شبهات >> كتب القس عبد المسيح بسيط ابوالخير

مقدمة

 

أصدرنا سنة 1988 كتاب "هل المسيح هو الله "يهوه" ليجيب على هذا السؤال الجوهرى فى العقيده المسيحيه، وأعتمدنا فى دراسته على الأسلوب الكتابى اللاهوتى اللغوى طالبين إرشاد الروح القدس وتوجيهه. وبعد مرور أكثر من ست سنوات ونصف من نشره ونفاذ نسخه من المكتبات رأينا، بتوجيه وإرشاد الروح القدس، اعاده الدراسة بتوسع، بل وعمل بحث جديد ونشر كتاب جديد يضم بين دفتيه محتوى الكتاب الأول بعد إعاده دراسته وتوسيعه على ضوء أحدث المراجع الكتابيه والتفسيريه واللغويه واللاهوتيه، بل والنقديه التى تنتقد عقيده لاهوت المسيح بشده ومراره بل وسخريه، وإضافه فصول جديده للأجابه على هذا السؤال، بتوسع كافى، وعلى أسئله كثيره غيره، مثل: هل المسيح هو الله؟ أم هو ابن الله؟ أم هو ابن انسان؟ أم هو مجرد بشر مثله مثل سائر البشر؟ هل هو الله أم ابن الله؟ هل هو ابن الله أم ابن انسان؟ ما معنى "ابن الله" وما معنى "ابن إنسان؟ دعا العهد القديم الملائكه والقضاه بالآلهه وأبناء الآلهه كما دعى بعض البشر مثل داود وسليمان وإسرائيل أولاد الله، كما دعا العهد الجديد المؤمنين أبناء الله، فما معنى ذلك؟ وهل يعنى القول المسيح "ابن الله" ما يعنيه بالنسبه للملائكه والبشر؟ هل هناك آيات صريحه فى العهد القديم تتكلم عن لاهوت المسيح؟ وهل هناك آيات صريحه فى العهد الجديد تؤكد ذلك أيضاً؟ هل قال المسيح "انى انا الله"؟ وهل نسب لنفسه أسماء الله والقابه وصفاته؟ وماذا يعنى بقوله "أنا ابن الإنسان" و "أنا انسان"؟ وهل يمكن أن يكون الله هو نفسه إنسان؟ وهل يمكن أن يقال أيضاً عن المسيح أنه ابن الله وابن الإنسان؟.

هذه الأسئله وغيرها ليست جديدة فى تاريخ المسيحيه أو فى تاريخ الفكر المسيحى، وإنما هى قديمه قدم المسيحيه نفسها وبدأت مع المسيح نفسه عندما سأله اليهود "من أنت؟"، "من هو هذا ابن الإنسان؟"، ولما أحتار الناس فى معرفه شخصه سأل هو تلاميذه "من يقول الناس أنى أنا ابن الإنسان؟.. وأنتم من تقولون أنى أنا؟"، وعندما أجابه بطرس بحقيقه كينونته وجوهره مدحه وقال أنه لم يعلن ذلك من نفسه بل أن هذا ما أعلنه الآب بواسطه بطرس. وقد وعد السيد الرسل أن يرسل الروح القدس لكى، كما يقول "يعلمكم كل شئ ويذكركم بكل ما قلته لكم"، "فهو يشهد لى" و "يرشدكم إلى جميع الحق". وكما قال بولس الرسول "كلامى وكرازتى لم يكونا بكلام الحكمه (الإنسانيه) المقنع بل ببرهان الروح والقوه لكى لا يكون إيمانكم بحكمه الناس بل بقوه الله". ونرجو فى المسيح أن لا يكون كلام هذا الكتاب هو كلام الحكمه الإنسانيه المقنع بل هو برهان الروح القدس وتعليمه وإرشاده وشهادته للمسيح.

وفى هذا المجال نتقدم بالشكر لقداسه البابا شنوده الثالث بابا الاسكندريه وبطريرك الكرازه المرقسيه، الاستاذ والعالم والمعلم، على تشجيعه الرقيق ولمحات قداسته الرقيقه، ولنيافه الأنبا مرقس أسقف شبرا الخيمه وتوابعها، وأبى الروحى، على تشجيعه المستمر ودعمه المعنوى ومساعدتى فى الحصول على الكثير من المراجع اللازمه لمثل هذه الدراسات. راجياً من الله أن يديم حبريتهما سنين كثيره وأزمنه مديده. كما أرجو أن يأتى هذا الكتاب بالفائده المرجوه فى الروح القدس، روح الحكمه والاعلان فى معرفته.

عيد الميلاد المجيد

29 كيهك 1711ش                                         

7 يناير 1995م 

                                                 القس عبد المسيح بسيط

                                                                                    ابو الخير

 

الفصل الأول

الله

الكائن الأبدى الأزلى

الله كائن سرمدى، أبدى أزلى، لا بدايه له ولا نهايه، هو الموجود من الأزل، بلا بدايه، والموجود إلى الأبد بلا نهايه، لا إله قبله ولا بعده، ولا إله سواه أو مثله أو غيره أو معه، ولا شريك له. فهو الأله الواحد، الكامل فى ذاته، كلى الوجود والقدره والمعرفه والعلم، ولا يحتاج لغيره، فهو كلى الكمال، والذى يقول عن ذاته:

C        "أنا الأول وأنا الأخر ولا إله غيرى. ومن مثلى فليخبر به هل يوجد إله غيرى؟"(1).

C        "أنا يهوه (الرب) صانع كل شئ ناشر السموات وحدى باسط الأرض. من معى؟"(2).

C    "أنا الرب (يهوه) وليس آخر. لا إله سواى لكى يعلموا من مشرق الشرق ومن مغربها أن ليس غيرى. أنا يهوه (الرب) وليس آخر"(3).

C        "أذكروا الأوليات منذ القديم لأنى أنا الله وليس آخر. الإله وليس مثلى"(4).

C        "أنا هو. أنا الأول وأنا الآخر. ويدى أسست الأرض ويمينى نشرت السموات"(5).

C        "لكى تعرفوا وتؤمنوا بى وتفهموا أنى أنا هو. قبلى لم يصور إله وبعدى لا يكون"(6).

ولله أسماء وألقاب كثيره وأهمها الأسم "أكون أهيه ehyeh"، و"يهوه" اللذان سندرسهما فى هذا الفصل.

و"أكون أهيه ehyeh" يعبر عن كينونة الله وكيانه وجوهره، ويعبر عن وجوده الذاتى، الدائم والمستمر، الوجود السرمدى، الأزلى الأبدى، الذى لا بدايه له ولا نهايه، فوق الزمان، فهو غير الزمنى. كما يعبر عن وجوده الذاتى، كالموجود بذاته بدون موجد، إذ أن وجوده فى ذاته ومن ذاته. كما يعبر أيضاً عن وجوده كالموجود، الذى هو أصل وسبب ومصدر وعلة كل وجود، الموجود الذى يستمد منه كل وجود وجوده، فهو الموجود بذاته وخالق كل الموجودات، الكون كله من أصغر جزء فى الذره إلى أكبر المجرات، خالق الكون وفيه.

سأل موسى الله، عندما ظهر له بلهيب نار فى العليقه عن أسمه: "فقال موسى لله ها أنا آتى إلى بنى أسرائيل وأقول لهم إله آبائهم أرسلنى إليكم. فإذا قالوا ما أسمه فماذا أقول لهم؟"(7).

والأسم فى القديم لم يكن مجرد علامه (Lable) للشخص، بل يدل فى الأغلب عن خواص وجوهر وصفات صاحبه، وعلى معناه(8). وهناك أداتان فى العبريه

 للسؤال عن الأسم:

أ‌-   "ماه mah" والتى تساوى فى العربيه "ما what" "ما أسمه". وتسأل عن خاصية وصفه وجوهر الشخص، أو عن حادثه هامه ارتبطت بشخصه(9) ، (10).

ب‌-        "مى mi" والتى تساوى فى العربيه "من" وتسأل عن نسب الشخص أ بعض ملامحه الخارجيه(11)،(12).

وقد استخدم موسى النبى الأولى "ما اسمه"، لأنه أراد أن يعرف أكثر من مجرد الأسم، أراد أن يعرف جوهر الأسم ومغزاه وخواصه وصفاته. فأجابه الله عما سأل وكشف له ما تاقت إليه نفسه:

"فقال الله لموسى أهيه الذى أهيه". وقال هكذا تقول لبنى اسرائيل "أهيه" أرسلنى إليكم يهوه إله آبائكم إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب أرسلنى إليكم.

هذا أسمى إلى الأبدى وهذا ذكرى إلى دور فدور"(13).وعباره "أهيه الذى أهيه" أو "Eheyeh asher Eheyeh" منقوله حرفياً من النص العبرى إلى اللغه العربيه.

 وهذا ما حدث أيضاً فى الترجمات السريانية والفارسية والكلدانية التى نقلت النص كما هو(14)، وقد أجمع علماء اليهود فى القديم وأباء الكنيسة فى القرون

الأولى وبقية علماء الكتاب المقدس واللغه العبريه فى كل العصور، على أن الأسم "أهيه Eheyeh" مشتق من الفعل العبرى "هايا Haya"، فعل الكينونة

"أكون Etre – to Be". وقد ترجم بهذا المعنى "أكون"، "الكائن" وأحياناً "هو" فى كل الترجمات العالمية.

 

1-    فقد ترجم فى اللغه اليونانية المعروفه بالسبعينية (LXX):

والتى قام بها سبعون من علماء اليهود فى القرن الثالث (282ق.م) قبل ميلاد المسيح: "ego eimi ho On… ho On a pestalke me"(15) وترجمت حرفياً

 إلى الإنجليزيه: "Iam THE BEING… THE BEING has sent me" أى "أنا هو الكائن الكائن أرسلنى".

2-            وترجم فى اللاتينيه (The Volgate):

"Iam Who am" = "Ego Sum Qui sum"(16) و Sum" تعنى، أكون، أوجد، أحيا. أى أن الترجمه ركزت على الوجود المطلق للذات الإلهيه "أكون الذى أكون".

3- وترجم فى العربيه التى هى شقيقه العبرية:

"أكون الذى أكون أكون أرسلنى"(17).

C          وترجم فى الكاثوليكية اليسوعية:

"أنا هو الكائن الكائن أرسلنى"(18).

C                وترجم فى الترجمة اليسوعية الحديثه (1989م):

"أنا هو من هو أنا هو أرسلنى إليكم"(19).

ويعلق أصحاب الترجمة فى الهامش قائلين:

"بما أن الله يعنى نفسه فهو يستعمل صيغة المتكلم "أنا هو" لكن من الممكن أيضاً أن نترجم النص العبرى حرفياً فنقول: "أنا هو من هو". وهذا يعنى بحسب قواعد الصرف والنحو العبرية "أنا هو الذى هو"، "أنا هو الكائن". وهكذا فهمه أصحاب الترجمة اليونانية السبعينيه. فالله هو الكائن الوحيد حقاً يتضمن هذا المقطع مُسبقاً تلك التوسعات التى سيأتى بها الوحى (راجع رؤ8:1): "أنه كائن وكان يأتى. وأنه القدير"(20). أى "الكائن والذى كان والذى يأتى القادر على كل شئ".

           C          وترجم فى الترجمة العربية الجديدة (1993م):

"أنا هو الذى هو . هو الذى أرسلنى".

وفى الهامش: "أنا هو الذى سأكونه"(21).

C      وأحتفظت الترجمة البيروتيه بالنص العبرى كما هو:

"أهيه الذى أهيه أهيه الرسلنى".

وهذا ما سبق أن فعله أبو الفرج وفسره كالآتى:

"الأبدى الذى لم يذهب بعيداً"(22).

4- وترجم فى كل الترجمات الإنجليزية القديمة والحديثه(23) كالآتى:

"أكون الذى أكون"

"أكون ما أكون"

"أكون الذى أكون"

"أكون الذى أكونه"

"سأكون ما أكون أكون أرسلنى".

“I Am Who I Am"

“I Am What I Am"

“ I Am That I Am"

“I Am That is Who I am"

“I Will Be What I Will Be… I Am has sent me"

5- وترجم إلى الفرنسية:

C          "أكون الذى أكون أكون أرسلنى

وأيضاً

“Je suis qui Je suis"

“Je suis qui serai"(24)

C       وجاء فى معجم اللاهوت الكتابى المترجم عن الفرنسية:

"أنى كائن"(25).

C       وهناك ترجمة فرنسية أخرى للحاخام اليهودى ذوى ( مع تعليق ) تقول(26):

“Je suis ce qui je suis Lemmuable. Le juste, aujourd, hui, Comme heir et demain: Seigneure, Eternel”:

"أكون ما اكون، أكون غير المتغير، العادل أمس واليوم وغداً"

6- وبالرغم من أن الترجمة السريانية نقلت النص كما هو بدون ترجمة إلا أن القديس أفرايم السريانى ( القرن الرابع الميلادى) ترجمها فى تفسيره لسفر الخروج إلى: "أنا هو الكائن الكائن أرسلنى" وفسرها: "انا الأزلى الذى لا أول له ولا بدء ولا نهاية ولا عدم"(27).

وقد فهمت وأدركت جميع الترجمات القديم والحديثة مغزى الاسم، "الكائن"، "أنا هو"، "أنا هو الكائن"، "أكون"، ومعناه وجوهره. فهو يعبر عن شخص الله وكينونته، كيانه، وجوهره وصفاته، ووجوده الدائم، المستمر، السرمدى، الأزلى الأبدى، الذى لا بداية له ولا نهايه. فهو الموجود الدائم، فى الماضى والحاضر والمستقبل، أمس واليوم وإلى الأبد، "الكائن والذى كان والذى يأتى". الموجود أبداً بلا بداية ولا نهاية، فى كل زمان وقبل الزمان وبعده. فهو الكائن الذى يكون، بل ولابد أن يكون لأنه عله الكون وسبب وجوده. وهو الكائن الواجب الوجود، عله واصل وسبب كل وجود "خالق كل السموات وناشرها، باسط الأرض ونتائجها، معطى الشعب عليها نسمة والساكنين فيها روحاً"(28)، "أنا أنا هو وليس إله معى. أنا أميت وأحيى.. أنى أرفع إلى السماء يدى واقول حى أنا إلى الأبد"(29).

كما يعنى الاسم أيضاً ويعبر عن حضور الله الدائم والمستمر والفعال. وهناك تفسير رائع لمتى هنرى يقول:

1-  هو الموجود بذاته، إذ أن وجوده (being) فى ذاته ولا يعتمد فى وجوده على أحد ما، فأعظم وأحسن إنسان فى العالم يقول: "بنعمة الله أنا ما أنا"(30) ولكن الله يقول بصوره مطلقة وأكثر من أى مخلوق، سواء كان إنسان أو ملاك، "أنا ما أنا". الكائن الموجود بذاته والذى لا يمكن أن يكون سوى المكتفى بذاته، فهو نبع البركه وكل الكفايه.

2-     وهو أبدى وغير متغير، ودائماً هو هو، أمساً واليوم وإلى الأبد، سيكون ما يكون، وما هو كائن ( يكون is)(31).

3-   ولن نكتشفه بالبحث. فمثل هذا الأسم يوصل ما يختص بالله بوضوح ودقه، ويقول فى تأثير: "لما تسأل عن أسمى وهو عجيب"(32)، ما أسمه وما أسم ابنه ان عرفت؟"(33).

هل تسأل ما هو الله؟ ليكفينا أن نعرف أنه:

"يكون ما يكون وما كان أبداً وما سيكون أبداً"(34).

7- "أهيه الكائن فى الفكر اليهودى":

كان اسم الله "أهيه" يعرف بين اليهود الذين كانوا يعيشون فى الشتات ويستخدمون اليونانية فى احاديثهم بـ "الكائن ho On" وذلك بحسب الترجمة اليونانية التى كانت معهم.

والكائن كما بينا هو أسم الله الذى يعبر عن كينونته ووجوده وجوهره. وكانوا يعرفون "ho On الكائن" أكثر من الأصل العبرى "اهيه". وكانوا فيلو (Philo) الفيلسوف اليهودى الأسكندرى يستخدم اللفظ اليونانى "الكائن"، فى القرن الأول الميلادى، كالأسم الحقيقى لله(35).

أما يهود فلسطين فكانوا يعرفون الأسم فى اصله العبرى "أهيه" كما فسرو بنفس المعانى السابقة:

            C           جاء فى ترجوم جوناثان وترجوم أورشليم:

"هو الذى تكلم والعالم كان، الذى تكلم وكل الأشياء وجدت"(36).

            C          وجاء فى المدراش على الخروج 14:3 "أنا أكون الذى كنت وأكون والذى أكون الآن والذى سأكون فى المستقبل"(37).

            C          وجاء فى ترجوم Joll على نفس النص: "أنا الذى كنت وسأكون"(38).

    C    وجاء فى نفس الترجوم على التثنية (39:32): "أنا أكون الذى يكون والذى كان، وأنا أكون الذى سيكون ولا يوجد إله سواى"(39).

8- "أهيه الكائن ho On" فى العهد الجديد:

ورد فى سفر الرؤيا اسم "الكائن ho on" كاسم الله المعبر عن سرمديته خمس مرات، وقد ورد مضافاً إليه بعض أوصاف الله وألقابه الأخرى: "الرب الإله"، "القادر على كل شئ أى كلى القدره، "القدوس" و "العادل":

C            "نعمة لكم وسلام من الكائن والذى كان والذى يأتى"(40).

C             "أنا هو الألف والياء (البداية والنهاية) يقول الرب الإله الكائن والذى كان والذى يأتى القادر على كل شئ"(41).

C            "قدوس قدوس قدوس الرب الإله القادر على كل شئ الذى كان والكائن والذى يأتى"(42).

C            نشكرك أيها الرب الإله القادر على كل شئ الكائن والذى كان والذى يأتى"(43).

C            "عادل أنت أيها الكائن والذى كان والذى يكون"(44).

وهذا هو نفس ما جاء فى خروج (14:3) ولكن، هنا، بصوره متوسعة، وتفصيلية أكثر، وتفسيرية أكثر، تعبر عن كينوتة الله وجوهره وتضيف القابه وصفاته، كالقدوس والقادر على كل شئ والعادل والرب الإله، كما تعبر عن سرمديته، وجوده الدائم المستمر، الدائم الوجود، الأزلى الأبدى، الذى لا بدايه له ولا نهايه.

وقد ركز الوحى هنا على ثلاث تقسيمات للزمن:

"الذى كان الكائن والذى يكون أو الذى يأتى"

أى الذى كان منذ الأزل بلا بدايه، والكائن فى الحاضر والماضى والمستقبل، الموجود دائماً، والذى يأتى أو الذى يكون كما هو كائن وكما كان، إلى الأبد بلا نهاية، فهو الدائم الوجود، السرمدى.

            C           قال العلامه أكليمندس الأسكندرى ( 150 215م)

"الذى وحده هو الذى يكون (الكائن ho On) والذى يأتى"، ثلاث تقسيمات فى الزمن للأسم الواحد (الكائن ho On) الذى يكون"(45).

9- "أهيه الكائن ho On" وأباء الكنيسة

أدرك أباء الكنيسة منذ البدء وفهموا مغزى إعلان الله لأسمه الذى أعلنه لموسى "أهيه الذى أهيه" وعرفوا بالتسليم والدراسة وإرشاد الروح القدس أنه يعنى "الكائن"، "الموجود الواجب الوجود"، "أكون الذى أكون"، "أنا هو الكائن"، "أنا هو الموجود"، "أنا هو الذى يوجد"، "الذى يكون"، أى الله فى جوهره وفى أبديته وفى كينونته:

C         قال العلامه أوريجانوس (185 245م):

"الآن، كل الأشياء مهما كانت فى ذاك الذى يوجد حقاً والذى قال لموسى: "أكون الذى أكون"(46).

C         وقال القديس أثناسيوس الرسولى (296 373م):

"عندما نسمع "أكون الذى يكون" و "فى البدء خلق الله السموات والأرض" و "أسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد" و "هكذا يقول الرب القدير" ندرك أن المقصود هو الجوهر البسيط المقدس غير المدرك للذى يكون"(47).

C         وقال هيلارى أسقف بواتييه (315- 67/368م):

"وفى هذه الكتب (كتب موسى والأنبياء) يعطى الخالق، الله نفسه، شهاده عن نفسه بالكلمات التالية: "أكون الذى أكون"، وأيضاً هكذا تقول لبنى إسرائيل: الذى يكون أرسلنى إليكم".

وذهلت حقا لهذا التعريف الواضح لله الذى عبر عن المعرفة غير المدركه للطبيعة الإلهية بكلمات أكثر ملاءمه للذكاء البشرى. لأنه لا يمكن أن يدرك العقل صفة لله تميزه أكثر من وجوده. لأن الوجود بالمعنى المطلق لا يمكن أن يتضمن ما له بداية وما سيكون له نهاية، ولا يمكن للذى يضم الآن أستمرارية الوجود (الأبدية) وقوة (مصدر) السعادة التامة أن لا يكون له وجود فى الماضى ولا فى المستقبل، لأن ما هو إلهى لا يمكن أن يكون له بداية أو نهاية. وبما أن أبدية الله لا تنفصل عن ذاته، لذا يليق به هذا الشئ الواحد الوحيد: الذى هو يكون. كتأكيد لأبديته المطلقه (التى لا تنتهى)"(48).

