما يعتبر معجزة هو أن يقوم ميت من بين الأموات ، لأن هذا الأمر لم يلاحظ ورود مثله على مدى الأزمان ، لذلك يجب أن يكون هناك تجربة شكلية للتحقق من الحدث الإعجازي وإلا فإن هذا الحدث لن يستحق حتى التعريف(23).

  ويقول و جرين معلقاً على تأثر نقاد الكتاب المقدس بافتراضاتهم المسبقة : " لا يمكن أن نتجاهل موضوعياً وعلمياً الميل الواضح ضد ما هو فوق الطبيعة والذي أثر على كل النظريات النقدية 000 كل القادة المعروفين للحركة ، وبدون استثناء ، ازدروا بحقيقة المعجزات والنبوّات والتدخل الفوري للعناية الإلهية بمفهومها الإنجيلي الصحيح الأصيل . كل نظرياتهم مزخرفة بفروض مسبقة لها صلة بالمذهب الطبيعي ، ولا يمكن الفكاك منها إلا بتدميرها إلى قطع متناثرة "(24).

  والشيء العجيب بل والغريب أن بعض النقاد المحافظين والتقليديين من الذين يؤمنون بوجود الله يسايرون هذه الاتجاهات ومن ثم يقول توماس ويتلو " ما دام النقَّاد ذوو المستوى المرتفع يؤمنون بوجود إله ، فإنه لا يحق لهم أن يفترضوا عدم تدخله في العلاقات السببية ، أو يفترضوا مقدماً أن " المعجزات لا تحدث " ، وأن النبوّات ومعرفة الأمور المستقبلية مستحيلة ، معترفين بأن هذا يعتبر انتهاكاً للمنطق السليم إذا اتخذوا الموقف المضاد ، هذا يعني ، أنه من خلال حفظ الله للعالم يظهر الله ذاته ، يجب إذن أن تحدث المعجزات وللنبوّات ، وعلى الإنسان أن يتخذ موقفاً

ثابتاً ليناضل ويثبت أن هذه المحاولة غير عادلة ، والتي تبدأ بافتراض عدم تواجد

ما يسمى بظواهر ما فوق الطبيعة إلا ما يتوافق مع أعمال الطبيعة المعروفة "(25).

6 – تطور النظريات العلمية يهدم نظريات النقد الهدام :

  ولكن هذه الأساليب لا توصل للحقيقة لأنه إذا تمسك الناقد أو أي إنسان بافتراضات مسبقة خاطئة وغير سليمة وأصر عليها وتعصب لها دون بحث الأدلة والقرائن فلن يصل أبداً للحقيقة . ومما يدل على ذلك هو تأكيد العلماء الآن أن زمن النظريات القديمة للكون قد ولي وبرهنت الثورة العلمية الحديثة على أن نظرية نيوتن القائلة أن الكون ثابت وله قوانينه الثابتة قد ولى ، وأنه لم يعد أحد يعرف ما يسمي بـ " القانون الطبيعي بشكل كاف ، فقد غيرت نظرية النسبية لإينشتاين وبرهنت على أن الكون غير منقسم ولا حدود له وأننا لا نعرف كل شيء عن الكون وقوانينه وبالتالي إمكانية حدوث المعجزات والنبوّات ، يقول ج . سوليفان في كتابه " حدود العلم " : " إنه منذ أن طبع إينشتاين كتابه " النظرية الخاصة للنسبية " (1905) وكذلك أعمال بلانك عن " إشعاع الأجسام السوداء " ، واجه العلماء بما يسمى بالقانون الطبيعي في كون غير مقسَّم ولا حدود له "(26).

  ويكتب سوليفان قائلاً : " ما يسمى " بالثورة العلمية " الحديثة تشمل حقيقة وهي ن نظريات نيوتن التي تحكمت في العالم العلمي لمدة تقرب من مائتي سنة ، وجدت أنها غير كافية ، وأصبح واضحاً أن الفلسفة الحديثة بما تتضمنه من نظرة جديدة ، برغم عدم اكتمالها تبدو مختلفة عن الفلسفات الأقدم "(27).