C       وقال القديس اغريغوريوس أسقف نيزينزا (325 389م):

"الذى يكون والله، هما الأسمان الخاصان بجوهره، ومن هذيه الاسمين، بصفة خاصة، الذى يكون، ليس لأنه عندما تكلم إلى موسى على الجبل وموسى سأله: ما أسمه، فقط. فقد دعى نفسه عندما أوصى موسى أن يقول للشعب: الذى يكون أرسلنى، بل لأن هذا الأسم هو الأكثر ملاءمة ودقه أيضاً فنحن نسأل عن طبيعة ذى الوجود المطلق وغير المتحد بآخر، فالكينونة بمعناها اللائق خاصة بالله بصفة مطلقة وغير محدودة بكلمات مثل قبل أو بعد، لأنه لا يوجد فيه ماضى أو مستقبل"(49).

C    وقال أيضاً: "الله كان دائماً ويكون وسيكون، أو بمعنى أدق، هو الكائن دائماً فهو موجود أبداً، وهكذا يسمى نفسه عندما يتعامل مع موسى على الجبل. وهو يجمع فى ذاته كل الوجود (Being) لأنه لا بداية له ولا نهاية"(50).

C           وقال القديس اغريغوريوس اسقف نيصص (339 394م):

"توضح كلمة الأسفار المقدسة علامة واحدة للاهوت الحقيقى، التى تعلمها موسى من الصوت العلوى (الذى من فوق)، عندما سمعه يقول:

"أنا هو الذى يوجد"، لذا يليق بنا أن نؤمن أنه هو وحده اللاهوت الحق الذى وجوده وجود أبدى وغير محدود (لا نهائى)"(51).

C      وقال أيضاً أن الله "فى ظهوره الإلهى لموسى أعطى نفسه اسم الموجود عندما قال "أكون الذى أكون"(52).

C      وقال امبروز أسقف ميلان (340 397م):

"الأسم هو ما يميز الشئ وبواسطته يمكن أن يفهم. وأنا من رأى موسى، عندما سأل: "ما أسمك؟". فقد أراد أن يعرف ما يخص الله وأن يعرف شئ خاص عنه. ولأن الله كان يعرف ما يدور فى عقله، لذا لم يخبره بأسمه بل بعمله، أنه لا يعبر عن أسم عام بل خاص عندما يقول: "أكون الذى أكون"، لأنه لا يوجد شئ أكثر تميزاً لله من كونه الموجود دائماً"(53).

C           ويقول القديس جيروم (342 420م):

"يقول الرب فى الخروج: "أكون الذى أكون" وهكذا تقول لبنى إسرائيل: "الذى يكون أرسلنى إليكم" الله الذى يكون دائماً، ليس له بداية من خارج ذاته، وهو أصل ذاته وسبب جوهره الذاتى"(54).

C           وقال أغسطينوس أسقف هيبو (354 430م):

"وبكونه وحده الذى يوجد، قال: "أكون الذى أكون" و "قل لبنى إسرائيل: الذى يكون أرسلنى اليكم". لم يقل، الرب الإله، القدير، الرحيم، العادل، ولو قال لهم هذا لكان محقاً تماماً ولكنه أجاب أنه هو الذى يكون الذى يدعى الكائن ذاته"(55).

C      أخيراً قال يوحنا الدمشقى (675 749م):

"يبدو أن أكثر أسماء الله، المنطوق بها، مصداقيه هو "الذى يكون" كما يقول هو ذاته على الجبل فى جوابه لموسى "قل لبنى إسرائيل: الذى يكون أرسلنى" لأنه يحفظ فى ذاته كل الوجود(56).

 

 

الفصل الثانى

يهوه رب العالمين

يهوه "Yahweh" مع "أهيه ehyeh" هو الأسم الوحيد فى العهد القديم من بين أسماء الله وألقابه الدال على كينونته ووجوده الدائم، السرمدى، الأبدى الأزلى، الذى لا بداية له ولا نهايه. فهو مرتبط أيضاً مثل "إهيه" بالفعل "hayah – haya هياه" والذى معناه "يكون to be، يصير become، يحدث happen أو يسبب to couse"، وبذا يكون معناه "الواحد الذى يكون" = "الكائن" المطلق الذى لا يتغير، وأيضاً "الذى يسبب أن يسير" = "الخالق" سبب وعلة الوجود، خالق الجميع، الفاعل فى الكون، فى الخليقة والتاريخ(1).

هو الموجود الذاتى، الموجود بذاته، ذو الوجود الدائم والمستمر.

هو الموجود بذاته من غير مُوجد، الموجود الوحيد الواجب الوجود وسبب وعلة كل وجود، الموجود المطلق غير المتغير وغير المحدود وغير الزمنى وغير المحوى، غير المستحيل:

C    قال لموسى "أكون الذى أكون أكون أرسلنى يهوه إله أبائكم إله ابراهيم وإله اسحق وإله يعقوب هذا أسمى إلى الأبد وهذا ذكرى إلى دور فدور"(2).

C            أنه الكائن الذى كان والذى يكون غير المتغير:

"أنا يهوه لا أتغير.."(3).

"أما أنت يا يهوه فإلى الدهر جالس وذكرك إلى دور فدور إلى الدهر سنوك. من قدم أسست الأرض والسموات هى عمل يديك. هى تبيد وأنت تبقى وكلها كثوب تبلى. كرداءٍ تغيرهن فتتغير. وأنت هو وسنوك لن تنتهى"(4).

"من قبل أن تولد الجبال أو أبدأت الأرض والمسكونة منذ الأزل إلى الأبد أنت الله"(5).

"يهوه هو الله يهوه هو الله"(6).

"فأعلم اليوم وردد فى قلبك أن يهوه هو الإله فى السماء من فوق وعلى الأرض من أسفل ليس سواء"(7).

1- أصل الأسم "يهوه" ومغزاه:

يتفق العلماء، الآن، وبصفة عامة، على أن أسم "يهوه yehweh" مشتق من الأصل العبرى، فى شكله القديم "هايا، هاياه hayah, haya"(8)، ويعنى "أكون Etre, to Be، يصير become، يحدث happen"(9). والأسم فى المضارع يعنى "هو الذى يكون He Who is، أى "الموجود الذاتى"، "الموجود بذاته"، وفى المستقبل يعنى "هو الذى يستمر كائناً He who will continue to be"(10)، أى الدائم الوجود، الموجود أبداً، الكائن الذى يكون الدائم الوجود وواجب الوجود، الكائن المطلق، الإله المطلق، الموجود بذاته والذى له حياه جوهرية فى ذاته، الموجود الدائم، الحى الذى له الحياه فى ذاته، الموجود بلا مُوجد، الموجود المطلق.

ويحدد أحد العلماء (Newbery) مغزى الأسم بقوله: "الذى كان دائماً والذى يكون دائماً والذى يأتى أبداً"(11).

أنه مشتق من فعل الكينونه منسوب إلى الثالث الغائب "أنا هو الذى يكون، أنا الكائن"(12)، والمعبر عنه فى العهد الجديد بـ "الألف والياء، (البداية والنهاية) يقول الرب الإله الكائن والذى كان والذى يأتى القادر على كل شئ"(13)، أى الأزلى الذى لا بدايه له، والحاضر الآن ودائماً، الكائن، الموجود دائماً، والأبدى الذى لا نهايه له، السرمدى، الذى لا يتغير، واجب الوجود:

C           "هكذا يقول يهوه يهوه صبوؤت أنا الأول وأنا الآخر ولا إله غيرى"(14).

C           "لأنى أنا يهوه لا أتغير.."(15).

ويتضح معنى الأسم ومغزاه من الطريقة التى سأل بها موسى الله عن أسمه: "ما أسمه"(16)، فقد سأل عن جوهر الأسم ومغزاه، ويتضح المعنى أيضاً من الطريقة والكيفية والكلمات التى أعلن بها الله عن الأسم:

"أهيه الذى أهيه أهيه ارسلنى يهوه إله آبائكم". و "أهيه" مثل "يهوه" أكون، هى صيغة المتكلم من الفعل "هايا، هاياه، هيه"، أى "أنى كائن" "أكون الذى أكون أكون الكائن، وعلى قول الله "أنى كائن" يجيب الانسان" هو الكائن" ويخاطبه "أنت الكائن"، أو "هو من يعطى الكيان"(17).

إذاً فالأسم يعبر عن الوجود الذاتى غير المتغير، الذى كان دائماً ما يكون، والذى يكون ما كان، والذى سيكون دائماً ما كان وما يكون دون أن يتغير(18)، لأنه هو ذاته غير المتغير.

وإلى جانب ما سبق فهناك الوجهه السببيه للأسم والذى يعنى "يسبب أن يصير"(19)، "الذى يسبب أن يكون، الذى يُحضر للوجود"، أى "الخالق"(20)، "أنا الذى يسبب أن يكون" أى الذى يخلق، الذى يخلق من العدم، يوجد الشئ من لا شئ، "أنا سبب كون ما يأتى للوجود"(21)، عله الوجود، "خالق كل شئ" ما فى السماء وما على الأرض، السماء ذاتها وما فيها، والأرض ذاتها وما عليها، الكون كله من أصغر جزء فى الذره إلى أكبر المجرات، ما يرى وما لا يرى، ما ندركه وما لا ندركه:

C    "فأنه هو الذى صنع الجبال وخلق الريح وأخبر الإنسان ما هو فكره الذى يجعل الفجر ظلاماً ويمشى على مشارف الأرض يهوه أسمه إله الجنود أسمه"(22).

C           "هكذا يقول الله يهوه خالق السموات وناشرها باسط الأرض ونتائجها معطى الشعب عليها نسمه والساكنين فيها روحاً"(23).

C    "لأنه هكذا قال يهوه خالق السموات هو الله. مصور الأرض وصانعها. هو قدرها. لم يخلقها باطلاً. للسكن صورها. أنا يهوه وليس آخر"(24).

C           "أنت نصبت كل تخوم الأرض الصيف والشتا وأنت خلقتها"(25).

C           "الشمال والجنوب أنت خلقتهما خلقت جميع بنى آدم"(26).

C           "أنت مستحق أيها الرب أن تأخذ المجد والكرامة والقدره لأنك أنت خلقت كل الأشياء وهى بإرادتك كائنه وخُلقت"(27).

C           "الحى إلى أبد الآبدين الذى خلق السماء وما فيها والأرض وما فيها والبحر وما فيه"(28).

2- قداسة الأسم "يهوه":

يتكرر أسم "يهوه" فى العهد القديم، فى الأصل العبرى حوالى 6.800 مرة(29)، وبالتحديد 6.823 مرة(30). ونظراً لقداسة الأسم الشديدة وعظمته ورهبته، وكذلك الخوف من تحذير الوصية الثالثه:

"لا تنطق بأسم يهوه إلهك باطلاً لأن يهوه لا يُبرى من نطق بأسمه باطلاً"(31).

وأيضاً الخوف من الوقوع تحت عقوبه التجديف التى هى الموت رجماً:

"ومن جدف على أسم يهوه فإنه يقتل. يرجمه كل الجماعة رجماً. الغريب كالوطنى عندما يجدف على الأسم يقتل"(32).

لذلك أمتنع اليهود عن النطق به نهائياً منذ القرن الرابع قبل الميلاد، أى، فى زمن الهيكل الثانى، وبالغوا فى ذلك كثيراً، ودعوه "بالأسم الذى لا ينطق به ولا يصح ذكره"(33).

ويعقب الفيلسوف اليهودى فيلون Philo (20ق.م-40م)(34) على لاويين (15:24) "كل من سب إلهه يحمل خطيئته"، بقوله "إذا كان هناك أحد، لا أقول أنه يجدف على رب الناس والألهه، بل يجرؤ فقط على أن ينطق بأسمه فى وقت غير مناسب فليتوقع الموت"(35).

وقال أيضاً "الأسم يهوه لا يجوز أن ينطق به إلا الذين تطهرت بالحكمة آذانهم والسنتهم، وبشرط أن يسمعوه وينطقوا به فى مكان طاهر"(36).

وبلغ من حرصهم على عدم نطق الأسم أنهم ظنوا أنه حتى الملائكه نفسها لا يجوز لها أن تنطق بأسم يهوه(37). وجاء فى القاموس الدولى للدين" هذا الأسم (يهوه) مقدس لدرجة أن اليهود لم ينطقوه عالياً أبداً ودائماً يستبدلونه بلقب آخر"(38)، ويقول التلمود البابيلونى "أن اليهود امتنعوا أن يلفظوا الأسم، بل والكهنة أيضاً لم يعدوا ينطقون به حتى فى تلاوة البركه"(39). ويقول التلمود الأورشليمى أنه كان مشروعاً لرئيس الكهنه أن ينطق بالأسم فى احتفالات يوم الكفاره(40). وكان ينطق به بصوت خفيض فى قدس الأقداس حتى لا يسمعه أحد خارجاً.

وبلغت المبالغه فى الخوف من نطق الأسم أن يقول أحد الربيين، كما ينقل د.ت. بيرسون D. T. Pierson، أن من يجرؤ على النطق بهذا الأسم (يهوه) سيفقد مكانه فى العالم الآتى(41)، أى يحرم من السعاده الأبدية.

ومن ثم فقد دعوه بـ "الأسم Ha Shem" و "الأسم العظيم المهوب" و "الأسم الخاص" و "الأسم المنفصل" و "الأسم الذى لا ينطق به" و "الأسم الذى لا يوصف" و "الأسم المحفوظ، و "الأسم المقدس" و "الأسم المتميز" و "الأسم الذى من أربعة أحرف ( ى . و . هـ Y H W H)"(42). وغلاباً ما يسمى بالكلمه اليونانيه "تتراجراماتون Tetragrammaton" أى الأسم ذو الحروف الأربعة (YHWH, JHVH)(43).

وكانوا عند قراءة يهوه يستبدلونه بـ "ادوناى Adonai" والذى يعنى "ربى My Lord"، ويضعون التشكيل والحركات التى للأسم "ادوناى" على الحروف الأربعة "ى.هـ.و.هـ" للأسم الذى لا ينطق به، وينطقون "أدوناى". وهكذا تركوا الحروف الساكنه الأربعة ليهوه، فى النص، ووضعوا معهم الحروف المتحركة لأدوناى (a – o – a). ومن هذا جاء الأسم الهجين "جيهوفاه Je hovah" المستخدم فى الانجليزية والفرنسية والألمانية، وهو الشائع الآن(44).

وقد فقد النطق الصحيح للأسم من التقليد اليهودى أثناء العصور الوسطى(45). وصار ينطق بأشكال مختلفة أهمها: "ياهفيه او يهفيه Yahveh, Yeheveh" أو "ياهفى Yahve" أو "جيهوفا Jehova"(46).

يقول المؤرخ والكاهن اليهودى يوسيفوس (36 100م) أنه غير مشروع له أن يقول شئ عن هذا الأسم المقدس ونطقه(47).

وقد حاول العلماء التوصل إلى النطق الصحيح للأسم، وقد توصلوا، من خلال ترجمة أكليمندس الأسكندرى للاسم "Iaoue" وكذلك نطق ثيؤدوريت أسقف قورش (من القرن الرابع الميلادى) والذى راجعه على التوراه السامريه(48) "iabe"، كما وجُدت بردية مصرية بها نصوص سحرية من نهاية القرن الثالث الميلادى تشهد للهجاء الابائى لاسم يهوه، خاصه لنطق ثيؤدوريت، إلى النطق التقريبى للاسم(49).

ويعتقد العلماء الآن أن النطق والشكل "يهوه Yahweh" هو الأقرب للنطق الأصلى، وأصبح هو الشكل المقبول عالمياً، والنطق الذى تعتمده الترجمات الحديثة والدارسين عموماً(50).

3- ياه تصغير "يهوه":

وهناك تصغير ليهوه هو "ياه" ومعناه "هو يكون He is" والكتاب يربط أحياناً بين "ياه" و "يهوه"، أو يأتى "ياه" بمفرده، وقد تكرر حوالى 40 مره فى أسفار الخروج والمزامير وأشعياء:

C       "توكلوا على يهوه إلى الأبد، لأن فى ياه يهوه صخر الدهور"(51).

C       "غنوا لله رنموا لاسمه. أعدوا طريقاً للراكب فى القفار باسمه ياه وأهتفوا أمامه"(52).

C       "ياه (الرب) قوتى ونشيدى. وقد صار خلاصى. هذا إلهى فأمجده. إله أبى فأرفعه"(53).

ويرتبط اسم .ياه" مع "يهوه" فى أشعيار أكثر من ثلاث مرات للتعبير على أن "ياه" هو "يهوه" ذاته: "هوذا الله خلاصى فأطمئن ولا أرتعب لأن ياه يهوه قوتى وترنيمتى وقد صار لى خلاصاً"(54).

وكما لم يجرؤ الكتبه على نطق "يهوه" وكتابته بشكل كامل، هكذا لم يجرؤ أيضاً على كتابه "ياه" بشكل كامل "ياه Ya". وهو كما قلنا يعنى "هو يكون He is" من الزمن المضارع لفعل الكينونه "هيه هايا Etre – to Be"، ويمكن أن يوصل إلى "أنا أكون Ego eimi – I am"، كما يوصل "يهوه" إلى التعبير الكامل "أكون ما أكون"(55). فهو يعبر عن الإله الحى، الحاضر والموجود دائماً فى كل زمان، كما يعبر عن حضور الله الدائم فى الحياة اليومية، وعمله الدائم وأشرافه على سلوك خليقته(56):

"الله لنا ملجأ وقوه. عوناً فى الضيسقات وجد شديداً"(57).

4- أسماء الله العامه و "يهوه":

إذا كان "يهوه" هو اسم الله الخاص الذى لا يمكن أن يطلق على غيره، والذى يعبر عن كينونته وجوهره، وكونه الموجود أبداً والحى إلى الأبد، لذا لا يقال أبداً "يهوه الحى"(58)، فالاسم ذاته يعنى أنه الموجود الذاتى واجب الوجود والحى إلى الأبد، فهناك ألقاب أخرى، عامه، لله، تعبر عن "الالوهيه، اللاهوت، وهى "إيلوهيم Elohim، إيل Eloah"، وتعنى "الله، إله، لاهوت، الوهيه".

وقد استخدمت عن الله الواحد "يهوه" وعن فكره الالوهيه عموماً(59):

C        "لا يكن لك إلهه (إيلوهيم) أخرى أمامى"(60).

C        "لأنه من هو إله (إيلوه) غير يهوه"(61).

C        "لأنه من هو إله (إيل) غير يهوه"(62).

C        "الله (إيل) ليس إنسان فيكذب"(63).

C        "أما المصريون فهم أناس لا إلهه (إيل).."(64).

C        "ليس لك مثل بين الالهه (ba, elohim) يا رب"(65).

C        "وليس معه إله (Lo, el) أجنبى"(66).

C        "ذبحوا لأوثان ليس الله (Lo, eloah)"(67).

(1) إيلوهيم ( يهوه إيلوههيم)، "القدير، المقتدر":

يستخدم لقب "إيلوهيم Elohim" فى العهد القديم، بصفه عامه، كلقب لله الواحد، وككلمه معبره عن الالوهيه بصفه عامه "إله، إلهه، الوهيه"(68). وقد تكرر فى العهد القديم (2.570)(69) مره، منها (2.300)(70) مره عن "الله" والباقى استخدم بمعنى عام "إله آلهه" عن أوثان(71)، وملائكه(72)، وبشر(73).

ويعبر "إيلوهم"، كلقب لله، فى العهد القديم، عن القدره "المقتدرون والعزه والسمو والأرتفاع. وهو اسم جمع، وعندما يستخدم عن الله يتبعه فعل مفرد وضمير مفرد وصفه مفرده:

C          "فى البدء خلق (مفرد) الله (إيلوهيم) السماء والأرض"(74).

ويصف العلماء صيغة الجمع هذه فى "إيلوهيم" بالجمع المشدد الذى يتضمن فى ذاته "ملء اللاهوت" مركز فى الإله الواحد. وبالتالى فهو أكثر لقب مستخدم "لله"، بعد يهوه، ليعبر عن الله الواحد بصوره محدده، كما يعبر عن الله الواحد الذى يتضمن فى ذاته جمع القوات والصفات والشخصية. أنه يعبر عن وحدة اللاهوت فى الله الواحد، اللاهوت فى ملئه وكماله(75)، مع تثليث أقانيمه.

C           "يهوه الهكم (إيلوهيكم) هو إله الإلهه (إلوهى ها إيلوهيم) ورب الأرباب الإله (إيل) العظيم الجبار المهيب"(76).

وتكرر هذا اللقب 32 مره فى الاصحاحين الأول والثانى من سفر التكوين للتعبير عن قوة الله الخلاقه. فهو لقب يعبر عن قدره الله ومجده وقوته الخلاقه وكمال لاهوته. كما أنه يعبر عن الله كلى القدره واللاهوت بأوسع معنى له:

"أنا يهوه إلهك (إيلوهيم) إيل (إيل) غيور"(77).

ويستخدم الكتاب المقدس أبتداء من سفر التكوين (4:2) تعبير "يهوه إيلوهيم" والذى عاده ما يترجم "الرب الإله The Lord God". ويعبر هذا التعبير عن كينونه الله وقدرته الكليه، فيهوه، كما سبق أن بينا يعنى: الكائن الدائم الوجود، الحى السرمدى، كما يعنى إيلوهيم: قدره الله وسموه وعزته، كلى القدره والكائن الاسمى. وأستخدام الاسمين معاً فى تعبير واحد يعبر عن حقيقة الله الواحد، الكائن أبداً، الدائم الوجود، الواجب الوجود، الموجود بذاته، الحى، الخالق، نبع الحياه ومصدرها، العظيم المهوب.

(2) إيل (EI)، "القدير":

يستخدم "إيل" فى اللغات الساميه، بصفه عامه، كأسم عام "للالوهيه"، ويعنى "إله، الوهيه" ويرادفه فى العربية "إله ilah"(78). ويعنى فى أصله السامى "الحياه"، "القوه"، "التفوق"(79). ويوصف بأنه الخالق الأبدى "خالقنا الأبدى"، "خالق المخلوقات"، "خالق الأرض"، "أبو الإنسان"، "الذى لا عمر له"(80).كما يوصف بصاحب الحكمه ذو الشعر الاشيب و "القديم"، "الأبدى"، "الملك الأبدى"، الملك أبو السنين(81)"، والرحيم"، الرؤوف"، الديان"، السامى"، "القدير"، "القوى(82)".

ويستخدم "إيل" فى العهد القديم كأسم عام للاهوت "إله، ألوهية، بصفة عامة، كما يستخدم كأسم علم "لله" بصفة خاصة(83). بمعنى "القدير" ونادراً، ان لم يكن ابداً، ما يستخدم كأسم علم لغير الله "يهوه" فى العهد القديم(84). ويستخدم الأسم كثيراً فى الأسفار الشعرية، خاصة ايوب والمزامير، كأسم لله الواحد. وقد تكرر فى سفر ايوب وحده حوالى 50 مرة(85). ويستخدم كأسم مرادف ليهوه، كما يستخدم أيضاً ليصف يهوه:

C       "صوت يهوه على المياه. إله (إيل) المجد أرعد(86).

C       "لأن يهوه إله (إيل) عليم(87).

C       "هوذا الله (إيل) خلاصى لان ياه يهوه قوتى(88).

وقد ترجم اللقب "إيل" حوالى 250 مره(89) "الله(90)". ويظهر هذا اللقب كثيراً فى ظروف تصف الله فى قوته العظيمة(91) وجبروته؛ فالله (إيل) هو الذى أخرج بنى إسرائيل من مصر بذراع قويه(92). ويصفه موسى النبى لبنى إسرائيل بالقول:

C       "لأن يهوه إلهكم (إيلوهيم) هو إله الإلهه ورب الأرباب الإله (إيل) العظيم الجبار المهيب(93)".

وهو الذى قدم وعوده القديرة والعظيمة لأبراهيم ويعقوب(94)، وقد ظهر للمره الأولى فى سفر التكوين "الله العلى"، "إيل عليون"، عندما تقابل ابراهيم مع ملكى صادق كاهن "الله العلى، إيل عليون(95)".

كما استخدم السيد المسيح هذا اللقب فى أقوى تعبير له وهو على الصليب يعانى آلاماً شديدة، عندما صرخ إلى الآب منادياً:

C  "إيلى، إيلى، لما شبقتنى" أى "إلهى إلهى لماذا تركتنى(96)"، والتى نقلها القديس مرقس بالاراميه "إيلوى، إيلوى(97)"، مناشداً الآب القدير، الله القدير، ومعبراً عن شدة الآلام التى يتحملها.

وبالاجمال فاللقب "إيل" يشير إلى الله "كالقوى، الأول، والواحد الذى هو عله وسبب وجود كل شىء، وبصيغته المفرده يعبر عن جوهر اللاهوت، ويرافق هذا اللقب عامه، صفات الله، وهو ملء التعبير يعبر عن شخص الله وعمله(98)".

ويستخدم اللقب "إيل" مع مجموعته من صفات الله والقابه، كالقاب مركبه، صارت فى حد ذاتها القاب عامه لله.

(3) إيل شداى (El Shaddai)، الله القدير":

يعنى "إيل شداى"، "الله القدير"؛ فاللقب "إيل" يعنى "الإله القدير"، كما يعنى "شداى"، "القدير- Almighty، أو الكافى- Sufficient"؛ وبالتالى فهو يعبر عن قدرة الله الكلية المركزه فى "إيل" وعن كرم الله وسخائه غير المحدود المركز فى "شداى". واللقب فى شكله المركب "إيل شداى" يعبر عن الله القدير الجواد، كلى القدرة كلى الجودة.

وكان هذا اللقب من أكثر الألقاب التى عرفها الأباء البطاركه(99)، والتى أعلن الله به عن ذاته كالقدير والقادر على كل شىء كلى القدرة، وخاصة فى الشعر القديم(100) وعندما ظهر لأبراهيم للمره الأولى ودعاه قال له: "أنا الله القدير (إيل شداى). سر أمامى وكن كاملاً(101)".وعندما بارك اسحق يعقوب قال له: "الله القدير (إيل شداى) يباركك(102)"، وكذلك عندما بارك يعقوب أبنه يوسف قال له: "القادر على كل شىء (شداى) الذى يباركك(103)".

وكان هذا اللقب من أكثر الألقاب استخداماً فى سفر أيوب، فقد تكرر فى هذا السفر وحده 31 مره من اجمالى 49 مره تكرر فيها اللقب فى كل العهد القديم(104). وكان هذا اللقب ايضاً مرادفاً لـ "يهوه" ومعبراً عن قدرته الكليه ووجوده المطلق.

(4) إيل عليون (El Heleon)، "الله العلى":

"إيل عليون"، El Elyon, Eleyon, Heleyon" يعنى "الله العلى"؛ إذ أن "عليون" يعنى "العلى- High, Most High" أو "الأعلى- Uppermost" أو الاسمى، الكائن السامى، الله فى سموه وعلوه "يهوه أرعد من السموات والعلى (عليون) أعطى صوته(105)". ويستخدم "عليون" أيضاً مع "إيلوهيم"؛ أصرخ إلى الله العلى (إيلوهيم عليون)..(106)"، وأيضاً مع "يهوه"؛ "وأرنم لاسم الرب العلى (يهوه عليون)..(107)"، لأن يهوه على (عليون) مخوف ملك كبير على كل الأرض(108)"، ويتكرر أستخدام "يهوه عليون"، "الرب العلى" كثيراً فى سفر المزامير(109).

وهذا الأسم المركب يعلن عن الله "العلى المرتفع ساكن الأبد القدوس أسمه(110)"، "العلى" المتسلط "فى مملكة الناس ويعطيها لمن يشاء(111)".

(5) إيل عولام (El Olam)، "الله الأبدى":

يعنى "عولام"، "أبدى"، "زمن أبدى"، زمن حدوده مخفيه" أى بلا حدود، بلا بدايه بلا نهايه، ويصف ما يمتد فوق رؤيتنا البعيده جدأً، سواء كانت رؤيتنا للوراء أو للأمام. وعندما سصف الله يعنى أن سلطانه ممتد فى الأبدية، ممتد فى كل الدهور ولا تأثير للزمن عليه، وأنه هوذاته، الله، إيل أبدى بلا بدايه ولا نهايه، سرمدى:

C        "من الأزل إلى الأبد أنت الله"(112)".

C        "كرسيك مثبته منذ القدم. منذ الزل أنت الله(113)".

C        "توكلوا على يهوه إلى الأبد لأن فى ياه يهوه صخر الدهور(114)".

C        "ودعا (إبراهيم) هناك بإسم يهوه الإله السرمدى(115)".

C       "يهوه إله أبدى خالق أطراق الأرض(116).

(6) إيلوه (Elah)، "المعبود":

"إيلوه" يعنى "المعبود"، الذى تقدم له العباده"، الذى له السياده". وهو مفرد "إيلوهيم" ومرادف له، وهو لقب قديم لله، إيل، يهوه، ويرادف "الله- Allah" فى العربية، ويهوه(117) فى العبريه، ويعبر عن الله الواحد المعبود والذى له السياده. ويتكرر أستخدامه فى الشعر، خاصه الشعر القديم جداً(118)، فقد تكرر فى العهد القديم ككل 57 مره منها 42 مره فى سفر أيوب وحده.

و"إله- Elah" هو الشكل الكلدانى، الأرامى من "إيلوه" ويعنى أيضاً "المعبود" ويرادف "الله" بالعربية، وفعله العبرى "ألاه alah(119)" يعنى "يعبد"، يسجد"، "يقدم العباده"، "يهاب"، وكأسم يعنى "المعبود" و"الذى له السيادة، ويظهر هذا اللقب "إله" فى سفرى عزرا ودانيال 89 مره، وفى سفر ارميا مره واحدة فقط، وذلك فى الاجزاء الأرامية من هذه الأسفار، لأنه يصف الله الحى، الحقيقى، المعبود، المرتبط بشعبه أثناء السبى وعند العودة منه.

(7) ادون، ادوناى (adhon, adhonai)، "الرب":

يعنى لقب "ادون، Adon, adhonai))، فى العبرية "رب، سيد، “Lord”، وجمعه "ادونيم- Adhonim"، "ارباب- Lords" والذى يستخدم كجمع تعظيم للمفرد(120). ويستخدم "آدون" فى العهد القديم بمعنى السيد الأرضى (أكثر من 300 مرة)(121) مثل الزوج الذى تخاطبه زوجته "ياسيدى(122)" والآب الذى يخاطبه ابناؤه "سيدى(123)، والعبد الذى يخاطب سيده "سيدى(124)" والتلميذ الذى يخاطب معلمه "ياسيدى(125)، و "سيد الأرض"(126) ورب البيت وغيره ممن يملكون أشياء كثيره مثيله(127). كما أستخدم بصفه خاصه للملوك "يا سيدى الملك"(128) وأصحاب السلطان "يا سيدى أنت رئيس من الله بيننا"(129). كما استخدم بمعنى الالهى (حوالى 30 مره(130)).

وقد استخدم هذا اللقب "آدون" بكل هذه المعانى فى مخاطبة الله، بالمعنى الأسمى، معنى الكرامه والسياده(131)، فهو الرب والسيد صاحب السلطان والسياده على جميع المخلوقات، مخلوقاته هو، كالخالق للكون وما فيه، السماء والأرض، من فيها ومن عليها، كما يستخدم أيضاً للتعبير عن قوة الله وقدرته الكليه. ويستخدم أيضاً عن الله بصيغة الجمع، جمع التعظيم للتعبير عن الوهية الله وربوبيته وسيادته "قدرته السرمدية ولاهوته"(132):

"الرب الهكم هو إله الالهه ورب الأرباب ,ادونى ها ادونيم) الإله العظيم الجبار"(133).

ويعنى لقب "ادونى adhoni"، "ربى، سيدى my lord" لأن حرف الياء "ى" هو ياء الملكيه. أما "ادوناى adhonai" فيستخدم عاده للأحترام والتوقير، كبديل لـ "أنت" و "هو"(134). ويستخدم فى أغلب الأحيان عن الله ويرتبط دائماً بالأسم الإلهى "يهوه". ويظهر هذا اللقب فى العهد القديم 449 مره، منها 315 مره مع يهوه "ادوناى يهوه" 310 مره، ويهوه ادوناى" 5 مرات و134 مره "ادوناى" وحده(135). وقد تكرر اللقب فى سفر حزقيال وحده 127 مره(136)، منها حوالى 182مره(137). "ادوناى يهوه" والباقى "ادوناى"وحده. وقد ترجم هذا اللقب المركب "ادوناى يهوه" و "يهوه ادوناى" بـ "السيد الرب Lord God"(138)، ويعبر عن سلطة الله، يهوه، وسيادته على الكون كله، الخليقه كلها. وفى الغالبيه العظمى من الفقرات التى يتكرر فيها "ادوناى" تسبقه عباره "هكذا يقول كمقدمه له، خاصه فى سفرى حزقيال وأشعياء:

           C          "لذلك هكذا يقول السيد الرب"(139).

           C          "هكذا يقول السيد رب الجنود"(140).

ومنذ فترة ما بعد السبى وأمتناع اليهود عن نطق الأسم يهوه، أستخدم اللقب "ادوناى" كمرادق لأسم يهوه ومساو تفسيرى له، يعبر عن مغزاه وماهيته(141)، كما حل محله، كبديل له، فى الأحاديث الشفويه(142). وهذا جعل اليهود يحرصون على حماية الأستخدام الدينى لـ "ادون" حتى لا يخاطب الناس به كما يخاطبون الساده من البشر، فكانوا يكتبونه، عند الأستخدام مع "يهوه" أو كبديل له، بطريقة مميزه وينطقونه أيضاً بطريقة مميزة(143).

 

 

الفصل الثالث

أسم يهوه

حمل الأسم "يهوه" ونسب إليه كل ما ينسب لله من صفات، كما كان اسم "يهوه" محور العباده فى القديم. واسم "يهوه كما بينا هو الاسم الوحيد الدال على ماهية وكينونة وجوهر الذات الإلهية والذى لم يشارك الذات الإلهية فيه أحد. وقد كان اسماُ على مسمى. والاسم فى الكتاب المقدس وفى اللغة العبرية والشعوب التى كانت مجاوره لها لم يكن مجرد علامه (Lable) خارجيه لتمييز شخص عن آخر، وشئ عن آخر، مثل إله وإنسان وحيوان ونبات وجماد، فحسب(1)، بل كان الاسم، فى الكتاب المقدس، خاصه أسماء الأشخاص المرتبطين بعلاقه قوية مع الله، مثل الآباء البطاركه والأنبياء، مرتبط بمغزاه الكامن فيه والمتصل به، "فآدم" دعى "آدم" لأنه من أديم الأرض أخذ"(2)، وحواء دعيت "حواء" لأنه "أم كل حى"(3)، وأسحق ومعناه "ابن الضحك" دعى هكذا لأن أمه ضحكت عند سماعها خبر الحبل به من الفم الإلهى(4). فالاسم فى الكتاب المقدس يشير إلى الشخص وكما يقال: "كما يسمى الرجل يكون هو"(5).

وكان للاسم فى الكتاب المقدس أهمية خاصه، فكان يدل على صاحبه، وكما قيل: مثل الاسم يكون الشخص، والاسم هو الشخص، فقد كان يتبع تغيير صفة الشخص أو حالته تغيير اسمه(6)، وعلى هذا الأساس تغير اسم "ابرام" إلى "ابراهيم"(7) و "ساراى" إلى "ساره"(8) و "يعقوب" إلى "أسرائيل"(9) و "سمعان" إلى "بطرس"(10) و "شاول" إلى "بولس"(11). بل وكان الوحى يعطى بعض الأفراد أسماء نبويه ذات مغزى نبوى ولا هوتى مثلما حدث مع أبناء أشعيا النبى(12) وهوشع النبى(13).

وهكذا اسم الله، فإذا كان للأسماء البشريه مثل هذه الأهمية لذا فمن الطبيعى أن يكون لأسماء الله وألقابه أهميه عظمى ومغزى لاهوتى عظيم.

أولاً: أسم يهوه يحمل جميع صفات الذات الإلهية

1- اسم يهوه لم ينسب لغير الله:

أسم "يهوه" هو اسم الله وحده ولم يطلق على غير الذات الإلهية ولم يسم به سوى الله وحده "يهوه هو الله، يهوه هو الله"(14). فهو الدال على ماهيته وجوهره وكينونته، الدال على الوجود الذاتى المطلق لله، كما يدل على الحياة الذاتيه المستمرة أبداً والفعاله فى ذات الله، "حى أنا إلى الأبد"(15)، "حى أنا يقول يهوه"(16).

ولم يذكر اسم "يهوه" معرفاً بأداه تعريف على الأطلاق لأنه اسم الذات الإلهيه الدال على ماهية وكينونه وجوهر اللاهوت، الله. ذُكر "يهوه" فقد كأسم مُعرف فى ذاته بدون أدوات التعريف اللغوية. كما لم يذكر أبداً بصفه الحى ولم يقال أبداً "يهوه الحى" كما قيل "الله الحى"، بل ذكر "يهوه" دون إضافه لقب "الحى"(17). فالاسم فى حد ذاته يعبر عن وجود الحياه فى الذات الإلهية، فهو الكائن الواجب الوجود، الدائم الوجود، عله وسبب الوجود الذى تنبع الحياه فى ذاته "له حياه فى ذاته"(18) وهو "الحى"، "حى أنا يقول يهوه"(19)، والحياه ليست منفصله عنه. وهذا ما لا ينطبق على مخلوق، لأن كل مخلوق يستمد وجوده وحياته من الله الحى الموجود الذاتى واجب الوجود، يهوه الكائن السرمدى.

كذلك لم يطلق تصغير يهوه "ياه" على بشر أو أى مخلوق آخر، بل أطلق على الله وحده، وأن كان قد ذُكر مع أسماء مركبه مثل "أبيا Abijah" والذى يعنى "يهوه ابوه"(20).

2- يهوه اسم الله وحده ولا يمكن أن يعطيه لغيره:

يكرر الكتاب تعبير "يهوه اسمه"، "اسمك يهوه"، "اسمى يهوه" للتعبير على أن أسم يهوه لا يخص ولا يعبر سوى عن الله وحده، لأنه كما قلنا يعبر عن ماهيته وكينونته وجوهره كالواجب الوجود والدائم الوجود وعلة كل وجود، كلى القدره:

C       "هكذا قال يهوه صانعها. الرب مصورها ليثبتها، يهوه اسمه"(21).

C       "الرب إله الجنود يهوه اسمه"(22).

C      "ويعلمون أنك أنت وحدك اسمك يهوه العلى على كل الأرض"(23).

C       "هأنذا أعرفهم هذه المره، وأعرفهم يدى، وجبروتى، فيعرفون أن أسمى يهوه"(24).

C   "هو الذى صنع الجبال وخلق الريح وأخبر الإنسان ما هو فكره، الذى يجعل الفجر ظلاماً، ويمشى على مشارف الأرض، يهوه إله الجنود اسمه"(25).

C   "الذى صنع الثريا والجبار، ويحول ظل الموت صبحاً، يظلم النهار كالليل، الذى يدعو مياه البحر ويصبها على وجه الأرض، يهوه اسمهُ"(26).

C       "الذى بنى فى السماء علاليه، وأسس على الأرض قبته الذى يدعو مياه البحر ويصبها على وجه الأرض يهوه اسمه"(27).

كما أنه لم ولا ولن يعطيه لأخر لأنه "اسمه القدوس"(28) والمخوف، اسم الذات الإلهية الدال على الوجود الذاتى المطلق. كما يذكر الكتاب أن يهوه، الله، يغار على اسمه القدوس من التدنيس، وأنه لا يعطى اسمه ولا مجده لمخلوق ما:

C          "أنا يهوه هذا اسمى ومجدى لا أعطيه لآخر"(29).

C    "وأعرف بأسمى المقدس وسط شعبى إسرائيل ولا أدع أسمى المقدس يتنجس بعد فتعلم الأمم أنى أنا يهوه وأغار على أسمى القدوس"(30).

ومن لا يمجد اسمه من الكهنه ويرتاع منه تصيبه اللعنه:

C    "والآن اليكم هذه الوصية أيها الكهنه. أن كنتم لا تسمحون ولا تجعلون فى القلب لتعطوا مجداً لأسمى قال يهوه الجنود فأنى أرسل عليكم اللعن والعن بركاتكم كان عهدى معه (لاوى) للحياه والسلام وأعطيته إياهما للتقوى فأتقانى. ومن اسمى أرتاع هو"(31).

3- المدعوا بأسمه:

كل من دعا بالإيمان بالله والتوبه فى العهد القديم دعا "باسم يهوه" وكان انوش بن شيث بن آدم هو أول من "دعا باسم يهوه"(32).

C          وأختار الله سبط لاوى "لكى يقف ليخدم باسم يهوه هو وينوه كل الأيام"(33).

C          وعندما قدم ابراهيم ذبائح لله بنى "مذبحاً للرب ودعا باسم يهوه"(34).

C          وكذلك اسحق "بنى مذبحاً ودعاً باسم يهوه"(35).

C          ولما بنى سليمان الهيكل "دعا باسم يهوه"(36).

C         وكذلك لما ظهر الملاك لهاجر "دعت اسم يهوه الذى تكلم معها أنت ايل رئى"(37).

C          وكذلك نزل الله بمجده وظهر بواسطة السحاب نادى قائلاً:

C          "وأجيز كل جودتى قدامك وأنادى باسم يهوه قدامك"(38).

C          "فنزل الرب فى السحاب، فوقف عنده هناك ونادى باسم يهوه"(39).

4- اسمه مخوف ومهوب:

حذر الله من الحلف باسمه "يهوه" باطلاً أو التجديف عليه مما جعل بنى اسرائيل يتجنبون نطق الاسم نهائياً وليس الحلف به فقط:

"لا تنطق باسم يهوه إلهك باطلاًز لأن يهوه لا يبرئ من نطق باسمه باطلاً"(40).

"ومن جدف على اسم يهوه فإنه يقتل"(41).

5- والفرق بين النبى الصادق والنبى الكاذب هو النطق باسم "يهوه" بالحق:

"أقيم لهم نبياً من وسط أخوتهم مثلك وأجعل كلامى فى فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به. ويكون ابن الإنسان الذى لا يمسع لكلامى الذى يتكلم به بأسمى أنا اطالبه. أما النبى الذى يطغى فيتكلم بأسمى كلاماً لم أوصه أن يتكلم به أو الذى يتكلم بأسم الهه أخرى فيموت ذلك النبى. وأن قلبت فى قلبك كيف نعرف الكلام الذى لم يتكلم به الرب. فما تكلم به النبى باسم يهوه ولم يحدث ولم يصر فهو الكلام الذى لم يتكلم به الرب بل يطغيان تكلم به النبى فلا تخف منه"(42).

6- وكانت الشعوب تخاف شعب الله لأن اسم "يهوه" دعى عليهم:

"فيرى جميع شعوب الأرض أن اسم يهوه قد سمى عليك ويخافون منك"(43).