  ويضيف چيمس مور في كتابه " المسيحية للعقل الرزين " يقول : " يرى العلماء المعاصرون أن لا أحد يعلم " القانون الطبيعي " بشكل كاف بحيث يمكن له أن يقول أن حدثاً ما يعتبر إخلالاً به . وهم يتفقون على أن الفرد غير الثابت كعينة للزمن والمكان ليس كافياً لأن يكون أساساً لنضع عليه فكرة عامة غير قابلة للتغيير تخص طبيعة العالم كله . وهكذا فإن المصطلح الشائع الذي نسميه " القانون الطبيعي " هو في الواقع وصفنا الجامد والمحدود للظواهر الطبيعية "(28).

  ويؤكد چون مونتجومري على أن موقف معارضي ما فوق الطبيعة هو في حقيقته له جانبان جانب فلسفي وآخر علمي . أولاً من الناحية الفلسفية : لا أحد أقل من الإله يقدر أن يعرف الكون تماماً بحيث يستبعد المعجزات . وثانياً من الناحية العلمية : لسبب أننا نعيش في عصر إينشتاين (وهو مخالف تماماً لعالم نيوتن المطلق حيث كوَّن هيوم نظريته الكلاسيكية في مجادلة المعجزات) . ولكن الآن انفتح الكون لكل الاحتمالات . وأي محاولة لذكر القانون العالمي للسببية يصبح لا فائدة منه ، وليس هناك سوى الاعتبار الدقيق للصيغة التجريبية لحدث إعجازي هو الذي يقدر أن يحدد ما إذا كان قد حدث فعلاً أم لم يحدث(29).

  واستمرت تلك المناقشة في كتابه " التاريخ والمسيحية " وقال : لكن هل يستطيع الإنسان الحديث أن يقبل المعجزة كما يقبل موضوع القيامة ؟ والإجابة مدهشة للغاية : يجب أن نقبل القيامة لأننا من أهل الزمن الحديث ، نحن نعيش في زمن إينشتاين . وبالنسبة لنا ، ونحن لم نعد المخالفين لمن كانوا يعيشون في زمن نيوتن ، لم يعد الكون ثابتاً في نظرنا ، ولم يعد ملعباً معروفاً نعلم كل قواعده . ومنذ إينشتاين لم يعد لأي إنسان الحق في الحكم على أي حدث بسبب معرفته السابقة "

بالقانون الطبيعي" .

  الوسيلة الوحيدة لنعرف ما إذا كان الحدث قد وقع فعلاً هو أن نفحص الأمر لنتأكد من وقوعه فعلاً . مشكلة المعجزات إذن يجب أن تحلّ في مجال الفحص التاريخي وليس في مجال التوقعات الفلسفية "(30).

  ويستكمل مونتجومري قوله : " تذكر إنه عندما يواجه المؤرخ معجزة ، فهو هنا لا يواجه شيئاً جديداً ، كل الحوادث التاريخية فريدة من نوعها ، وتجربة شكلها الواقعي يمكن قبوله بطريقة تسجيلية ، وهذا ما نتبعه هنا الآن ، ليس هناك مؤرخ له الحق في اختلاق نظام مغلق بأسباب طبيعية ، لأن تصوُّر السبب هو شيء غريب ، غير منتظم ، وله شكل شاذ "(31).

  ويحذر فنسنت تايلور وهو ناقد شكلي مخضرم من الرفض الجامد لكل ما هو إعجازي ويقول : " الوقت متأخر هذه الأيام ليسمع من ينادي بأن المعجزات مستحيلة ، هذه المرحلة من النقاش تعتبر من الزمن الماضي . فالعلم يتواضع الآن ، يوجه نظرة حقيقية للقانون الطبيعي عما كان ملحوظاً في السابق ، نحن نعلم الآن أن " قوانين الطبيعة " هي ملخصات كافية للمعرفة المتاحة . الطبيعة ليست " نظاماً مغلقاً " ، والمعجزات ليست " تدخلات " في " نظام مؤسسي " . خلال الخمسين سنة الماضية ترنحنا من جراء الاكتشافات العظمى والتي كان ينظر إليها في وقت ما بأنها مستحيلة ، لقد عشت حتى سمعنا عن تحطيم الذرة ، ووجدنا العلماء وهم يتكلمون عن الكون بأنه " فكرة عظمى وليس آلة عظمى " . هذا التغيير في وجهة النظر لم توثق في الإطار المعجزي من الأحـداث ، لكنـها تعنـي أنه عندما تتحقق شروط معينة فإن المعجـزات ليست مستحيلة ، ولا يمكن لأي اعتقـاد علمـي أو فلسفي أن يقـف في الطـريـق "(32).

7 - الجذور التاريخية للنقد الأعلى الهدام :

  ناقش الربيون اليهود ، منذ القدم ، كيفية كتابة التوراة ، واجمعوا على وحيها الإلهي وكتابة موسى النبي لها ، ولكن مسألة " موت موسى النبي " المذكورة في آخر سفر التثنية (تث5:34-15) كانت موضع نقاشهم في التلمود والمدراش ، فكان بعضهم يرى أن موسى النبي كتبها بالوحي قبل موته ، بروح النبوّة(33)، وكان البعض الآخر يرى أن يشوع هو الذي كتبها بعد موت موسى النبي . :

? فقال الربي جودا بن إلاي Judah Ben Ilai أن الآيات الأخيرة من التوراة كتبها يشوع(34).

? وتقدم أجزاء من المدراش دليلاً على العصر الراديكالي الذي نقح فيه عزرا الكاهن والكاتب نص التوراة وجعله قانونياً كما نعرفه اليوم . ويقول تقليد رباني أنه في سنة (440 ق م) كان عزرا قد حرر نص التوراة(35)..

? وفي العصور الوسطى بدا للربي أبراهام ابن عزرا وغيره أن أجزاء كثيرة في التوراة وكأنها لم تكتب في عصر موسى ، على سبيل المثال لاحظ تفسير ابن عزرا للتكوين 12: 6، 22: 14 ، وتث 1: 2، 3: 11، ،1: 6 . ووجد الربي جويف بونيفلز عدداً من روايات البرية في الخروج(36).

? وفي القرن الثاني عشر لاحظ المفسر ر. جوزيف بن ياسون عدداً من روايات البرية في الخروج وفي العدد متماثلة جداً ، وخاصة في حادثة المياه من الصخرة وفي قصة المن والسلوى . وقال إن هذه الأحداث حدثت بالفعل مرة واحدة ولكن التقاليد المتوازية طورتها(37).

? وفي القرن الثالث عشر لاحظ حزقيا بن ميمون بعض الملحوظات على النص التي سبق أن لاحظها عزرا ، وقال في تعليقه على تكوين 12: 6 أن هذا الجزء كتب من منظور مستقبلي(38).

? ولاحظ الربي يوسف بونفيلز في القرن الخامس عند مناقشة تعليقات بن عزرا أنه يبدو أن موسى لم يكتب هذه الكلمة بل كتبها يشوع أو بعض الأنبياء الآخرين بما أننا نؤمن بتقاليد الأنبياء ، فما الفرق إذا أن يكون من كتب هذه الكلمة هو  موسى أو الأنبياء بما أن كلمات كل منهم كتابات نبوية(39).

? ثم جاء اسحق بن ياسوس من توليدوا (1057م) وقال أن قائمة الملوك المذكورة في سفر التكوين (تك3:36-5) كتبت في عصر يهوشافاط وليس في عصر موسى النبي. وعلق أبراهام بن عزرا (1167م) على تثنية (1:1) والتي تقول أن موسى النبي تكلم إلى بنى إسرائيل " في عبر الأردن " ، ثم أشار إلى مجموعة آيات أخرى في أسفار موسى النبي الخمسة(40) وقال أنها كتبت بعد عصر موسى النبي(41).