7- وكان الحلف باسم "يهوه" هو أساس الثقة والأمان وذلك لاستحالة الحلف أو القسم به باطلاً، فمن يحلف به باطلاً موتاً يموت:

"فقال يوناثان لداود أذهب بسلام لأننا كلينا قد حلفنا باسم يهوه قائلين يهوه يكن بينى وبينك وبين نسلى ونسلك إلى الأبد"(44).

8- وكان داود وشعب الله فى القديم يترنمون ويسبحون ويباركون اسم "يهوه":

C       "أحمد يهوه حسب بره وأرنم لأسم الرب العلى"(45).

C       "فتخشى كل الأمم اسم يهوه وكل ملوك الأرض مجدك"(46).

C       "وباسم يهوه دعوت آه يا رب نج نفسى"(47).

C       "آه يا يهوه لأنى عبدك. أنا عبدك ابن امتك. حللت قيودى"(48).

C       "وباسم يهوه دعوت آه يا رب نج نفسى"(49).

9- وكان اسم "يهوه" هو البرج الحصين، والمتكل عليه والمخوف والمتنبأ به والمدعو له وبه:

C       "أسم يهوه برج حصين. يركض إليه الصديق"(50).

C       "فيخافون من المغرب اسم يهوه ومن مشرق الشمس مجده"(51).

C       "ويكون أن كل من يدعو باسم يهوه ينجو"(52).

C       "لأنى حينئذ أحول الشعوب الى شفه نقية ليدعوا كلهم باسم يهوه ليعبدوه بكتفٍ واحدة"(53).

10- أخيراً قال المرنم "يهوه هو الله الذى أنار لنا"(54).

 

ثانياً: أسم "يهوه" وترجماته المختلفة

1-     "يهوه" والترجمات العالمية:

يكتب الاسم "يهوه" فى العبرية كما هو "يهوه" ولكن ينطق بدلاً منه، "ادوناى" كما سبق أن بينا ولكن عندما ترجم اليهود العهد القديم إلى اللغة اليونانية فى القرن الثالث ق.م الترجمة المعروفة بالسبعينية (LXX)، لم ينقلوا الاسم "يهوه" كما هو مثل أسماء الملائكة والبشر، كميخائيل وإسرائيل وغيرهم، وإنما ترجم ترجمة تفسيرية، لم ينقلوه بحرفيته، كما هو معروف فى نقل الأسماء كما هى من لغة إلى أخرى، وإنما ترجموا معناه، ترجموا الاسم ترجمة تعطى معناه وتبين ماهيته، أى استخدموا مرادف تفسيرى له، وترجموه إلى اللغة اليونانية "كيريوس  Kyrios"(55) ومعناه "رب وسيد" وبالنسبة للاهوت يعبر الاسم "كيريوس" فى اليونانية عن سيادة الله على الكون وربوبيته، كما يعبر عن العلاقة الشخصية بين الله والانسان. فالله هو السيد والرب والمعبود والخالق، والانسان بالنسبة لله، عبد ومخلوق، الله سيد والانسان عبد يقف تحت أمره(56).

كما ترجم أيضاً لقب "ادوناى" إلى كيريوس Kyrios. وقد أختار علماء الكتاب المقدس الذين قاموا بالترجمة إلى اليونانية لفظ Kyrios بالذات كمرادف تفسيرى للاسم "يهوه" لأنه يعبر عن ربوبية الله وسيادته على الكون بإعتباره، كما وصف فى الكتاب المقدس، "سيد كل الأرض"(57)، "سيد الأرض كلها"(58).

وقد ترجم "يهوه" واختصاره "ياه" وتركيباته مثل يهوه صبؤوت إلى "كيريوس Kyrios" 6156 مرة(59). كما أستخدم لفظ "كيريوس" للتعبير عن اللاهوت فترجم إليه "ايل" القدير 60 مرة، و"ايلوه" 43 مرة، و "ايلوهيم" كلى القدرة 193 مرة، و"الهى صبوؤت" 3 مرات. كما استخدم لفظ "كيريوس Kyrios" فى ترجمة تعبيرات "يهوه ايلوهيم" الرب الاله Kyrios o Theos و "يهوه ادوناى" السيد الرب Kyrios Kyrios وأحياناً "despotis Kyrios"(60).

كما ترجم "يهوه" فى القبطية (بشويس Pshois) الرب، كما ترجم فى العربية أيضاً "الرب" بمعنى السيد والمالك، كما جاء فى مختار الصحاح: "الرب اسم من أسماء الله تعالى ولا يقال فى غيره إلا بالاضافة"(61). فرب كل شئ مالكه، كما أن "الرب" فى العربية هو اسم من أسماء الله يدل على ربوبيته وسيادته للعالمين.

وترجم إلى الانجليزية سواء اليهودية أو البريطانية أو الأمريكية أو العالمية بلفظ "Lord" بحروف كبيرة ويعنى السيد والرب وبالنسبة لله يعنى السيد والرب والكائن الاسمى(62). كما ترجم فى الفرنسية بـ "L’Eternel" أى السرمدى و "Seigneure" أى سيد، مولى، رب، وترجم بنفس المعنى فى جميع اللغات الأوربية والعالمية.

وكما هو واضح فقد حذت جميع الترجمات حذو الترجمة اليونانية السبعينية التى ترجمت سنة 282ق.م والتى كانت أول ترجمة من العبرية إلى لغة أخرى غيرها. وإن كان يوجد الآن بعض الترجمات القليلة جداً والتى نقلت الاسم بحرفيته "يهوه"(63).

2-       "يهوه" والعهد الجديد:

لم يستخدم العهد الجديد لفظ "يهوه" ولم يظهر هذا الاسم فى أى من أسفاره على الاطلاق، سواء فى حديث السيد المسيح أو تلاميذه أو فى أحاديث اليهود، ولم يذكر أو يظهر حتى فى الآيات التى نقلت واقتبست من العهد القديم وبها اسم ولفظ "يهوه". ويرجع ذلك إلى أن الاسم كما بينا كان ممنوع النطق به منذ القرن الرابع ق.م وحتى الآن فى الأوساط اليهودية. لذا لم يستخدمه السير المسيح مع اليهود الذين كانوا يهابون النطق به أو مع غيرهم من الذين كانوا يتكلمون اليونانية. كما كانت اللغة الآرامية هى اللغة التى كانت سائدة أيامه"(64).

وكان اللقب المفضل لدى السيد المسيح هو لقب ولفظ "الآب" “Pateer” خاصة فى مخاطبته له:

"نعم أيها الآب(65)".

"أحمدك أيها الآب(66)

"أيها الآب مجد اسمك"(67).

وكان لقب "الآب" هو اللقب الذى لمح به وأعلن عن لاهوته من خلاله مرات كثيره بإعتباره ابن الآب السماوى له فى الجواهر والواحد معه فى اللاهوت والطبيعة. وقد فهم اليهود من استخدامه لهذا اللقب مساواته لله الآب، كما فهموا أنه يعلن عن لاهوته وأنه ينسب لنفسه أنه إله بقوله واستخدامه لقب "الآب":

فأجابهم يسوع أبى يعمل حتى الآن وأنا أعمل. فمن أجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه. لأنه لم ينقض السبت فقط بل قال أيضاً أن الله أبوه معادلاً (مساوياً) نفسه بالله"(68).

ولما قال لهم "أنا والآب واحد. فتناول اليهود حجارة ليرجموه قائلين لسنا نرجمك لأجل عمل حسن بل لأجل تجديف. فأنك وأنت انسان تجعل نفسك إلها"(69).

كما كان لقب "الآب" هو اللقب الذى بين من خلاله وحدة الذات الإلهية وتثليث الأقانيم أو الصفات الذاتية فى لاهوت الله الواحد، كما بين من خلاله أيضاً العلاقة بين الأقانيم الإلهية وخاصة أقنوم الآب وأقنوم الكلمة:

"وليس أحد يعرف من هو الابن إلا الآب ولا من هو الآب إلا الأبن ومن أراد الأبن أن يعلن له"(70).

"ليس أحد يأتى إلى الآب إلا بى"(71).

"ومن رآنى فقد رأى الآب"(72).

"أنا فى الآب والآب فى"(73).

"أنا والآب واحد"(75).

وبالإضافة إلى لفظ ولقب "الآب" استخدم السيد المسيح وتلاميذه لفظى "رب Kyrios" و "الله Theos" كبديل ليهوه وغيره من القاب مثل "ايلوهيم" و "أيل". وهذا واضح من الآيات التى افتبسها العهد الجديد من العهد القديم:

1- جاء فى مزومور 5:31 "فى يديك استودع روحى فديتنى يا يهوه اله الحق".

واستخدم السيد المسيح نفس النص مع استبدال لفظ يهوه بـ لفظ "يا ابتاه":

فقال: "يا أبتاه فى يديك استودع روحى"(76).

وجاء فى ملوك الثانى 33:4 "فدخل وأغلق الباب على نفسيهما كليهما وصلى إلى يهوه".

وقال السيد المسيح: "متى صليت فأدخل الى مخدعك وأغلق بابك وصل إلى أبيك الذى فى الخفاء"(77).

وهذا استخدم لفظ الآب "أبيك" بدلاً من "يهوه".

2- جاء فى تثنية 3:8 "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل ما خرج من فم يهوه يحيا الانسان".

وقال السيد المسيح: "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله (Theos)(78)"

وهذا استبدل اسم "يهوه" بلق "الله Theos- ثيؤس".

وقال السيد المسيح "للرب (كيريوس) الهك تسجد وإياه وحده تبعد"(79).

وهنا استبدل اسم "يهوه" بترجمته "رب Kyrios".

وكذلك حذا التلاميذ كيهود فى الاصل حذو السيد المسيح ولم يستخدموا لفظ "يهوه" مطلقاً سواء فى الكلام عن الله بصفة عامة أو عندما اقتبسوا نصوص وآيات من العهد القديم.

 

  

 

الفصل الرابع

يسوع ويهوه

أولاً: أسم يسوع

عندما بشر الملاك جبرائيل العذراء مريم بالحبل بالسيد المسيح وولادته قال لها:

"وها أنت ستحبلين وتلدين أبناً وتسمينه يسوع"(1).

وقال ليوسف النجار خطيب العذراء عن الحبل "الذى حبل به" فى العذراء:

"فستلد ابناً وتدعو اسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم"(2).

إذا فأسم "يسوع" هو الاسم الوحيد الذى تسمى به السيد المسيح(3) بعد التجسد، أنه اسمه الوحيد الذى تسمى به من الملاك كما تسمى به أيضاً بعد ثمانية أيام من ولادته، أى يوم ختانه: "ولما تمت ثمانية أيام ليختنوا الصبى سمى يسوع كما تسمى من الملاك قبل أن حبل به فى البطن"(4).

1- الاسم لغوياً

والاسم "يسوع" فى أصله العبرى هو "يشوع" الذى هو أيضاً تصغير "يهوشع". فقد كان الاسم يكتب وينطق "يهوشع يهو شع" حتى سنة 500 ق.م(5) وبعد السبى البابلى أصبح يكتب وينطق فى شكله المختصر "يشوع Joshua". والاسم كما هو فى أصله العبرى مكون من مقطعين، من كلمتين مندمجتين، هما "يهوه" الكائن الدائم الوجود الواجب الوجود وعلة كل وجود و "شع" وهو فعل عبرى بمعنى "يخلص"، وهو هنا فى الاسم "يهوشع" يعنى "المخلص". وهكذا يكون معنى الاسم "يهوه المخلص" أو "يهوه يخلص" أى الله المخلص. وقد فسره بعض العلماء اليهود مثل فيلو Phelo الفيلسوف اليهودى بأنه "الرب خلاص Soteria Kyrios"(6). وقال يوسابيوس القيصرى أبو التاريخ الكنسى "أسم يسوع يعنى خلاص الله"(7).

والاسم فى شكله الكامل "يهوشع" هو اسم جمله، الفاعل يأتى أولاً وهو "يهوه" والفعل "شع" هو شكل مساعد ومعناه الكامل كما قلنا "يهوه يخلص" أو "يهوه المخلص"(8). قال يشوع بن سيراخ عن يشوع بن نون "كان كأسمه عظيماً فى خلاص مختاريه"(9).

2- نقل الاسم الى اللغات المختلفة

عندما ترجم العلماء اليهود العهد القديم إلى اللغة اليونانية نقلوا الاسم "يهوشع" وتصغيره "يشوع" إلى Isou (ايسو) وفى حالة الفاعل Isous (ايسوس) وكذلك فعلت الترجمة القبطية التى حذت حذو العهد الجديد الذى استخدم Isous لكل من الاسم وتصغيره، وحذت الترجمات العالمية حذو الترجمة السبعينية والعهد الجديد، فنقل الاسم فى الانجليزية Jesus وفى الفرنسية Jesus(10) أما الترجمة العربية فقد استخدمت الشكل الأخير "يشوع" وأن كانت قد حافظت على الشكل الكامل "يهوشع" ونقلته كما هو عدة مرات(11)، وميزت بين المسيح "يسوع" فى شكله الآرامى أما يشوع بن نون فحافظت عليه كما هو "يشوع" وكذلك فعلت الترجمة الانجليزية التى ميزت بين يسوع Jesus. ولكن فى اليونانية لا فرق بين يسوع ويشوع ويهوشع فجميعهم واحد "ايسوس Isous"(12).

3-    مغزى الاسم يسوع

وقد تسمى كثيرون من اليهود باسم "يشوع" خاصة بعد يشوع بن نون(13) حتى أوائل القرن الثانى الميلادى، وقد سمى بهذا الاسم يسوع المسيح "قبل أن حبل به فى البطن" وذلك بإعلان الهى "لأنه يخلص شعبه من خطاياهم". أنه "يهوه المخلص"، فقد كان حقيقة هو يهوه الكائن "قبل أن يكون ابراهيم أنا كائن"(14) وهو أيضاً "المخلص" ليس باحد غيره الخلاص.لان ليس اسم اخر   تحت السماء قد اعطى بين الناس بة ينبغى ان نخلص(15)" اذا فالاسم "يسوع" هو أسم الذات الالهية بعد التجسد، كما سبق أن أعلن اسم "يهوه" كاسما للذات الالهية فى القديم. فالاسم "يهوه" يعبر عن كينونة الله وجوهره وعمله فى الخلق والاسم "يسوع" يعبر عن التجسد الالهى وعمل الله فى الفداء والخلاص فى العهد الجديد، "يهوه" هو يسوع ويسوع هو "يهوه" المخلص.

قال الوحى الالهى فى سفر أشعياء عن مجىء يوحنا المعمدان قبل المسيح:

           C         "صوت صارخ فى البرية أعدوا طريق يهوه ويتجلى مجد يهوه ويعيانه كل بشر".

وبعد أن جاء المعمدان قيل عنه:

           C         صوت صارخ فى البرية أعدوا طريق الرب Kyrios(16)".

والرب هنا هو المسيح الذى قال عنه الوحى الالهى "والكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده مجداً(17)". كان يوحنا المعمدان صوت صارخ فى البرية لاعداد طريق الرب، "يهوه"، يهوه المخلص، يسوع المسيح، فيتجلى مجده، مجد يهوه، مجد يسوع المسيح ويراه كل بشر كقول الوحى "ورأينا مجده مجداً".

4-    أسم يسوع يحل محل أسم يهوه:

كان أسم "يهوه" فى القديم هو محور العبادة ومحور العلاقة بين الله والإنسان فقد أرتبط به كل ما يتعلق بالعلاقة بين المخلوق والخالق من عبادة وصلاة وسجود ودعوة الخ. أما فى العهد الجديد فأن أسم يسوع والمساوى لأسم يهوه فقد أصبح هو محور العلاقة بين الله والناس، ومحور العبادة وأرتبط به كل ما أرتبط فى القديم بأسم يهوه. وصار أسم يسوع أسماً "فوق كل أسم لكى تجثوا بأسم يسوع كل ركبة ممن فى السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض(18)".فهو "فوق كل رياسة وسلطان وقوة وسيادة وكل أسم(19)".

فأسم يسوع يفوق كل أسم الإله المتجسد، أنه يهوه المخلص. أنه الإسم الوحيد المساوى والمرادف لاسم "يهوه" ويسوع نفسه كما قال الوحى الالهى "لم يحسب مساواته لله اختلاساً(20)".

يسوع وحده هو المساوى ليهوه لنه "يهوه المخلص"، أنه الهنا العظيم ومخلصنا يسوع المسيح(21)"، أنه "افله الحق والحياة الأبدية(22)"، أنه "الألف والياء البداية والنهاية، الأول والآخر(23)"، أنه "الكائن على الكل الاله المبارك إلى الأبد(24)".

ثانياً: يسوع هو محور الإيمان وموضوعه

( أ ) الإيمان بالله وأسم يهوه:

الله ذاته هو محور وأساس وموضوع الإيمان والدعوة، فهو خالق الوجود من العدم ومعطى الحياة لسائر المخلوقات، ومن ثم ينبغى دائماً للخليقة أن تكون متجهة إليه ومؤمنة به وبوحدانيته وبقدرته الكلية المطلقة.

وكان الإيمان بالله "يهوه" هو محور وموضوع رسالة النبياء والرسل والخدام ورجال الله فى كل العصور:

"هكذا قال يهوه خالق السموات هو الله. مصور الرض وصانعها هو قررها. لم يخلقها باطلاً. للسكن صورها. أنا الرب وليس آخر أليس أنا الرب ولا إله آخر سواى (غيرى). إله بار ومخلص ليس سواى. التفتوا إلى وأخلصوا يا جميع أقاصى الأرض لأنى أنا الله وليس آخر. بذاتى أقسمت خرج من فمى الصدق كلمة لا ترجع. أنه لى تجثو كل ركبة يحلف كل لسان(25)".

وكان "أسم يهوه" هو علامة وراية هذا الإيمان وموضوعه. وقد بدأت الدعوة أول ما بدأت بأسم "يهوه" لنه، كما قلنا، الأسم الدال على كينونته وجوهره وعمله فى الكون كواجب الوجود وعلة كل وجود:

C         دعا أنوش بن آدم "بأسم يهوه(26)".

C         ودعا ابراهيم واسحق ويعقوب "بأسم يهوه(27)".

C         ونادى الله أمام موسى "بأسم يهوه، فنزل يهوه فى السحاب. فوقف عنده هناك ونادى بأسم يهوه(28)".

C         كما أختار الله سبط لاوى يقف أمامه و "يخدم بأسم يهوه(29)".

C         ودعى أسم يهوه على شعبه "فيرى جميع شعوب الأرض أن أسم يهوه قد سمى عليك ويخافون منك(30)".

C         وكان "كل من يدعو بأسم يهوه ينجو(31)".

( ب ) الإيمان بالله وأسم يسوع:

أسم "يسوع" فى العهد الجديد حل محل "أسم يهوه" فى القديم والدعوة "بأسم يهوه" والإيمان به تحولت إلى الدعوة "بأسم يسوع" والإيمان به، فقد نسب "لأسم يسوع، كل ما نسب ليهوه فى القديم، كما أقتبس العهد الجديد نفس الآيات الخاصة "بيهوه" وطبقها حرفياً على "يسوع"، مؤكداً أن يسوع هو يهوه وأن ما نسب ليهوه ينسب ليسوع.

1-    أسم يسوع السامى:

وصف الكتاب "أسم يسوع" بالأسم السامى الذى يفوق كل أسم والذى هو فوق كل أسم وبرغم التجسد وأتخاذه صورة العبد إلا أنه "جلس فى يمين العظمة فى الأعالى صائراً أعظم من الملائكة بمقدار ما ورث أسماً أفضل منهم ولتجسد له كل ملائكة الله(32)" لأن الفرق بين الملائكة وبين يسوع هو الفرق بين المخلوق والخالق "وعن الملائكة يقول الصانع ملائكته رياحاً وخدامه ليب نار. وأما عن الابن (يسوع) يقول كرسيك يا الله إلى دهر الدهور(33)" انه أعظم من الملائكة، فهو خالق الملائكة ورب العرش، الله الجالس على العرش، لذلك فأسمه أفضل من أى أسم. أنه الغنى الذى أتخذ فقرنا "أفتقر وهو غنى(34)" ولكن السم الذى أتخذه بعد التجسد هو السم الذى يفوق كل أسم لأنه أسم الإله المتجسد.

وكما كان "أسم يهوه" هو الأسم الذى له العظمة والمجد كان أيضاً "أسم يسوع" وسيظل الأسم الذى له المجد والعظمة كما يقول الوحى الإلهى:

C لكى يتمجد "أسم ربنا يسوع المسيح" فيكم وأنتم فيه بنعمة الهنا والرب يسوع المسيح(35)".

C "وكان أسم الرب يسوع يتعظم(36)".

وما أروع هذا النشيد الذى تغنت به الكنيسة فى عصرها الأول بالوحى الالهى:

C       الذى اذ كان فى صورة الله لم يحسب مساواته لله اختلاساً لكنه أخلى نفسه أخذاً صورة عبد صائراً فى شبه الناس واذ وجد فى الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب لذلك رفعه الله وأعطاه أسماً فوق كل أسم لكى تجثوا بأسم يسوع كل ركبة ممن فى السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض ويعترف كل لسان أن يسوع هو رب لمجد الله الآب(37)".

أنه الأسم الذى يفوق كل أسم ، المسجود له من جميع الخلائق، رأس كل شىء والخاضع تحت قدميه كل شىء.

2-    يسوع هو محور الإيمان:

       C      قال السيد المسيح: "أنا هو القيامة والحياة من آمن بى ولو مات فسيحيا(38)".

       C      "أنا هو الطريق والحق والحياة ليس أحد يأتى إلى الآب إلا بى(39)".

       C      والذى يؤمن بالابن له حياة أبدية والذى لا يؤمن لن يرى حياة بل يمكث عليه غضب الله(40)".

ويقول الوحى الالهى فى الرسالة إلى رومية:

C    "إن أعترفت بفمك بالرب يسوع وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت لن القلب يؤمن به للبر والفم يعترف به للخلاص. لأن الكتاب يقول كل من يؤمن به لا يخزى لأن رباً واحداً للجميع غنياً لجميع الذين يدعون به. لأن كل من يدعو بأسم الرب يخلص"(42).

والآيات الدالة على الإيمان به فى الكتاب المقدس كثيرة أنظر مثلاً:

C          "فآمن به تلاميذه"(43).

C         "آمن كثيرون بأسمه"(44).

C         "فآمن به فى تلك المدينة (السامرة) كثيرون"(45).

C         "آمن به كثيرون من الجمع(46).

C         فآمن كثيرون بالرب(47).

C         "من يؤمن به لا يخزى(48)".

C         "من يؤمن به ينال بأسمه غفران الخطايا(49)".

وكان شعار الكنيسة فى بشارتها بالأنجيل فى المسكونة كلها:

C         "أمن بالرب يسوع المسيح فتخلص أنت وأهل بيتك(50)".

C         "من آمن وأعتمد خلص ومن لم يؤمن يدن(51)".

C         "وليس بآحد غيره الخلاص. لأن ليس آخر تحت السماء قد أعطى بين الناس به ينبغى أن نخلص(52)".

وذلك لأن يسوع المسيح هو:

C         "رب الكل(53)".

C         "لأن رباً واحداً للجميع(54)".

C         "ملك الملوك ورب الأرباب(55)".

C         "رب واحد يسوع المسيح الذى به جميع الأشياء ونحن به(56)".

C         "هذا هو الاله الحق والحياة الأبدية(57)".

كان ومازال وسيظل الإيمان به هو محور الكتاب المقدس ومحور رسالة الأنبياء والرسل والخدام والمبشرين.

3-    الدعوة بأسمه:

وكما كان الإيمان بأسم يهوه هو محور الكتاب هكذا كان "أسم يسوع" أيضاً وسيظل هو أساس الدعوة المسيحية. قال الوحى الالهى فى سفر يؤئيل النبى:

           C         "أن كل من يدعو بأسم يهوه ينجو(58)".

وأقتبس كل من القديس بولس والقديس بطرس هذه الآية وطبقاها حرفياً على يسوع:

           C         "كل من يدعوا بأسم الرب (Kyrios) يخلص(59)".

والرب هنا حسب سياق الموضوع والكلام هو الرب يسوع. وقد قال حنانيا لبولس بعد أن أمن بالرب يسوع المسيح:

           C         "لماذا تتوانى؟ قم أعتمد وأغسل خطاياك داعياً بأسم الرب(60)".

والرب طبعاً هو الرب سوع المسيح الذى قال عن بولس لحنانيا:

           C         "لأن هذا لى أناء مختار ليحمل أسمى أمام أمم وملوك وبنى إسرائيل لأنى سأريه كم ينبغى أن يتألم لأجل أسمى(61)".

والقديس بولس يخاطب أهل كورنثوس بالوخى قائلاً:

    C    "إلى كنيسة الله التى فى كورنثوس المقدسين فى السيح يسوع المدعوين قديسين مع جميع الذين يدعن بأسم ربنا يسوع المسيح فى كل مكان(62)".

وهكذا تحولت الدعوة من "أسم يهوه" فى القديم إلى "أسم يسوع" فى العهد الجديد ودعى تلاميذه ورسله والمؤمنين به مسيحيين(63) على لقبه "المسيح" لنه "يسوع الذى يلقب بالمسيح".

ويسوع المسيح هو يهوه متجسداً، كلمة الله المتجسد.

4-    يسوع هو محور وأساس وموضوع الكرازة:

كان الهدف الأول للبشارة والكرازة فى العهد الجديد هو الإيمان بالرب يسوع المسيح ونشر أسمه فى كل المسكونة. قال السيد نفسه لتلامسذه مفسراً ما كتبه عنه الأنبياء:

           C         "هكذا هو مكتوب وهكذا كان ينبغى أن المسيح يتألم ويقوم من الأموات فى اليوم الثالث.

وأن يكرز بأسمه بالتوبة ومغفرة الخطايا لجميع الأمم(64)".

           C           ويقول الوحى الالهى "له يشهد جميع الأنبياء أن كل من يؤمن به ينال بأسمه غفران الخطايا(65)".

والإيمان بألوهيته كان هو هدف كتابة العهد الجديد:

           C           "أما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله ولكى تكون لكم اذا آمنتم حياة بأسمه(66)".

           C           "أكتب هذا إليكم أنتم المؤمنين بأسم ابن الله لكى تعلموا أن لكم حياة أبدية ولكى تؤمنوا بأسم ابن الله(67)".

           C           ومن أجل أسمه خرج الرسل ليبشروا ويكرزوا فى المسكونة كلها مزودين بوصاياه:

           C           "من أجل أسمه خرجوا وهم لا يأخذون شيئاً من الأمم(68)".

    C    "أذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم بأسم الآب والأبن والروح القدس وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به وها أنا معكم كل الأيام إلى أنقضاء الدهر(69)".

           C           "يسوع المسيح ربنا الذى لأجل أسمه قبلنا نعمة ورسالة لأطاعة الايمان فى جميع الأمم(70)".

    C    كان أسم يسوع هو محور وموضوع وأساس الكرازة كما أنه مرسل الرسل والأنبياء والمبشرين، وكان تعليم تعاليمه ووصاياه وتلمذة الأمم على ذلك هو شريعة الرسالة.

5- وهو مرسل الرسل والأنبياء والملائكة:

وهو أيضاً الذى يرسل الملائكة والأنبياء والرسل والمبشرين للأعلان عنه والبشارة والكرازة بأسمه وبتعاليمه ووصاياه فى كل المسكونة:

            C         أنا يسوع أرسلت ملاكى لأشهد لكم بهذه الأمور عن الكنائس(71)".

            C         وقال لتلاميذه "أذهبوا إلى العالم أجمع وأكرزوا بالانجيل للخليقة كلها(72)".

            C      "وتكونون لى شهوداً فى أورشليم وفى كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض(73)".

وقال عنه الوحى الالهى:

C     "الذى نزل هو الذى صعد فوق جميع السموات لكى يملأ الكل. وهو أعطى البعض أن يكونوا رسلا والبعض مبشرين والبعض رعاه والبعض معلمين(74)".

C              "سر المسيح" الذى فى أجيال أخر لم يعرف به بنو البشر كما قد أعلن الآن لرسله القديسين وأنبيائه بالروح(75)".

5-    وهو المعطى فما وكلاما وحكمة:

فى القديم قال الله لموسى:

         C         "أذهب وأنا أكون مع فمك وأعلمك ما تتكلم به(76)".

والسيد المسيح يقول لتلاميذه:

         C         "لأنى أنا أعطيكم فما وحكمة لا يقدر جميع معانديكم أن يناقضوها أو يقاوموها(77)".

وفى القديم قيل:

         C         "أسمعوا كلمة يهوه يا بيت يعقوب(78)".

وفى العهد الجديد يقول الوحى الالهى:

   C   "لتسكن فيكم كلمة المسيح بغنى وأنتم بكل حكمة معلمون ومنذرون بعضكم بعض بمزامير وتسابيح وأغانى روحية بنعمة مترنمين فى قلوبكم للرب. وكل ما عملتم بقول أو بفعل الكل بأسم الرب يسوع المسيح(79)".

والسيد المسيح كثيراً ما يكرر ويقول:

         C         "فكل من يسمع أقوال هذه ويعمل بها أشبهه برجل عاقل بنى بيته على الصخر(80)".

         C         "وكل من هو من الحق يسمع صوتى(81)".

وكان يختم كثيراً من أقواله بتعبير "من له أذنان للسمع فليسمع(82)".

وهذا يبين أن يسوع هو يهوه، فيسوع هو الذى يرسل الملائكة والانبياء والرسل والمبشرين وهو الذى يعطيهم كلاما وحكمة عند أفتتاح الفم.

6-    الكل خدامه:

قيل فى القديم:

         C         "وأما أنتم فتدعون كهنة يهوه تسمون خدام الهنا(83)".

         C         "وأبناء الغريب يقترنون بيهوه ليخدموه وليحبوا أسم يهوه ليكونوا له عبيداً(84)".

وفى العهد الجديد يقول الوحى الالهى:

         C         "لأنكم تخدمون الرب المسيح(85)".

فخدام يهوه هم خدام المسيح وخدمة يهوه هى خدمة الرب يسوع المسيح. ونحن جميعاً نخدم رباً واحداً والهاً واحداً.

8- أحتمال الآلام لأجل أسمه:

قال بطرس للسيد المسيح: ها نحن قد تركنا كل شىء وتبعناك".

   C   "فأجاب يسوع وقال الحق أقول لكم ليس أحد ترك بيتاً أو أخوة أو أخوات أو أباً أو أماً أو امرأة أو أولاداً أو حقولاً لأجلى ولأجل الانجيل إلا ويأخذ مئة ضعف الآن فى هذا الزمان بيوتاً وأخوة وأخوات وأمهات وأولاداً وحقولاً مع اضطهادات وفى الدهر الآتى الحياة الأبدية(86)".

السيد المسيح يمدح من يترك كل شىء فى العالم لأجل أسمه ويعده بالحياة الأبدية كما بين أنهم سيضطهدون وينالون الضيق والآلام لأجل أسمه:

              C         "وتكونون مبغضين من الجميع لأجل أسمى(87)".

              C         "حينئذ يسلمونكم إلى ضيق ويقتلونكم وتكونون مبغضين من جميع الأمم لأجل أسمى(88)".

     C  يلقون أيديهم عليكم ويطردونكم ويسلمونكم إلى مجامع وسجون وتساقون أمام ملوك وولاة وتكونون مبغضين من الجميع من أجل أسمى(89)".

ولما جلد التلاميذ فى مجمع اليهود "أوصوهم أن لا يتكلموا بأسم يسوع(90)" ولكنهم ذهبوا فرحين من أمام المجمع لأنهم حسبوا مستأهلين أن يهانوا من أجل أسمه(91)".

كما قيل عن بولس وسيلا: "رجلين قد بذلا أنفسهما لأجل أسم ربنا يسوع المسيح(92)".

وقال القديس بولس بالوحى الالهى:

              C    أنى مستعد ليس أن أربط فقط بل أن أموت أيضاً فى أورشليم لأجل أسم الرب يسوع(93)".

 C    "من سيفصلنا عن محبة المسيح. أشدة أم ضيق أم أضطهاد أم جوع أم عرى أم خطر أم سيف. كما هو مكتوب أننا من أجلك نمات كل النهار. قد حسبنا مثل غنم للذبح. ولكننا فى هذه جميعها يعظم أنتصارنا بالذى أحبنا. فأنى متيقن أنه لا موت ولا حياة ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة ولا علو ولا عمق ولا خليقة أخرى تقدر أن تفصلنا عن محبة الله التى فى المسيح يسوع ربنا"(94).

كما يمتدح السيد المسيح كل من ملاك كنيسة أفسس وملاك كنيسة برغامس، فيقول للأول: "احتملت ولك صبر وتعبت من أجل أسمى"(95) ويقول للثانى: "وأنت متمسك بأسمى ولم تنكر إيمانى"(96).

أحتمل الأنبياء والرسل والمبشرون والخدام الآلام لاجل "أسم يسوع" وقبلوا ذلك بفرح، ولو لم يكن المسيح، يسوع، هو يهوه، الله، الاله المتجسد، الله الظاهر فى الجسد، لما احتملوا الآلام لاجل أسمه وطافوا العالم كله يدعون للإيمان بأسمه بالتوبة ومغفرة الخطايا والحياة بأسمه، من يؤمن به ينال حياة أبدية ومن لا يؤمن به يمكث عليه غضب الله "الذى يؤمن بالأبن له حياة والذى لا يؤمن بالأبن لن يرى حياة بل يمكث عليه غضب الله"(97).

9- على اسم يسوع رجاء الأمم

وكما قيل عن يهوه أن اسمه رجاء الأمم قيل عن يسوع أيضاً أن على اسمه رجاء الأمم: "فعلم يسوع وانصرف من هناك. وتبعته جموع كثيرة فشفاهم جميعاً. وأوصاهم أن لا يظهروه. لكى يتم ما قيل بأشعياء النبى القائل: هوذا فتاى الذى اخترته. حبيبى الذى سرت به نفسى. أضع روحى عليه فيخبر الأمم بالحق وعلى اسمه يكون رجاء الأمم"(98).

10- بالإيمان بأسمه تغفر الخطايا

                C          يقول الكتاب "له يشهد جميع الأنبياء أن كل من يؤمن به ينال باسمه غفران الخطايا"(99).

                C          "أكتب إليكم أيها الأولاد لأنه قد غفرت لكم خطاياكم لأجل اسمه"(100).

      C    ولما وعظ بطرس الرسول أول عظة له بعد حلول الروح القدس سأل الكثيرون من الذين نخسوا فى قلوبهم الرسل "ماذا نصنع" فقال لهم القديس بطرس:

"توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا فتقبلوا عطية الروح القدس"(101).

11- وبأسم يسوع تجرى قوات وعجائب وتخرج الشياطين

عندما أرسل السيد المسيح تلاميذه للبشارة به قال لهم معطياً سلطانه لهم:

         C          "اشفوا مرضى. طهروا برصاً. أقيموا موتى. أخرجوا شياطين"(102).

وكذلك لما عين سبعين رسولاً وأرسلهم أمامه خاطبهم قائلاً:

         C          "وأية مدينة دخلتموها وقبلوكم.. أشفوا المرضى الذين فيها"(103).

         C          "فرجع السبعو بفرح وقالوا له يا رب حتى الشياطين تخضع لنا بأسمك"(104).

وقبل صعوده مباشرة قال لتلاميذه ورسله:

C   "وهذه الآيات تتبع المؤمنين يخرجون الشياطين بأسمى ويتكلمون بألسنة جديدة. يحملون حيات وأن شربوا سماً مميتاً لا يضرهم ويضعون أيديهم على المرضى فيبرأون"(105).

حتى الذين ليسوا من أتباعه كانوا يخرجون الشياطين بأسمه، قال له يوحنا:

C   "يا معلم رأينا واحداً يخرج شياطين بأسمك فمنعناه لأنه ليس يتبعنا. فقال يسوع لا تمنعوه لأنه ليس أحد يصنع قوة بأسمى ويستطيع سريعاً أن يقول شراً"(106).

وهكذا خرج الرسل مزودين بالسلطان الذى أعطاه لهم يسوع المسيح يصنعون قوات وعجائب ومعجزات بأسمه فشفى بطرس ويوحنا أعرج من بطن أمه قائلين:

                C          "بأسم يسوع المسيح الناصرى قم وأمشى"(107).

ولما سألهما رؤساء الكهنة "بأية قوة وبأى اسم صنعتما أنتما هذا؟"(108) قال لهم بطرس:

                C          "أنه بأسم يسوع المسيح الناصرى وقف هذا أمامكم صحيحاً"(109).

وهكذا أيضاً أخرج القديس بولس الروح النجس من العرافة قائلاً:

                C          "أنا آمرك بأسم يسوع المسيح أن تخرد منها فخرج فى تلك الساعة"(110).

12- الصلاة والطلبة بأسم يسوع

الصلاة والطلبة لا تقدم إلا إلى الله وحده، والرب يسوع المسيح يطلب أن نصلى إليه قائلاً:

C       "لأنه حيثما أجتمع اثنان أو ثلاثة بأسمى فهناك أكون فى وسطهم"(111).

C       "ومهما سألتم بأسمى فذلك أفعله ليتمجد الآب بالابن. أن سألتم شيئاً بأسمى فأنى أفعله"(112).

C       "وفى ذلك اليوم تطلبون بأسمى"(113).

13- عدم التجديف على اسمه

حذر العهد القديم من التجديف على "اسم يهوه" ويحذر العهد الجديد من التجديف على أسم يسوع:

C       قال القديس يعقوب الرسول بالوحى عن الأشرار: "أما هم يجدفون على الاسم الحسن الذى دعى به عليكم".

C       وقال القديس بولس بالوحى: "وليتجنب الأثم كل من يسمى اسم المسيح".

وهذا كله يدل على أن كل ما يقدم وينسب إلى يهوه يقدم وينسب إلى يسوع، لأن يهوه هو يسوع، ويسوع هو يهوه.

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الخامس

يسوع المسيح

هو الكائن السرمدى

 

بينا سابقاً أن الله وصف ذاته، فى العهد القديم، وأعطى لنفسه أسم ولقب "الكائن"، "الذى يكون"، "يهوه"، "أهيه"، الكائن الدائم الوجود عله وسبب كل وجود، السرمدى، الحى الابدى مصدر الحياه ونبعها. وهنا، فى هذا الفصل، نبين قول السيد المسيح عن نفسه وأقوال الرسل، فى العهد الجديد، عن كونه هو نفسه، يسوع المسيح، هو ذاته "الكائن" "الذى يكون"، "يهوه"، "أهيه" السرمدى، الذى لا بدايه له ولا نهايه، الموجود أبداً، من الأزل وإلى الأبد، الكائن الحى الدائم الوجود "الكائن والذى كان والذى يأتى"(1)، نبع الحياه ومصدرها، خالق الكون وكل ما فيه ومدبره:

1- أقوال يسوع المسيح عن كونه السرمدى:

لم تكن بدايه الرب يسوع المسيح، هى الحبل به وميلاده من العذراء فى لحظة معينة من الزمان ويوم معين فى التاريخ البشرى، فهذه كانت بدايه تجسده وظهوره على الأرض فى الجسد وأنما هو، بلاهوته، كان موجوداً سابقاً قبل الخليقه، من الأزل، بلا بدايه، كان موجود أبداً. يقول هو عن نفسه:

C       "لأنى قد نزلت من السماء ليس لأعمل مشيئتى بل مشيئه الذى أرسلنى"(2).

C       "أنا هو الخبز الحى الذى نزل من السماء"(3).

C      "فأن رأيتم ابن الإنسان صاعداً حيث كان أولاً"(4).

C       "خرجت من عند الآب وأتيت إلى العالم"(5).

C       "والآن مجدنى أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذى كان لى عندك قبل كون العالم"(6).

C      "لأنك أحببتنى قبل إنشاء العالم"(7).

فى الآيات الثلاث الأولى يؤكد السيد المسيح أنه "نزل" من السماء، كان فى السماء قبل أن ينزل إلى الأرض. وفى الرابعه يؤكد أنه خرج "من عند الآب"، وهذا القول أكده للتلاميذ "من عند الآب خرجت"(8) ولليهود "لأنى خرجت من قبل الله وأتيت"(9)، وفى كل الأحوال يؤكد على وجوده السابق فى السماء. ولا يعنى بقوله "نزلت أنه محدود فى المكان، وخلو الأرض منه عندما كان فى السماء، وخلو السماء منه عندما نزل إلى الأرض، لأنه بلاهوته غير محدود فى المكان، وهذا ما أكده بقوله:

C          "وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذى نزل من السماء ابن الإنسان الذى هو فى السماء"(10).

فهو يؤكد أنه لم يكن هناك أحد فى السماء قبله وأنه برغم نزوله من السماء إلا أنه كان فى نفس الوقت فى السماء وعلى الأرض، بلاهوته.

وفى الآيتين، الخامسه والسادسه، يعلن أنه كان موجوداً قبل "كون العالم"، "قبل إنشاء العالم"، أى قبل الخليقه، وبالتالى منذ الأزل. ومن أروع وأبلغ ما قاله عن وجوده السرمدى:

           C         "قبل أن يكون ابراهيم أنا كائن"(11).

وهذا القول جعل اليهود يغضبون ويحنقون عليه ويقرروا موته رجماً بالحجاره "فرفعوا حجاره ليرجموه"(12). لماذا؟ لأنهم أعتقدوا أنه يجدف على الله وينسب لنفسه ما لله ويسمى نفسه بأسم الله، اى يقول أنه الله(13). كيف ذلك؟

أولاً: يقول أنه قبل أن يوجد ابراهيم، قبل أن يولد ابراهيم، قبل أن يأتى أبراهيم إلى الوجود (حوالى 2000 سنه قبل تجسد المسيح)، كان هو موجوداً. هم يعرفون أن عمره لا يصل إلى خمسين سنه "ليس لك خمسون سنه بعد"(14)، وهو يؤكد على وجوده السابق، قبل ابراهيم. وهذا يعنى أنه كان موجوداً قبل التجسد والميلاد من العذراء، وبالتالى فهو ليس مجرد بشر، بل أسمى من ذلك.

ثانياً: أنه يقول بالحرف الواحد "أنا كائن"، حرفياً "أنا اكون" = "إيجو إيمى- Ego eimi" "I Am"، وهو هنا يستخدم نفس التعبير الذى عبر الله به عن نفسه لموسى النبى ، ويعطى لنفسه نفس الأسم واللقب الذى عبر به الله عن نفسه "اأهيه"، "يهوه"، "الكائن الذى يكون". وهذا ما جعل اليهود يثورون عليه ويحنقون لأنهم أدركوا أنه يعنى "أنه يهوه"، "أنه أهيه"، "الكائن الذى يكون". فهذا الأسم لا يمكن أن يطلق على غير الله ذاته والذى يقول "يهوه هذا أسمى ومجدى لا أعطيه لآخر"(15).