  وجاء اسحق ابرابانيل (1509م) بنظرية تقول أن الكتب بشكلها الحالي قد جمعت في عصر متأخر من سجلات أقدم كانت محفوظة .

  وهذه كانت مجرد أراء فردية لعدد يعد على أصابع اليد الواحدة وتخالف التقليد والإجماع المسيحي اليهودي كما تخالف البرهان الداخلي للكتاب المقدس . وذلك على الرغم من أن هؤلاء النقاد لم يشكوا في كون موسى النبي هو كاتب التوراة بل أفترض بعضهم يشوع هو الذي أكمل سفر التثنية أو أن الأنبياء أو بعض مدارس الأنبياء المتأخرة أضافت بعض العبارات التوضيحية ، بين قوسين ، وأفترض البعض الآخر أن نصوص التوراة جمعت من سجلاتها القديمة التي كانت محفوظة فيها وكتبت في شكلها الحالي دون أي تغيير أو تبديل . إلى أن جاء المفكر اليهودي سبينوزا Spinoza (1632-1677م) ، والذي كان يؤمن بوحدة الله والطبيعة " الله والطبيعة واحد " وأنكر كتابة موسى للتوراة !! وقال في كتابه " رسالة في اللاهوت والسياسة " أن عزرا هو الذي كتبها مستخدما مواد أقدم جاء بعضها من موسى النبي ذاته(42). ثم جاء بعده كثيرون تنوعت أفكارهم وتحديداتهم للتاريخ الذي ظن كل واحد منهم أن التوراة كتبت فيه .

  وقبلت الكنيسة المسيحية التوراة وبقية أسفار العهد القديم بناء على شهادة الرب يسوع المسيح وتلاميذه ورسله لوحيها وقانونيتها وصحة وسلامة نصوصها ، مؤكدة  على أن موسى النبي هو كاتب الأسفار الخمسة الأولى ، التوراة ، بوحي الروح القدس (2تى16:3؛2بط20:1و21) وكذلك كتب الأنبياء الموحى إليهم بقية أسفار العهد القديم(43). وسارت الكنيسة على هذا الأساس طوال القرون الأولى للميلاد ولم يخرج عن ذلك سوى بعض الهراطقة من شيعة الناصريين والأبيونيين الذين رأوا في النصوص التي تقول بموت موسى النبي دليلاً على أن موسى النبي لم يكتب أجزاء أو كل التوراة . وعلق القديس جيروم (400م)(44)على بعض العبارات التي يتخذ البعض منها دليلاً على أن كاتب التوراة ليس هو موسى النبي مثل عبارة " إلى هذا اليوم " (أنظر تك20:35؛ تث6:34) المتكررة في الأسفار الخمسة ، قائلاً : يجب أن تأخذ هذه العبارة بكل تأكيد على أنها تشير إلى الزمن الذي كتُبت فيه سواء كان كاتبها هو موسى النبي كاتب التوراة الأصلي أو عزرا الكاتب الذي أستعاد التوراة ونقحها ، كما كان يؤمن بذلك .

  ويقول يونج إن مثل هذه المراحل من النقد العدائي التي بدأت في الظهور في هذه الفترة يأتي إما من مجموعات كانت تعتبر هرطوقية من العالم الوثني الخارجي . أو أن هذا النقد عكس افتراضات فلسفية معينة لها سمة منحرفة وغير علمية(45). وهكذا فإن الإدّعاء أن موسى لم يكتب الأسفار الخمسة بدأ أثناء القرنين الأولين بعد الميلاد  وكان الأساس الذي يستقر عليه هذا الاتهام هو وجود فقرات كان يُفترض أنها كُتبت بعد عصر موسى . ومع أنه كان هناك قليل من الشك أن موسى هو الكاتب أثناء القرون التالية ، فإن الجدال لم يتحرك إلى أساس جديد حتى القرن الثامن عشر وسرعان ما ظهرت نظرية عدم كتابة موسى لهذه الأسفار وتطورت بطريقة متسعة.