ثالثاً: كما أن استخدام السيد المسيح للزمن الحاضر ( المضارع ) "أكون am – eimi  " يدل على الوجود المستمر، بلا بدايه وبلا نهايه: "الكائن" دائماً، والذى "كان" أزلاً بلا بدايه، والذى سيكون "يأتى" أبداً بلا نهايه، فى الماضى بلا بدايه، والحاضر دائماً، والمستقبل بلا نهايه. ويؤكد السيد على وجوده السرمدى هذا بقوله أيضاً:

C          "أنا هو الأول والآخر والحى وكنت ميتاً وها أنا حى إلى ابد الأبدين، ولى مفاتيح الهاويه والموت"(16).

C         "أنا هو الألف والياء. البدايه والنهايه. الأول والآخر"(17).

C         "القدوس الحق الذى له مفتاح داود الذى يفتح ولا أحد يغلق ولا أحد يفتح"(18).

وفى هذه الآيات يؤكد السيد المسيح ويصف نفسه بـ 1- الأول والآخر؟ 2- الحى إلى الأبد؟ 3- الذى له مفاتيح الحياة والموت؟ 4- القدوس الحق:

أولاً: الأول والآخر هو الله وحده الذى قال فى سفر أشعياء:

C      "أنا الأول وأنا الآخر ولا إله غيرى"(19).

C      "أنا يهوه وليس آخر. لا إله سواى ليس غيرى. أنا يهوه واليس آخر"(20).

C      "لأنى أنا الله وليس آخر. الإله وليس مثلى"(21).

C  ويتساءل الله قائلاً "هل يوجد إله غيرى؟"(22)، "أليس أنا الرب ولا إله آخر غيرى؟"(23). وتجيب البشرية قائلة: "وحدك الله وليس آخر. ليس إله"(24). وهذا تأكيد مطلق على أنه لا يوجد إلا واحد هو الله، لا إله غيره ولا مثله ولا قبله ولا بعده "قبلى لم يصور إله وبعدى لا يكون"(25)، ومع ذلك يقول المسيح أنه هو ذاته "الأول والآخر"، "الألف والياء"، "البداية والنهاية". هو الأول وهو اللف وهو البداية، كل شىء والذى هو ذاته بلا بداية، الأزلى. وهو الآخر والياء والنهاية، الله يؤكد أنه لا إنه لا إله غيره، فهو الإله الواحد السرمدى، والسيد المسيح يؤكد أنه هو هذا الواحد، الأول والآخر، الألف والياء، البداية والنهاية، الذى كان والكائن والذى يكون، السرمدى.

ثانياً: يعلن الرب يسوع المسيح إنه "الحى"، "الحى إلى أبد الأبدين"، أى "الحى القيوم"، وأن "له الحياة فى ذاته"(26) و"فيه كانتا الحياة"(27) كما أنه معطى الحياة ومانحها للخليقة "أنا هو القيامة والحياة"(28)، هو الحى السرمدى، الحى القيوم، الحى أبداً، الذى له الحياة فى ذاته ومعطى الحياة للكون، للخليقة كلها.

والله فى القديم يصف نفسه بـ "الحى" الذى "يحيى ويميت"، "الحى القيوم"، "الحى إلى أبد الأبدين":

C      "حبى أنا يقول يهوه"(29)، "حى أنا يقول السيد الرب"(30).

C      "الإله الحى القيوم إلى الأبد"(31).

C  "أنا أنا هو وليس إله معى. أنا أميت وأحى حى أنا إلى الأبد"(32). وفى سفر الرؤيا يوصف اله بـ "الحى إلى أبد الأبدين":

C      "الحى إلى أبد الأبدين الذى خلق السماء وما فيها والأرض وما فيها والبحر ومافيه"(33).

C      "يخر الربعة والعشرون شيخاً قدام الجالس على العرش ويسجدون للحى إلى أبد الأبدين"(34).

وهنا يوصف الله الآب والرب يسوع المسيح بصفات واحده ولقب واحد هو "الحى القيوم"، الله هو الحى القيوم، الحى الباقى، الدائم، إلى الأبد، والذى يحيى ويميت، الخالق، ويسوع المسيح هو الحى القيوم، الذى له الحياة وفيه الحياة ومعطى الحياة. بل ويصف سفر الرؤيا الله والرب يسوع المسيح بصفة واحدة ولقب واحد هو "الحى إلى أبد الأبدين".

ثالثاً: يعلن الرب يسوع المسيح أنه هو الذى له "مفاتيح الهاوية والموت"، والذى "له مفتاح داود الذى يفتح ولا أحد يغلق ويغلق ولا أحد يفتح"(35)، والذى له مفاتيح ملكوت السموات"(36). والمفاتيح هنا ترمز إلى سلطانه على الحياة والموت، وسلطانه على السماء والأرض، وأنه هو وحده الذى يفتح ويغلق دون أن يكون لأحد سلطان عليه، فهو صاحب السلطة الوحيد. وهناك مثل ربانى يقول: "يوجد أربعة مفاتيح ممسوكة فى يد الله لا يعطيها لملاك ولا لسيراف (أحد الساروفيم)(37): مفتاح المطر ومفتاح الطعام ومفتاح القبور ومفتاح المرأة العاقر(38). والمسيح يمسك فى يده جميع المفاتيح فى السماء وعلى الأرض.

رابعاً: ويعلن الرب يسوع المسيح أيضاً أنه "القوس الحق"(39). والقدوس لقب من ألقاب الله بأعتباره مصدر القداسة "أسمى القدوس"(40)، "أسمه قدوس"(41)، "الإله القدوس"(42)، "ساكن الأبد القدوس أسمه"(43). والسيد المسيح يصف نفسه بالقدوس الحق"، وسفر الرؤيا يصف الله الآب بنفس اللقب "القدوس والحق"(44). كما يصف الوحى الالهى الرب يسوع المسيح بـ "القدوس البار(45)، "فتاك القدوس"(46)، "القدوس الذى دعاكم"(47)، وقال الملاك للعذراء "القدوس المولود منك"(48)ن كما وصف السيد أيضاً بأنه "قدوي بلا شر ولا دنس"(49). الله هو القدوس والرب يسوع المسيح هو القدوس، ومع أنه الكتاب يقول "ليس قدوس مثل يهوه"(50)،فالكتاب نفسه يقول أن الرب يسوع المسيح هوهو "يهوه القدوس"، وأروع مثال على ذلك هو تسبحه السرافيم فى سفر أشعياء، فقد رأى أشعياء النبى "يهوه الصبؤوت" جالس على العرش وحوله السرافيم يسبحونه قائلين "قدوس قدوس قدوس رب الجنود (يهوه صبؤوت) مجده ملء كل الأرض"(51). وقال القديس يوحنا الرسول أن الذى رآه أشعياء هذا، والذى تسبحه السرافيم هو الرب يسوع المسيح؟ "قال أشعياء هذا حين رأى مجده وتكلم عنه"(52).

2- أقوال رسل المسيح عن كونه السرمدى:

1-    جاء فى مقدمة الانجيل للقديس يوحنا قول الوحى الالهى:

C   "فى البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله. هذا كان فى البدء عند الله. كل شىء به كان وبغيره لم يكن شىء مما كان. فيه كانت الحياة"(53).

وتعبر الآيه الأولى من هذه الفقرة "فى البدء كان الكلمة" عن وجود الرب يسوع المسيح السابق وأزليته بصورة رائعة، ويتركز جوهر هذه الأزلية، هذا الوجود السرمدى فى ثلاثة عناصر هى: "البدء" و "كان" و "كل شىء به كان" إلى جانب كونه الحياة "فيه كانت الحياة" ومانحها.

أولاً: فى البدء: هنا ليس بداءاً زمنياً، إنما هو بدء ما قبل البدء السابق للخليقة، البدء السابق لعملية الخلق ووجود المخلوقات.

فالذى كان فى البدء هو الخالف الذى "كل شىء به كان"، والذى كان قبل الكون، والذى قال عن نفسه أنه كان "قبل كون العالم"(54). وبالرغم أن البدء هنا يلمح إلى البدء فى سفر التكوين "فى البدء خلق الله السموات والأرض"(55)، إلا أن "البدء" هنا يسبق بدء التكوين، الخلق. البدء فى سفر التكوين هو "بدء التكوين، الخلق، الخلق، بدء عملية أخلق ذاتها، والذى يبدأ من هذه النقطة، الخلق، نازلاً إلى ما بعد ذلك فى دورة الزمن. و"البدء" هنا، البدء الذى كان فيه الكلمة موجوداً، هو "بدء" ما قبل البدء، البدء الذى لا بداية، بدء،له الازل. أنه البدء الذى يذكر وجود الكلمة فبل الخليقة ويرجع للوراء إلى ما قبل الزمن، إلى الأزل الذى لا بداية له، إلى الأبدية.

والكلمة الذى كان فى البدء هو الكائن السرمدى بلا بداية والذى وصف نفسه بالأول الذى قبله لا يوجد شىء، والبداية الذى بلا بداية له ولا زمن "غير المبتدىء الأبدى. غير الزمنى. الذى لا يحد"(56). وكما يقول عنه ميخا النبى باروح القدس "ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل"(57).

C      يقول هيلارى أسقف بواتييه (315-67/368م):

"ما هى قوة هذه الكلمات "فى البدء كان الكلمة"؟ قروناً ولت دهوراً أنقضت، أتخذ أى بدء تشاؤه ومع ذلك لا يمكن أن تشمله بزمن"(58).

ثانياً: "كان الكلمة"، والفصل "كان en" جاء فى الزمن الماضى الناقص، ير التام، الدال على حالة كانت مستمرة، ويتضمن أستمرار الوجود، الوجود المستمر فى الماضى. وهذا يعنى أنه قبل أن يبدأ البدء كان الكلمة موجوداً، ويمكن أن تترجم الآية حرفياً "عندما بدأ البدء كان الكلمة موجوداً هناك"(59)، وهذا يعادل ويساوى القول "الكلمة يسبق الزمن أو الخليفة"(60). فكان هنا تشير إلى الوجود المطلق لارتباطها بالبدء وبالخالق.

ومعنى نص الآية كاملاً: أنه فى البدء، وقبل الخلق، كان الكلمة موجوداً وهوالخالق ذاته، الذى كان موجوداً من الأزل بلا بداية قبل أن يقوم بعملية الخلق، كان موجوداً، وكان هو العنصر الفعال، الخالق، بدء البدء. ويتكرر الفعل "كان _ en" فى هذه الآية، عن الكلمة، أربع مرات:

"فى البدء كان الكلمة كان وكان الكلمة كان فى البدء".

وفى هذه المرات الأربع تشير إلى ما قبل الخلق والزمن إلى الأزل إلى الأبدية، فقد كان هو فى البدء عند الله، و "كان" هو الله، "كان" قبل وجود للخليقة و "كان" هو الخالق، "كل شىء به كان" أى بالكلمة، الرب يسوع المسيح، و "كان" فى هذه الآية "كل شىء به كان" فى أصلها اليونانى "صار egeneto"، وحرفياً "جاء إلى الوجود"، "وبغيره لم يكن شىء مما كان (صار جاء إلى الوجود egeneto". اذاً، فهو الذى كان "موجوداً، والخليقة لم تكن قد جاءت إلى الوجود، فهو الخالق، الذى خلق الخليقة "كل شىء به كان (جاء إلى الوجود)" و "بغيره لم يكن شىء مما كان (جاء إلى الوجود)".

ويؤكد الوحى الالهى أنه هو، الكلمة، الرب يسوع المسيح، نبع الحياة ومصدرها بقوله "فيه كانت الحياة"(61)، فهو معطى الحياة للخليقة سواء كانت مادية (جسمانية) أو أخلاقية، وهو معطى الحياة الأبدية لكل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية"(62)، "الذى يؤمن بالابن له حياة أبدية"(63)، "من يؤمن بى فله حياة أبدية"(64). هو مصدر نبع، الحياة ومبدأها. وهذا ما عبر عنه القديس يوحنا الرسول بالروح القدس بقوله:

    C   "الذى كان من البدء، الذى سمعناه الذى رأيناه بعيوننا الذى شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة. فأن الحياة أظهرت ونشهد ونخبركم بالحساة الأبدية التى كانت عند الآب وأظهرت لنا"(65).

فالكلمة، كلمة الله، الرب يسوع المسيح "كان" عند الله الآب، كان من البدء عند الله الآب، كان بلا بداية، من الأزل، كان أبداً، فهو الحياة الأبدية، الذى كان قبل كل شىء وهو الذى كون، خلق أوجد كل شىء هو الذى جاء بكل شىء إلى الوجود، خلق كل شىء.

2-   جاء فى الرسالة إلى كولوسى قول الوحى الالهى:

"الذى هو صورة الله غير المنظور بكر كل خليقة. فأنه فيه خلق الكل ما فى السموات وما على الأرض ما يرى وما لايرى سواء كان عروشاً أم سيادات أم رياسات أم سلاطين. الكل به وله قد خلق. الذى هو قبل كل شىء وفيه يقوم الكل"(66).

وفى هذه الآيات الثلاث يكشف لنا القديس بولس بالروح القدس عن أربعة القاب، أربع صفات للرب يسوع المسيح هى:

1-     صورة الله.

2-      البكر.

3-      الخالق.

4-      الأزلى.

1-    صورة الله: يتكرر تعبير "صورة الله" للرب يسوع المسيح ثلاث مرات:

C    "المسيح الذى هو صورة الله"(67).

C    "الذى هو صورة الله غير المنظور"(68).

C  "الذى إذ كان فى صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون مساوياً لله"(69). وصورة الله مثل كلمة الله هو الله ذاته، وكما دعى السيد المسيح كلمة الله "ويدعى أسمه كلمة الله"(70) بمعنى أنه الله "وكان الكلمة الله"(71)، دعى أيضاً "صورة الله" بمعنى أنه الله. ويستخدم الوحى الإلهى فى الآيتين الأولى والثانية النص اليونانى "إيكون _ Eikon"، "Eikon Tou Theou"، صورة، صورة الله، وهذا النص يعنى:

أ- "صورة طبق الأصل" والتى تعنى بالنسبة للرب يسوع المسيح، أو تجلى الذات الالهية فى شخصه، بمعنى أن "طبيعة الله وجوهره (كينونته) أعلنت، ظهرت فيه"(72) كما خبر"(73)، "هو الذى أخبر عنه" وكما عبر القديس بولس بالروح، أيضاً "لأناره معرفة مجد الله فى وجه يسوع المسيح"(74).

ب- كما يعنى "الشبه الدقيق"، الصورة الزيتية، أو الفوتوغرافية، أو الصورة المنقولة على العملة (النقود المعدنية)، أو صورة الشخص المنعكسة فى المرآة. والمسيح هو "صورة الله" بمعنى أنه الصورة الدقيقة لله الآب، مثل صورة الملك على العملة، أو الانعكاس كما يظهر الشخص فى المرآة(75)، فهو نفسه "بهاء مجد الله ورسم جوهره" أشعاع مجد الله، وصورة جوهر الله.

وفى الآية الثالثة يستخدم النص اليونانى "مورفى _ Morehe" والذى يعبر عن طبيعة الكيان وشخصه(76)، والذى يشير إلى الظهور الخارجى الذى يوصل للجوهر(77)، وهنا يُ عبر عن الكيان الجوهرى لله(78)، ولذا فالتعبير "صورة الله" فى هذه الآية مترجم فى NIV "فى نفس طبيعة الله In The Very Nature Of God" أى "الذى إذ كان فى نفس طبيعة الله"(79).

ويسبق قوله "صورة الله Morphe Theou" عبارة "الذى إذ كان Hos en"، و "كان" هنا ليست فى الماضى البسيط "Eimai"(80)، بل فى الزمن المستمر والذى يعنى هنا الوجود من البدء أسبقية الوجود، الذى كان موجوداً دائماً، بصفة مستمرة فى حالة الأستمرار، مثل قوله "فى البدء كان الكلمة". ويلى ذلك أيضاً قوله أنه، المسيح، "مساوياً لله" الآب. ولا يساوى الله إلا الله، كلمة الله، صورة الله، الذى له نفس طبيعة وجوهر الله. هو الذى كان دائماً ويكون دائماً وسوف يكون أبداً، الأزلى الأبدى، السرمدى.

2- البكر: أستخدمت كلمة "بكر فى العهد الجديد عن السيد المسيح يمعنى السيادة والسمو والتفوق فى كل شىء:

   C     "الذى هو البداءة بكر من الأموات لكى يكون هو متقدماً فى كل شىء"(81).

   C     "متى أدخل البكر إلى العالم يقول ولتسجد له كل ملائكة الله"(82).

   C     "يسوع المسيح الشاهد الأمين البكر من الأموات ورئيس ملوك الأرض"(83).

وفى هذه الآيات يشير الوحى الالهى إلى أسبقية فى الزمن وسمو وسيادة وتفوق فى المكانة، المكانة السامية. وفى هذه الآية، "بكر كل خليقه"، تعنى وجود المسيح السابق لكل خليقة، السابق فى الوجود والزمن. وهو أيضاً فوق كل خليقة فى المكانة السامية والكرامة. وتركز الآية بصفة خاصة على سموه وسيادته، فهو "البكر فوق كل خليقة"(84). وهو فوق كل خليقة لأنه خالقها ومدبرها، ومن ثم تدين له الخليقة بوجودها ومعناها.

3- خالق الكون: "فأن فيه خلق الكل ما فى السموات وما على الأرض ما يُرى وما لا يُرى سواء كان عروشاً أم سيادات أم رياسات أم سلاطين. الكل به وله قد خلق". كما سبق وقيل "كل شىء به كان (كون) وبغيره لم يكن شىء مما كان (كون _ جاء إلى الوجود _ خلق)".(85)،

وأيضاً "ورب واحد يسوع المسيح الذى به جميع الأشياء ونحن به"(86)، ويستخدم الوحى الإلهى فى هذه الآيات، وخاصة الأولى ثلاثة حروف جر "فيه به له" بمعنى لاهوتى دقيق. "فيه خلق الكل" بمعنى أنه سبب وعله كل شىء سبب وجود كل شىء وخالقه، الخالق الذى أوجد، خلق، كل شىء، جاء به إلى الوجود. كل شىء خلق فيه، فهو الأصل والمصدر والمبدىء.و "الكل به"، "كل شىء به كان وبغيره لم يكن شىء مما كان.. كوُن العالم به"(87)، "الذى به جميع الأشياء ونحن به"، هو خالق الكون وما فيه، الذى كونه، صنعه، جاء به إلى الوجود، خالق السماء وما فيها من كائنات روحية غير مرئية والأرض وما فيها وما عليها من كائنات مرئية، الكون كله من أصغر جزء فى الذرة إلى أكبر المجرات ما يُرى وما لا يُرى، ما نعرفه وما لا نعرفه. هو الذى كان فى البدء وقبل البدء الزمنى، كان من الأزل، البداءه والمبدىء الذى جاء بالكون وما فيه إلى الوجود.

والكل خلق له أيضاً "الكل به وله قد خُلق"، هو الخالق للكون وهو الغاية والهدف الذى يتجه إليه ويتحرك نحوه كل شىء لخدمة وتحقيق أرادته وتسبيحه وتمجيده، سواء شاء أم ابى. وقد جاء فى سفر الرؤيا قول الوحى الإلهى أن جميع الكائنات تصرخ أمامه قائلة:

C "بصوت عظيم مستحق هو الحمل (المسيح) أن يأخذ القدرة والغنى والحكمة والقوة والكرامة والمجد والبركة والسلطان إلى أبد الأبدين"(88). فهو كما يقول الكتاب: الذى من أجله الكل وبه الكل"(89).

وعبارة "كل شىء فى اليونانية "Ta Panta" تُترجم أيضاً "الكون". وتشير، هنا إلى الكون، كل الخليقة المادية والروحية فى السموات والأرض، المرئية وغير المرئية، عالم الملائكة، الكائنات الروحية، وعالم البشر وكل الكائنات الأرضية، الكواكب والمجموعات الشمسية والمجرات، الكون كله. المسيح هو خالقه وهو ربه "رب الكل"(90).

4- الأزلى: مقيم الكون مدبره: ويشير الكتاب بقوله "الذى هو قبل كل شىء إلى وجوده السابق للخليقة، إلى أزليته، إلى وجوده الأزلى قبل الكون، إلى سرمديته، كالأزلى بلا بداية وهو أيضاً الأبدى بلا نهاية.

و"فيه يقوم الكل"، "فيه قُوام(91) و (يتكون)(92) كل شىء بمعنى يتوحد ويتماسك ويُدار، فهو الذى يجعل الكون متماسك والذى جعل للكون "نظاماً كاملاً متكاملاً (Cosmos) بدلاً من اللاتكون(93). وهذا يساوى قوله "وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته"(94)، والذى يعنى يحافظ على الكون ويبقيه ويديره فى حركته المستمرة، أى أن "كل الأشياء (الكون Tapanta) تتوقف على تماسكها فيه أو تبقى بتماسكها فيه"(95)، وهو يدير الكون فى حركته المستمرة وتغيراته الدائمة، وكما قال أحد العلماء (Weiss) "مع الكل فى كل تغيراته وتحولاته فى كل الدهور"(96).

4- جاء فى الرسالة إلى العبرانيين قول الوحى الإلهى:

C      "يسوع المسيح هو هو أمساً واليوم وغلى الأبد"(97)

C  "وأما عن الأبن كرسيك يا الله إلى دهر الدهور قضيب أستقامة قضيب ملكك. أحببت البر وأبغضت الأثم من أجل ذلك مسحك الله إلهك بزيت الأبتهاج أكثر من شركائك. وأنت يا رب فى البدء أسست الأرض والسموات هى عمل يديك. هى تبيد ولكن أنت تبقى. وكلها كثوب تبلى وكرداء تطويها فتتغير ولكن أنت أنت وسنوك لن تفنى"(98).

وتعبر هذه الآيات عن أزلية الرب يسوع المسيح وأبديته، سرمديته، إلى جانب أنه خالق الكون، كما تعبر عن كونه الحى الدائم إلى الأبد، وتخاطبه بلقب "الله"، "كرسيك يا الله" وبأسم "يهوه"، "وأنت يا رب" هنا مقتبسه من مزمور 103 الذى يخاطب الرب، يهوه "باركى يا نفسى يهوه". وتخاطبه بالذى كان فى البدء "وأنت يارب فى البدء"، وبالحى القيوم، الباقى "أنت تبقى"، وغير المتغير، والدائم إلى الأبد، والذى لا يفنى. ويتكرر فى الآيات تعبيرى "هوهو" و "أنت أنت" للدلالة على الثبات وعدم التغير، من الأزل وإلى الأبد، فى الماضى "أمساً" والحاضر "اليوم"، والمستقبل "وإلى الأبد". فهو الحى، القيوم، الأذلى، الأبدى، الباقى، الدائم، البداية والنهاية، الأول والآخر، الألف والياء، الذى لا يفنى.

5- جاء فى الرسالة إلى رومية قول الرسول بالروح القدس:

C    "ومنهم المسيح حسب الجسد الكائن على الكل الهاً مباركاً"(99).

فى الجزء الأول من الآية يتحدث عن تجسد المسيح وأتخاذه جسداً من مريم العذراء ابنة داود وإبراهيم. أما الجزء الثانى فيتحدث عن المسيح بلاهوته كـ "الكائن على الكل" و "الله المبارك"، هو "الكائن"، "يهوه"، "رب الكل". ويستخدم الوحى فى هذه الآية لتبين "الكائن على الكل" والذى يساوى "يهوه رب الكل"، و "إلهاً مباركاً" والذى يترجم حرفياً "الإله المبارك" و "الله المبارك" إلى الأبد.

والخلاصة، كما جاء فى الآيات السابقة أن الرب يسوع المسيح هو، الرب، رب الكل، الله، الأبدى، الأزلى، السرمدى، الحى القيوم، الدائم، غير المتغير، الباقى، الخالق، المدبر، المعين، المدير (الذى يدير الكون)، السيد، السامى، المتفوق، كلمة الله، صورة الله، رسم جوهر الله، بهاء مجد اللهن رب الكون وخالقه ومدبره، القدوس، الحق، المبارك، البدء، الأول، الآخر، الألف، الياء، الحياة، معطى الحياة، الذى له الحساة فى ذاته، المحيى، المميت، القدير.

 

 

 

 

الفصل السادس

9- يسوع.. رب العالمين

أولاً: الرب (رب الكل)

ترجم "يهوه" إلى "كيريوس Kyrios" فى اليونانية، كما سبق، بمعنى رب الكون وسيده ومالكه، فهو خالقه. وأستخدم لقب "رب Kyrios" فى العهد الجديد للآب والابن على السواء، الله الآب دعى رب، والأبن دعى رب بنفس المعنى اللاهوتى وبوظيفة مساوية للتى لله الآب. أستخدم لقب رب للسيد المسيح بمعناه اللاهوتى الكامل وقد أرتبطن به كل خصائص الذات الإلهية بأعتباره أسماً من أسماء الله الذى ترجمت إليه أهم أسماء الله والقابه(1).

1- رب بمعنى المعلم:

أستخدم لقب رب أولاً للسيد المسيح بمعنى "معلم" وذلك بسبب نظرة تلاميذه، الذين هم فى الأصل يهود، وكذلك بسبب نظرة اليهود إليه "كمعلم" مثل معلمى الشريعة اليهود. وكان تلاميذه يطلبون منه أن يعلمهم كما يعلم كل من الربيين اليهود ويوحنا تلاميذهم:

C      "يا رب (Kyrie) علمنا أن نصلى"(2).

وقال لهم أيضاً:

C  "أنتم تدعوننى معلماً وسيداً (رباً Kyrios) وحسناً تقولون لأنى أنا كذلك"(3). وكانوا يدعونه أيضاً "رابى Rabby"(4) و "ربونى Rabbouny(5)" وأصلهما "راب" وتعنى فى العبرية السيد العظيم والمعلم(6). وهكذا دعى معلمى اليهود ربيين وقال السيد المسيح عن الكتبة والفريسيين أنهم يحبون أن يناديهم الناس "سيدى سيدى Rabby أى "رابى"(7).

من هذا المنطلق أيضاً دعى السيد المسيح معلماً بمعناه التعليمى وكانوا ينادونه فى بعض الأحيان قائلين: "يا معلم ديدا سكالوس Didaskalos"(8).

2- يسوع هو الرب يهوه:

وعلى الرغم من أن اللقب قد أستخدم للمسيح سواء من اليهود ومن تلاميذه خاصة قبل الصليب والقيامة، ولكن ليس بمعناه اللاهوتى، كاملاً، إلا أن الوحى الالهى نسب إليه اللقب بمعناه اللاهوتى الكامل خالصة فى الاعلانات السماوية عنه:

فقيل عن يوحنا المعمدان أنه يكون:

"عظيماً أمام الرب يهيىء للرب شعباً مستعداً"(9).

والرب هنا هو السيد المسيح، والقبذكر هنا بمعناه اللاهوتى الكامل، أى "يهوه"، ففد جاء فى العهد القديم عن يوحنا المعمدان أنه:

           C         "صوت صارخ فى البرية أعدوا طريق يهوه"(10).

وجاؤ عنه أيضاً فى الهد الجديد:

           C       "كانت كلمنة الرب على يوحنا بن زكريا فى البرية صوت صارخ فى البرية أعدوا طريع الرب Kyrios"(11).

والمقصود فى الآية الثانية الرب يسوع المسيح، كما أن ما جاء فى الآية الأولى هو نبؤة عنه، نبؤة عن يوحنا كصوت صارخ أمام الرب يسوع المسيح، الذى هو "يهوه"، الرب. وهذا ما بينه بصورة أكبر سجود المعمدان وهو جنين فى بطن أمه له ستة أشهر للرب يسوع المسيح بينما الملاك لم يبشر العذراء بالمسيح سوى من أيام قليلة"(12).

ولكون السيد المسح، يسوع، هو الرب "يهوه"، فقد قال عنه المعمدان:

           C         "الذى يأتى بعدى هو أقوى منى الذى لست أهلاً أن أحمل حذاءه"(13).

           C         "الذى يأتى بعدى الذى صار قدامى الذى لست بمستحق أن أحل سيور حذائه"(14).

           C         "هذا هو الذى قلت عنه يأتى بعدى رجل صار قدامى لأنه كان قبلى"(15).

           C         "وأنا قد رأيت وشهددت أن هذا هو ابن الله"(16).

           C         "ينبغى أن ذلك (المسيح) يزيد وأنا (المعمدان) أنقص"(17).

           C         "الذى يأتى من فوق هو فوق الجميع الذى يأتى من السماء هو فوق الجميع"(18).

           C         "الآب يحب الابن وقد دفع كل شىء فى يديه"(19).

كما قالت أمه اليصابات للعذراء "من أين لى هذا أن تأتى أم ربى إلىّ"(20).

وهذا ما يؤكد أن المسيح "كرب" هو "يهوه" الذى أتى من فوق من السماء، ملك كل شىء ورب كل شىء وسيد كل شىء والذى هو فوق الجميع.

والسيد المسيح نفسه يستخدم هذا اللقب بمعناه اللاهوتى المطلق فى كثير من أقواله:

"ليس كل من يقول لى يا رب يدخل ملكوت السموات"(21).

"كثيرون سيقولون لى لى ذلك اليوم يا رب يا رب أليس بأسمك تنبأنا وبأسمك أخرجنا شياطين وبأسمك صنعنا قوات كثيرة"(22).

"ابن الإنسان هو رب السبت أيضاً"(23).

وعندما سأل اليهود "قائلاً ماذا تظنون فى المسيح؟ ابن من هو؟ قالوا ابن داود قال لهم فكيف يدعوه داود بالروح رباً فأن كان داود يدعوه رباً فكيف يكون ابنه"(24).

"ومتى جاء ابن الإنسان فى مجده وجميع الملائكة القديسين معه فحينئذ يجلس على كرسى مجده فيجيبه الأبرار يا رب متى رأيناك"(25).

وهذه الآيات تدل على أنه رب السموات والأرض. رب الطبيعة ولأرواح وسائر المخلوقات رب السبت، رب داود، رب الملائكة، رب المجد، رب العرش، رب الدينونة (الديان). أنه الرب، أى "يهوه"، الرب بمعناه اللاهوتى الكامل. قال الملاك فى بشاربه للرعاه "ولد لكم اليوم فى مدينة داود مخلصاً هو المسيح الرب"(26). ويتضح معنى هذا اللقب كاملاً بالاضافة لما سبق فى مخاطبة توما له "ربى والهى"(27) أنه الرب والاله، الرب الإله، يهوه ايلوهيم.

3- لقب رب بعد القيامة:

وأن كان السيد قد تعمد أخفاء لاهوته قبل الصلب والقيامة، برغم ما أعلنه عن ألوهيته فى عدة مواقف وبالرغم من أن الكثير من أقواله وأعماله التى كانت واحدة منها تكفى لإعلان لاهوته كما فهم اليهود فى موقفين وقالوا "قال أيضاً أن الله أبوه معادلاً نفسه بالله"(28) و "فأنك وأنت أنسان تجعل نفسك الهاً"(29) كما حاولوا رجعه عدة مرات لذلك"(30) إلا أن المواقف تغير تماماً بعد القيامة من الموت ولم يعد هناك ما يدعو لأخفاء لاهوته، فبدأ يظهر مجده ولاهوته أمام تلاميذه بدون أخفاء أو تحفظ، وتحولت علاقة التلاميذ الودية معه إلى الرهبة والخوف المشوب بهيية النظر إلى الإله، رب المجد، يهوه".

وعند رؤية المريمتين له بعد القيامة "سجدتا له"(31) والشريعة تقول "ليهوه الهك تسجد وأياه وحده تتقى وتعبد"(32). ولما ظهر لتلاميذه على بحيرة طبرية، يقول الوحى الالهى "لم يجسر أحد من التلاميذ أن يسأله من أنت إذ يسأله من أنت إذ كانوا يعلمون أنه الرب"(33).

وكان أخطر وأهم أعلان بعد القيامة هو أعلان توما الذى خاطبه "ربى والهى"(34).

وهذا التعبير أستخدم كثيراً فى العهد القديم عن الله "يهوه" "يهوه ايلوهيم". وراح التلاميذ يسألونه أسئلة وهو يجيب بلا تحفظ دون أن يخفى ألوهيتهن على هذه الأسئلة التى لا يمكن أن يجيب عليها سوى الله وحده(35) وهم يعلمون تماماً أنه العليم، العالم بكل شىء، "يهوه" الذى لا تخفى عليه خافية فى الكون لأنه ربه وخالقه، ويعبر عن ذلك قول القديس بطرس له بالوحى" "يارب أنت تعلم كل شىء"(36) ويؤكد صحة كلامه هذا بسؤاله للرب عن مصير القديس يوحنا وهذا ما لا يعلمه إلا الله وحده، فيقول له "وهذا ما له"(37) فيجيبه الرب يسوع أجابة يعلن فيها أنه الله، الكلى القدرة، رب الحياة والموت، رب العالمين "قال له يسوع أن كنت أشاء أنه يبقى حى حتى أجيىء"(38) كما سأله التلاميذ أيضاً عن مصير ملك إسرايل: "يا رب هل فى هذا الوقت ترد الملك إلى إسرائيل"(39). واضح من سؤالهم أنهم يعلمون مقدرته على "رد الملك لإسرائيل" أى أنه رب العالمين.

ثم يعلن لتلاميذه بأشكال مختلفة أنه رب العالمين، رب الكون:

           C      "دفع إلىّ كل سلطان فى السماء وعلى الأرض"(40).

           C      "وتكونون لى شهوداً فى أورشليم وفى كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض"(41).

           C      "وأن يكرز بأسمه بالتوبة ومغفرة الخطايا لجميع الأمم مبتدأ من أورشليم"(42).

"وهذه الآيات تتبع المؤمنين يخرجون الشياطين بأسمى ويتكلمون بألسنة جديدة يحملون حيات وأن شربوا سماً مميتاً لا يضرهم ويضعون أيديهم على المرضى فيبرأون"(43).

           C      "أذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم بأسم الآب والابن والروح القدس"(44).

"وها أنا معكم كل الأيام إلى أنقضاء الدهر"(45).

وهذه الآيات تدل على أنه رب السماء والأرض، رب الطبيعة. وبرغم صعوده إلى السموات جسدياً، بناسوته إلا أنه مالىء الكل بلاهوته، جالس على العرش فى السماء ومع ذلك موجود بلاهوته مع كل واحد من مؤمنيه. فسجد له التلاميذ(46) عند صعوده كيهوه رب العالمين و"خرجوا وكرزوا فى كل مكان والرب يعمل معهم ويثبت الكلام بالآيات التابعة"(47).

يعمل معهم على الأرض بالرغم من أنه جالس على العرش، كرب العرش، فى السماء.

ثانياً: يسوع.. رب المجد

1- مجد يهوه:

كلمة مجد (كابود Kabod) فى العبرية تعنى بالنسبة لله، "يهوه"، إعلان كينونة الله(48) وطبيعته وجوهره وتشير إلى حضوره وعظمته(49). كما يرتبط أحياناً بإعلان مجد "يهوه" ببعض الظواهر الطبيعية مثل البرق والرعود والنار والدخان والسحاب الثقيل(50): "هوذا الرب الهنا قد أرانا مجده وعظمته وسمعنا صوته من وسط النار"(51). وكان "يهوه" ذاته هو "مجد إسرائيل"(52) فى القديم، سار معهم فى البرية مرشداً وقائداً لهم: فى الصباح ترون مجد يهوه وإذ مجد يهوه قد ظهر فى السحاب"(53).

وحل الله بمجده على خيمة الاجتماع "ثم غطت السحابة خيمة الاجتماع وملأ بهاء يهوه المسكن(54) ولما بنى سليمان الهيكل حل "يهوه"، الله، بمجده فيه(55) ورأى حزقيال مجد "يهوه" فى صورة شبه انسانية: "شبه كمنظر إنسان منظر شبه مجد الرب (يهوه) ولما رأيته خررت على وجهى(56) "كما رأى أشعياء السيد الرب "يهوه" جالساً على كرسى مرتفع السرافيم واقفون فوقه وهذا نادى ذلك وقال قدوس قدوس قدوس يهوه الجنود مجده ملء كل الأرض"(57) ولكن مجد "يهوه"، ظهر بعد ذلك فى سفى أشعياء النبى بصورة أكثر روحانية "فيعلن مجد يهوه ويراه كل بشر"(58)، "أما عليك فيشرق يهوه ومجده عليك يرى"(59).

2- مجد يسوع:

تعنى كلمة مجد (ذوكسا Doxa)(60) فى العهد الجديد "المجد أو البهاء"(61) وقد أستخدمت عن مجد الرب يسوع المسيح "رب المجد"، أنها تصف شخص الله وحضوره وظهوره فى شخص وعمل الرب يسوع المسيح، كلمة الله المتجسد، الاله المتجسد الذى هو "بهاء مجده ورسم (ختم) جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته"(62)، صورة الله غير المنظور"(63) و"الذى فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً"(64).

وظهر مجد يسوع فى الههد الجديد مساوياً لمجد "يهوه" فى القديمن كما ظهر مجد يسوع أنه هو مجد "يهوه" ذاته. قال القديس يوحنا بالوحى أن المجد الذى رآه أشعياء النيى فى القديم هو مجد الرب يسوع "قال أشعياء هذا حين رأى مجده وتكلم عنه"(65).

وكذلك قال القديس يوحنا عن تجسده وظهوره فى الجسد "والكلمة صار جسداً وحل بيننا (فينا) ورأينا مجده مجداً لوحيد من الآب مملوءا نعمة وحقاً"(66).

ولم يحتاج الرب لخيمة ليحل فيها كما لم يحتاج أن يتكلم من وسط النار إذ أنه نصب خيمته بيننا، حل لكل ملئه فى الناسوت.

أظهر السيد المسيح مجده فى معجزاته مثل تحويل الماء إلى خمر "وأظهر مجده فآمن به تلاميذه"(67).

وكما أظهر "يهوه" مجده فى القديم على جبل سيناء لموسى(68)، وعلى جبل حوريب لأيليا(69)، أظهر الرب يسوع المسيح مجده على جبل نابور، فأخذ تلاميذه بطرس ويعقوب ويوحنا ابنى زبدى "وصعد بهم إلى جبل عال منفردين وتغيرت هيئته قامهم وأضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور بيضاء جداً كالثلج(70)، وإذا موسى وأيليا قد ظهرا يتكلمان معه وأما بطرس والذين معه فكانوا قد تثقلوا بالنوم فلما أستيقظوا رأوا مجده والرجلبين الواقفين معه"(71).

وكان التلاميذ مرتعبين(72)، فجاءهم صوت من السماء قائلاً "هذا هو ابنى الحبيب الذى به سررت"(73) فسقط التلاميذ على وجوههم وخافوا جداً(74).

ويكتب القديس بطرس فى رسالته الثانية عن هذا الحدث يقول: "إذ عرفناكم بقوة ربنا يسوع المسيح ومجيئه بل كنا معاينين عظمته"(75).

ومع ذلك يقول السيد المسيح أن مجده الأزلى عظيم "مجدنى أيها الآب بالمجد الذى كان لى عندك قبل كون العالم"(76) وأن كان قد تخلى عن مجد هبا لتجسد إلا أنه بعد القيامة والصعود يقول الكتاب: "ولكن الذى وضع قليلاً عن الملائكة (بالتجسد) يسوع تراه مكللا بالمجد والكرامة"(77). "عظيم هو سر التقوى اله ظهر فى الجسد تبرر فى الروح تراؤى لملائكته كرز بين الأمم، أؤمن به فى العالم رفع فى المجد"(78)، أما كان ينبغى أن المسيح يتألم بهذا ويدخل إلى مجده"(79).

3- رب المجد:

ويقول الكتاب أن يسوع هو "رب المجد" الذى لو عرف اليهود والرومان حقيقته لما صلبوه "لأن لو عرفوا لما صلبوا رب المجد"(80). ويكرر الكتاب كثيراً تعبيرات:

           C      "يسوع المسيح له المجد إلى الأبد"(81).

           C      "يسوع المسيح له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين"(82).

"مستحق هو الحمل المذبوح أن يأخذ القدرة والغنى والحكمة والقوة والكرامة والمجد والبركة"(83)، ونفس هذه الصفات أعطيت فى نفس السفر لله الآب(84) مما يدل على أن ما للمسيح، يسوع، هو لله، "يهوه" كل ما للآب هو لى"(85).

وأن الآب والابن واحد "أنا والآب واحد"(86) أى أن يسوع هو "يهوه" ويشلهما نفس السفر بصفات واحدة فى نص واحد:

"وكل خليقة مما فى السماء وعلى الأرض وتحت الأرض وما على البحر كل مافيها سمعتها قائلة للجالس على العرش وللحمل البركة والكرامة والمجد والسلطان إلى أبد الآبدين"(87).

وسيظهر الرب يسوع المسيح فى مجيئه الثانى فى مجده بصورة أعظم وأبهى مما ظهر فى أيام خدمته على الأرض، أنه سيأتى بقوة ومجد كثير. ويجلس على كرسى الدينونة.

           C      "ابن الإنسان سوف يأتى فى مجد أبيه مع ملائكته وحينئذ يجازى كل واحد حسب عمله"(88).

           C      "ويبصرون ابن الإنسان آتياً على سحاب السماء بقوة ومجد كثير. فيرسل ملائكته"(89).

           C      "منى جلس ابن الإنسان على كرسى مجده"(90).

           C      "ومتى جاء ابن الإنسان عى مجده وجميع الملائكة القديسين معه فحينئذ يجلس على كرسى مجده"(91).

           C      "ابن الإنسان متى جاء بمجده ومجد الآب والملائكة القديسين"(92)

"أستعلان الرب يسوع من السماء مع ملائكة قوته فى نار لهيب معطياً نقمة للذين يعرفون الله والذين لا يطيعون أنجيل ربنا يسوع المسيح الذين سيعاقبون بهلاك أبدى من وجه الرب ومن مجد قوته، متى جاء ليتمجد فى قديسيه ويتعجب منه فى جميع المؤمنين"(93).

           C         "منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد الهنا ومخلصنا العظيم يسوع المسيح"(94).

من هذا يتضح أن مجد "يهوه" هو مجد يسوع، ومجد يسوع هو مجد "يهوه"، ويسوع هو يهوه، ويهوه ويسوع واحد، غله واحد ورب واحد.

 

 

الفصل السابع

ملك الملوك ورب الآرباب

أولاً يهوه:

جاء فى الكتاب عن الله، "يهوه"، قوله:

           C       "لأن يهوه الهكم هو إله الآلهة ورب الأرباب الآله العظيم الجبار المهيب"(1).

           C       "أحمدوا رب الأرباب لأن إلى الأبد رحمته"(2).