8 - تطور النظريات النقدية :

  وقد تطورت النظريات والافتراضات النقدية بعد ذلك واتخذت أبعاداً عديدة ومختلفة وافترضت افتراضات نظرية عديدة مجردة .

(أ) افتراض المصادر القديمة : أفترض فيترنجا C. Vitringa (1689م) أن موسى النبي استخدم مصادر اقدم منه قد يكون بعضها جاءه من إبراهيم الذي أتى به بدوره من ما بين النهرين (العراق) . ولاحظ القس ر. سيمون  R. Simon (1682م) تنوعا في أسلوب التوراة وافترض تاريخا متأخراً للتوراة ، وبصفة خاصة وجود روايتين للخلق وللطوفان بهما نوع من الاختلاف في الأسلوب والتأليف . وقال ويتر H. B. Witter القس البروتستانتي (1711م) أن سبب الازدواج في قصة الخليقة يرجع إلى استخدام اسمين مختلفين لله في التوراة ، هما إيلوهيم ويهوه(46). ولكنهم لم ينكروا أن موسى النبي هو كاتب التوراة .

  ثم جاء الأستاذ الجامعي وطبيب البلاط الفرنسي Jean Astruk وقدم للمرة الأولى (سنة 1753م) في كتاب صغير بعنوان " في الوثائق التي يبدو أن موسى استخدمها في تدوين سفر التكوين " نظرية الروايتين والاسمين الإلهيين ؛ " يهوه " واسماهما الرواية اليهوية (Jehovist) من اسم الله في العبرية " يهوه YHWH والذي يكتب أحيانا YHVH " ، لأنها تحتوي على أسم الله يهوه ، ورمز له العلماء بحرف " J " ، وإيلوهمي ، واسماها الرواية الإيلوهية " Elohist " من اسم الله إيلوهيم "ُ Elohim " ، لأنها تستخدم اسم الله إيلوهيم ورمز لها العلماء بحرف " E " . ولاحظ أن الأسم إيلوهيم مستخدم في الإصحاح الأول ويهوه مستخدم في الأجزاء الأخرى للسفر في حين أن الاسمين يهوه وإيلوهيم يندمجان معاً في الإصحاح الثاني . ويترجمان في الإنجليزية والعربية بـ " الرب الإله " وإيلوهيم(47).

  على كل حال فقد أكد على أن موسى النبي هو كاتب سفر التكوين . ولكنه كان أول من قسم المصادر إلى إيلوهيمي ويهوى ، ثم أفترض أيضا مصادر أخرى إلى جانب هذين المصدرين وقال أن موسى النبي استخدمها في كتابته للتوراة ، وأفترض أن موسى النبي رتب هذه المصادر في أعمدة منظمة ثم اختلطت هذه الأعمدة ونشأ الشكل الحالي للنص . وبرغم اعتقاده أن موسى النبي هو كاتب التوراة إلا أنه لم يفهم طبيعة أدب الشرق الأدنى القديم(48). فقد كتب موسى النبي التوراة بالوحي ، مسوقا من الروح القدس ، ولكنه أستخدم أسلوب عصره في الكتابة . وهذا ما لم يفهمه جيداً أصحاب افتراضات المصادر المتعددة لقلة درايتهم ، وقتئذ ، بأدب وفكر الشرق الأدنى القديم ، خاصة وأن معظمهم من الغرب . ومع أنه طوَّر هذه النظرية إلا أنه دافع عن موسى كمؤلف لهذه القصص الكتابية(49). ومن هنا بدأ النقد النصي الكتابي الذي أصبح فيما بعد هو النقد الأعلى(50)!!

(ب) افتراض الجزيئات أو المصادر غير الكاملة : تأثر النقاد بافتراضات أستروك ، بالرغم من أنه تحدث فقط عن سفر التكوين وتوقف بعد خروج ص 6 ، وأضافوا إلى افتراضاته وعدلوها . وكان أول من استخدم نظرية أستروك في ألمانيا هو ايكهورن J G Eichorn فقد أخذها إلى ألمانيا وفرق بين الوثيقتين الرئيسيتين على أساس أسلوبها اللغوي (1787م) ، ولكنه مثل استروك أكد أن كاتب التوراة هو موسى النبي ، وقال في مقدمته للعهد القديم(51)، أن معيار تحليل المصادر في أسفار موسى الخمسة يجب أن يتضمن اعتبارات أدبية (مثل اختلاف الأسلوب ، والكلمات الخاصة بالوثائق السابقة ، وهكذا) بالإضافة إلى معيار اسم الله عند أسترك(52). ثم افترض القس الإسكتلندي اليكسندر جدس Geddes (92-1797م) عدداً كبيراً جداً من الأجزاء أو المصادر غير الكاملة ، وزعم أن أسفار موسى النبي الخمسة مع سفر يشوع كتبت بعد موسى النبي بـ 500 سنة ، ربما في أورشليم ، ولكن ليس قبل داود ولا بعد حزقيا ، ورجح إنها كتبت أيام سليمان الحكيم من هذه المصادر الكثيرة . ثم طور هذه الافتراضات الألماني يوهان فاتير J. Vater (1802-1805م) وحاول أن يبين التطور التدريجي لأسفار التوراة الخمسة من أجزاء قائمة بذاتها . كان يعتقد أنه هناك على الأقل 38 مصدراً للأجزاء المختلفة . ومع بعض الأجزاء المعينة التي كانت من عصر موسى ، فإن الأسفار الخمسة كما هي عندنا الآن قد جُمعت في حوالي وقت السبي اليهودي (586 ق.م) .

  وحوالي سنة 1822م علق F Bleek على العلاقة الأصلية بين يشوع والأسفار الخمسة على أساس استمرار سفر يشوع في نفس الرواية . ثم ظهر آخرون قالوا بالتعدد داخل المصدر الواحد ؛ فقالوا بالمصدر الإيلوهي 1 والإلوهي 2 واليهوي ب ، ث أضافوا المصدر " D " اختصار لـ Deutronomy أي التثنوي من سفر التثنية ، أ, التشريعي أو أسموه التثنوي Deutronoist ؛ ثم أضافوا Deutronoist 1 و Deutronoist 2 . ثم تطورت هذه النظرية أكثر في عام 1831 بواسطة الباحث الألماني هارتمان(53). وكان قد أثر عمله هذا في دى ويت De Wette   (1806-1807م) الذي تخيل أن هناك وثيقة إيلوهيمية جوهرية في سفر التكوين

امتدت بإضافة مصادر أخرى عليها غير كاملة . هذه الوثيقة الجوهرية استمرت وسط الأسفار الخمسة " ملحمة الثيؤقراطية العبرية " وأدخلت عليها مجموعات القوانين وغيرها في زمن متأخر(54).

  ثم جاء المؤرخ الألماني يوليوس فيلهاوزن Julius Wellhausen ونشر سنة 1886م " مقدمة في تاريخ إسرائيل " قال فيه أن التشريع الكهنوتي غير موصوف في منتصف الأسفار الخمسة وقال أنه أضيف في مرحلة متأخرة من السبي البابلي ورمز له بالحرف " P " من Priestly أي كهنوتي . وأعتبر سفر يشوع ضمن هذا المجوعة التي اسماها بالهيكستاتيوك Hextateuch ، أي السداسية ، الأسفار الخمسة وسفر يشوع ، وقال أنها كتبت بواسط مجموعة من الكتاب على مدى زمن طويل ، وضيق مجالات الروايات إلى Jahwist & Elohist & Deutronomist & Priestly (