           C       "المبارك العزيز الوحيد ملك الملوك ورب الأرباب"(3).

أى أنه ملك الملوك ورب الأرباب وإله الآلهة، العظيم، الجبار، المهيب، الرحيم، المبارك، العزيز، الوحيد.

ثانياً يسوع:

ويقول الكتاب أيضاً عن يسوع المسيح:

           C       "وله على ثويه وعلى فخذه أسم مكتوب ملك الملوك ورب الأرباب"(4).

           C       "وهؤلاء سيحاربون الحمل، والحمل سيغلبهم لأنه رب الأرباب وملك الملوك"(5).

           C       "ورب واحد يسوع المسيح الذى به جميع الأشياء ونحن به"(6).

           C       "ومنهم المسيح حسب الجسد الكائن على الكل الاله المبارك إلى الأبد"(7).

           C       "الهنا ومخلصنا العظيم يسوع المسيح"(8).

           C       "يولد لنا ولد ونعطى ابناً وتكون الرياسة على كتفه ويدعى أسمه عجيباً مشيراً آلهاً قديراً أباً أبدياً رئيس السلام"(9).

وإله الآلهة هذا هو، الواحد، والمبارك، والعظيم، والقدير أو الجبار (حرفياً) أى له كل ما ليهوه من ألقاب وصفات وبالتالى فهو يهوه ذاته.

1- الرب برنا:

ودعى السيد المسيح بـ "يهوه برنا" فقد تنبأ عنه أرميا النبى قائلاً: "ها أيام تأتى يقول الرب (يهوه) وأقيم لداود غصن بر فيمك ملك وينجح ويجرى عدلاً وحقاً فى الأرض وهذا هو أسمه الذى يدعونه به "يهوه برنا"(10) وقد جاء المسيح من نسل داود بالرغم من أنه رب داود(11) "أنا أصل وذرية داود"(12) ولكنه فى نفس الوقت هو يهوه، رب داود والذى دعى "يهوه برنا" لأنه بررنا من خطايانا "متبررين مجاناً بنعمته بالفداء الذى بيسوع المسيح"(13).

"لكن أعتسلتم بل تقدستم بل تبررتم بأسم الرب يسوع وبروح الهنا"(14).

2- المعبود:

قال الله فى شريعته فى القديم "يهوه الهك تتقى واياه تعبد وبأسمه تحلف"(15).

وقال الرب يسوع المسيح فى العهد الجديد "للرب الهك تسجد واياه وحده تعبد"(16).

وهذا يبين أن الله وحده، "يهوه"، هو الذى تقدم له العبادة والسجود، وهو وحده الذى يحلف بأسمه.

ولكن الوحى فى العهد الجديد يبين لنا أن يسوع المسيح هو الذى تقدم له العبادة والسجود وهو الذى يعطى النعمة والقوة والغلبة وعصيانه خطيئة عقابها الهلاك الأبدى:

( أ ) الرب يسوع هو المعبود:

دعى تلاميذه أنفسهم عبيداً وقدموا له الأكرام وكل ما يتعلق ويليق به وعبادته كرب الكون المعبود.

قال له توما"ربى والهى"(17) وهذا يعنى عبادته كإله ورب العالمين.

وجاء فى أفتتاحيات رسائل الرسل أعلان أجماعهم على أنهم عبيد المسيح.

           C       "يعقوب عبد يسوع المسيح"(18).

           C       "يهوذا عبد يسوع المسيح"(19).

           C       "بطرس عبد يسوع المسيح"(20).

           C       "بولس عبد يسوع المسيح"(21).

           C       "بولس وتيموثاوس عبدا يسوع المسيح"(22).

           C       "بطرس الذى منكم عبد المسيح"(23).

يقول القجيس بولس بالوحى "لأن من دعى فى الرب وهو عبد فهو عتيق الرب. كذلك أيضاً الحر المدعو هو عبد للمسيح. قد أشتريتم بثمن فلا تصيروا عبيداً للناس"(24).

الجميع يعلنون أنهم عبيد للمسيح ويقول الوحى بلسان بولس الرسول "لا تصيروا عبيداً للناس" مما يؤكد أن يسوع المسيح ليس مجرد أنسان ولكنه الرب الاله، المعبود، رب الكل، رب العالمين. والقديس يوحنا يقول بالوحى فى بداية الإعلان السماوى "إعلان يسوع المسيح الذى أعطاه الله أياه ليرى عبيده ما لابد أن يكون مرسلاً بيج ملاكه لعبده يوحنا". فهو رب الملائكة والبشر.

وفى نفس الوقت يدعو فيه الرسل أنفسهم وبقية المؤمنين والخلائق عبيد للمسيح يدعون أنهم عبيد(25) الله،والشريعة تنص على أنه لا عبادة ولا سجود لغير الله، وهم كيهود، فى الأصل، يعلمون ذلك جداً مما يدل على إيمانهم بألوهية يسوع المسيح وأنه "يهوه"، رب العالمين كما قال بطرس الرسول بالوخى "يسوع المسيح. هذا هو رب الكل"(26) و "رئيس الحياة"(27). ويقول دانيال النبى بالوحى متنبأ عن ربوبية المسيح للكون:

فأعطى سلطاناً ومجداً وملكوتاً للتعبد له كل الشعوب والألسنة سلطانه سلطان أبدى ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض"(28).

( ب ) الرب يسوع هو المسجود له:

والمعبود بالطبع يقدم له السجود محرم لغير الله "للرب الهك تسجد وإياه وحده تعبد"(30) ولما حاول القديس يوحنا أن يسجد للملاك فى الرؤيا قال له الملاك "أنظر أنا عبد معك ومع أخوتك الذين عندهم شهادة يسوع المسيح أسجد لله"(31)، ولما حاول كرنليوس أن يسجد للقديس بطرس منعه قائلاً: "قم أنا أيضاً أنسان"(32). ولكن الرب يسوع المسيح قبل السجود له سواء قبل الصلب والقيامة أو بعد القيامة ولم يمنع أحداً من السجود له:

عند ميلاده جاء المجوس قائلين "أتينا لنسجد له"(33). وسجدوا له "خروا وسجدوا له"(34).

           C       "وأذ أبرص قد جاء وسجد له"(35).

           C       "وفيما هو يكلمهم بهذا إذا قد جاء فسجد له"(36).

           C       "والذين فى السفينة جاءوا فسجدوا له"(37).

           C       "وإذا امرأة كنعانية.. أتت وسجدت له قائلة يا سيد أعنى"(38).

           C       "حينئذ تقدمت إليه أم ابنى زبدى مع أبنيها وسجدت"(39).

           C       "وكذلك تلاميذه بعد القيامة "لما رأوه سجدوا له"(40).

           C       "والمريمتين "أمسكتا بقدميه وسجدتا له"(41).

           C       "والمولود أعمى الذى خلق له عينين "سجد له"(42).

وفى كل هذه الحالات لم توجد أى أشارة أو تلميح فى الكتاب على أن الرب يسوع قد رفض ولم يقبل السجود له بل على العكس تماماً.. فكيف يرفض السجود له وهو المكتوب عنه "ولتسجدوا له كل ملائكة الله"(43) وأيضاً يقول الكتاب: "لأننا جميعاً سنقف أمام كرسى المسيح لأنه مكتوب حى أنا يقول الرب أنه ستجثوا لى كل ركبة وكل لسان سيحمد الله"(44). وهاتان الآيتان تؤكدان أن كل الخلائق تسجد للرب يسوع المسيح، الإله الحى، رب العالمين "تجثوا بأيم يسوع كل ركبة ممن فى السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض"(45).

(جـ) وتقدم له الصلوات:

الصلاة لا تقدم لقير الله، والرب يسوع يطلب أن يٌصلى إليه:

           C       "حيثما أجتمع أثنان أو ثلاثة بأسمى فهناك أكون فى وسطهم"(46).

           C       "ليس كل من يقول لى يا رب بدخل ملكوت السموات"(47).

           C       "لماذا تدعوننى يا رب يا رب وأنتم لا تفعلون ما أقوله"(48).

وصلت إليه الكنيسة عند أختيار متياس:

           C       "وصلوا قائلين أيها الرب العارف قلوب الجميع عين أنت من هذين الاثنين أيا أخترته"(49).

والقديس بولس يصلى غليه ضارعاً أن يخلصه من شوكة الجسد:

    C   "من جهة هذه تضرعت إلى الرب ثلاث مرات أن يفارقنى. فقال لى تكفيك نعمتى لأن قوتى فى الضعف تكمل. فبكل سرور أفتخر بالحرى فى ضعفاتى لكى تحل على قوة المسيح"(50).

ويشكره لأنه قواه "وأنا أشكر ربنا الذى قوانى"(51).

والصلاة إليه تؤكد حضوره فى كل مكان وزمان "وها أنا معكم كل الأيام إلى أنقضاء الدهر"(52).

( د ) الدعاء بأسمه:

وكما ترفع إليه الصلوات يدعو المؤمنين بأسمه:

           C         "كل من يدعو بأسم الرب يخلص"(53).

           C         "لماذا تدعوننى يا رب يا رب وأنتم لا تفعلون ما أقوله"(54).

(س) العصيان عليه خطيئة عقابها الهلاك الأبدى:

           C       "الخطيئة هى التعدى"(55) على الله وعلى ناموسه، والخطأ ضد الله عقابه الهلاك الأبدى:

           C       "من أخطأ إلى أمحوه من كتابى"(56).

ويعرفنا أيضاً أن الخطأ ضد المسيح عقابه الهلاك الأبدى:

           C       "فكم عقاباً أشر تظنون أنه يحسب مستحقاً من داس ابن الله"(57).

والارتداد عنه يؤدى إلى عدم النجاة كما يؤدى إلى الهلاك الأبدى:

           C       "فبالأولى جداً لا ننجو نحن المرتدين عن الذى من السماء"(58).

           C       "كيف ننجو نحن أن أهملنا خلاصاً هذا مقداره"(59).

ويعتبر أن الخطأ ضد الاخوة هو خطأ ضد المسيح:

"وهكذا اذ تخطئون إلى الاخوة وتجرحون ضميركم الضعيف تخطئون إلى المسيح"(60).

كما يحذر الكتاب من تجربة المسيح ويقول ان الذين جربوا "يهوه فى العهد القديم جربوا المسيح ويذكر لقب المسيح بدلاً من "يهوه" فنالوا عقاباً شديداً:

"ولا نجرب المسيح كما جرب أناس منهم فأهلكتم الحيات"(61).

(ص) يسوع يعطى القوة والغلبة:

درسنا أن الرب يسوع هو يرسل الرسل والأنبياء والخدام والمبشرين كما يرسل ملائكته من السماء. وعندما يرسلهم يعطيهم القوة والغلبة على العالم:

           C       "فبكل سرور أفتخر بالحرى فى ضعفاتى لكى تحل على قوة المسيح"(62).

           C       "وأنا أشكر المسيح يسوع ربنا الذى قوانى"(63).

           C       "المسيح فيكم رجاء المجد الذى لأجله أتعب أيضاً مجاهراً بحسب عمله الذى يعمل بقوة"(64).

           C       "أستطيع كل شىء فى المسيح الذى يقوينى"(65).

           C       "وأنا أشكر المسيح يسوع ربنا الذى قوانى أنه حسبنى أميناً جعلنى للخدمة"(66).

           C       "ولكن الرب وقف وقوانى لكى تتم لى الكرازة"(67).

وهذا يسواى ما قيل عن يهوه فى العهد القديم:

           C       "قوتى وترنمى الرب (ياه)"(68).

           C       "الرب (ياه) قوتى ونشيدى"(69).

فالرب يسوع هو "يهوه" الذى يعمل الانبياء والرسل بقوته، يعمل فيهم وبهم:

           C       "لأنى لا أجسر أن أتكلم عن شىء مما لم يفعله المسيح بواسطتى"(70).

فهم رسله وخدامه وعبيده الذين يعملون كل شىء بأمره، وهم ليسوا رسل أو خدام بشر ولكنهم رسل وخدم رب العالمين "بولس رسول لا من الناس ولا بأنسان بل بيسوع المسيح والآب"(71) وأيضاً "أعرفكم أيها الأخوة الأنجيل الذى بشرت به أنه ليس بحسب انسان. لأنى لم أقبله من عند انسان ولا علمته. بل بإعلان يسوع المسيح"(72). ويسبق هذا بقوله أنه هو "عبد للمسيح"(73). أنه لم يقبل رسالته من انسان ولكن من الرب يسوع الذى هو "الله ظهر فى الجسد"(74). والذى اذ كان فى صورة ال لم يحسب مساواته لله أختلاساً لكنه أخلى نفسه أخذاً صورة عبد صائراً فى شبه الناس واذ وجد فى الهيئة كأنسان"(75). فهو رب الكل الذى "الكل به وله قد خلق"(76).

(ط) يسوع معطى النعمة:

يقول عنه الكتاب أنه الغنى والذى يعطى الجميع من غناه ونعمته. وكلمة نعمة فى اليونانية (Charis) خارس، وتعنى أيضاً فضل وأحسان ومنه. والرب يسوع يقدم دائماً فضله وأحسانه ونعمته تظهر فى الضعف.

وغنى نعمته فائق ولا حد له:

           C       "فأنكم تعرفون نعمة ربنا يسوع أن من أجلكم أفتقر وهو غنى لكم تستغنوا أنتم بفقره"(77).

           C       "نعمة ربنا يسوع المسيح مع جميعكم"(78).

           C       "النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا"(79).

           C       "فقال لى تكفيك نعمتى لأن قوتى فى الضعف تكمل"(80).

           C       "تكون معكم نعمة ورحمة وسلام من الله الآب ومن الرب يسوع المسيح"(81).

           C       "ليظهر فى الدهور الآتية غنى نعمته الفائق باللطف علينا فى المسيح يسوع"(82).

           C       "ولكن أنموا فى النعمة وفى معرفة ربنا ومخلصنا يسوع المسيح له المجد الآن وإلى يوم الدهر"(83).

الرب يسوع هو الغنى بالنعم الذى يعطى الجميع من نعمة وغناه أنه المنعم، مصدر النعم وواهبها، والله وحده، "يهوه"، هو المنعم، ويسوع هو المنعم.

(ع) القسم بالرب يسوع:

كان الحلف فى العهد القديم لا يجوز إلا "بيهوه" وحده "يهوه الهك تتقى واياه تعبد وبأيمه تحلف"(84). والسيد المسيح قال "لا تحلفوا البتة"(85) ولكن الرسل أشهدوا الرب على كلامهم وأعمالهم، وهذا يدل على أنه الموجود فى كل مكان وزمان، الموجود دائماً "ها أنا معكم كل الأيام إلى أنقضاء الدهر".

           C       "أقول الصدق فى المسيح ولا أكذب".

           C       "فأقول هذا وأشهد فى الرب"(86).

"وحرف الجر فى "فى In En" فى الآيتين هو فى طبيعة القسم مثل عبارة "بالله" العربية، وكأنه يقول أنى أشهد الرب يسوع على صدق ما أقول ويستخدم الكتاب كلمة "أناشدك" أى "أشهدك" فيقول القديس بولس لتيموثاؤس:

           C       "أناشدك أمام الله والرب يسوع والملائكة المختارين"(87).

           C       "فكر بهذه الامور مناشداً قدام الرب"(88).

           C       "أنا أناشدك أمام الله والرب يسوع المسيح العتيد أن يدين الأحياء والأموات عند ظهوره وملكوته"(89).

           C       "أوصيك أمام الله الذى يحيى الكل والمسيح يسوع"(90).

فى الآيتين الأولى والثانية يعنى أنه يجعل الله والرب يسوع وأيضاً الملائكة شهوداً على ما يقوله له، وفى الثالثة يشهد الله والرب يسوع كديانن الكون، كشاهد على ما يقوله والذى يسدينه بحسب عمله الذى أشهد الرب عليه، وفى الرابعة يستخدم كلمة "أوصيك" وتعنى الشهادة على هذه الوصية، شهادة الله، شهادة الرب يسوع.

واذا كان الكتاب يجعل القسم بيسوع، الرب يسوع الميسح، وشهادته على أقوال وتصرفات البشر، ويشرك الآب معه فى ذلك، فهذا يدل على أنه رب العالمين وأن كان قد أشرك الملائكة فى الشهادة فهذا يدل على أن الملائكة كائنات روحية تعمل بأمر الرب والتى قد تكون حاضرة هذه الشهادة.

(م) يسوع هو الرحيم:

أتصف الرب يسوع بالرحمة "لأن الرب كثير الرحمة ورؤوف"(91) والرحمة والرحيم من صفات الله وحده الذى قال عنه الكتاب "الرب الرب (يهوه يهوه) إله رحيم ورؤوف بطيىء الغضب وكثير الاحسان والوفاء"(92). وكان الرسل فى أفتتاحيات رسائلهم يطلبن رحمة يسوع للمؤمنين كما كانوا يطلبون نعمته وسلامه:

           C       "تكونه معكم نعمة ورحمة من الله الآب ومن الرب يسوع"(93).

           C       "نعمة ورحمة وسلام من الله الآب والرب يسوع مخلصنا"(94).

           C       "ليعط الرب رحمة لبيت انسيفورس"(95).

           C       "منتظرين رحمة ربنا يسوع المسيح للحياة الأبدية"(96).

أنه الرحيم معطى الرحمة والذى يرحم ويترأف على شعبه وقد أرتضى أن يتجسد "لكى يكون رحيماً"(97). الجميع محتاجون إلى رحمته وهو يرحم الجميع ولا يخيب رجاء أحد.

(ن) يد الله (يهوه) ويد يسوع:

وردت كلمة يد فى العبرية (يد Yad) بمعانى كثيرة منها "القدرة" ولذلك جاءت كلمة "يد الرب بمعنى قدرة يهوه(98)، وجاءت فى بداية الانجيل للقديس لوقا(99) بمعنى قوة الرب (مع يوحنا المعمدان).

وأستخدمت كلمة يد الرب فى العهد الجديد، لتعنى "يد الرب يسوع" أو قوته، القوة الخارجة منه، من يديه، وكانت يد الرب معهم (التلاميذ الرسل) فآمن عدد كثير ورجعوا إلى الرب"(100). ويد الرب هنا تعنى قوة الرب يسوع. وكان تعبير"فمد يسوع يده ولمس" يعنى خروج قوة منه وإجراء قوات وعجائب ومعجزات، فلمس المصابين بالبرص وشفاهم(101)، وشفى حماة بطرس بمجرد "لمس يدها"(102) وأقام أبنه بايرس من الموت بعد أن "أمسك يدها"(103). وهذا ما أذهل جميع من الذين شاهدوا لمسه يده متعجبين كيف "تجرى على يديه قوات مثل هذه"(104).

الخلاصة أن كل ما نسب إلى "يهوه" نسب إلى يسوع مما يدل على أن يسوع هو "يهوه".

 

 

 

 

 

 

الفصل الثامن

أنا.. أنا يهوه

"أنا هو"

1- يهوه وأنا هو:

أستخدم الله للإعلان عن ذاته إلى جانب "يهوه" و "أهيه" الدالين على وجوده الثانى المستقل كواجب الوجود الدائم الوجود وعلة الوجود وسببه تعبيرى "أنا" و "أنا هو".

أولاً أنا:

أستخدم الله ضمير المتكلم "أنا" وهذا الضمير عندما يصدر من الذات الإلهية ويخرج من الفم الإلهى اذا جاز التعبير- يعلن عن ذاته وعن سلطانه المطلق وعن وحدانيته وعن كونه الخالق الوحيد للكون، الفاعل الذى لا يمكن أن يكون مفعولاً، حر الارادة فيما يفعل ويقول ولا راد له ولا من يدرك أفكاره، فلا إله غيره ولا مثيل له ولا شبيه ولا شريك:

           C       "أنا يهوه وليس آخر. لا إله سواى"(1).

           C       "أنا أنا يهوهوليس غيرى مخلص"(2).

           C       "أنا يهوه صانع كل شىء ناشر السموات وحدى وباسط الأرض من معى"(3).

           C       "من اليوم أنا هو ولا منقذ من يدى. أفعل ومن يرد"(5).

           C       "أنا إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب"(6).

           C       "أنا الله وليس آخر الإله وليس مثلى"(7).

ثانياً: أنا هو:

وتعبير "أنا هو"، أنا + ضمير الغائب "هو"، "أنى هو" بالعبرية عندما يخرج من فم الله يعبر عن كينونة الذات الإلهية ويتساوى مع "يهوه"، أى الكائن، ومع "اهيه الذى اهيه"، أى أكون الذى أكون، وتعنى "أنا، أنا الله، أنا الاعلى، أنا الذى يستطيع وحده أن يقول أنا كالخالق والمبدع والموجود الدائم عله كل وجود، وهو "هو" أى الذى يكون، "الكائن، أنا هو الله، أنا هو الكائن. وقد فهم ذلك علماء اليهود، الخبراء بالعهد القديم واللغة العبرية، فترجموا "أنا هو، مساوية لـ "أنا يهوه" ومساوية لـ "اهيه الذى اهيه، فى اللغة اليونانية:

1-     فترجموا "أنا هو" "أنى هو" إلى "Ego Eimi I am" أى "أنا أكون= أنا هو= أنا يهوه".

2-      وترجموا "أنا يهوه" مرتين "Ego Eimi I am" أى "أنا أكون= أنا يهوه= أنا هو".

           C       أنا يهوه "I am – Ego Eimi" وليس آخر"(8).

           C       "أنا يهوه (Ego Eimi Ego Eimi Kyrios) متكلم بالصدق ومخبر بالاستقامة"(9).

وفى الآية الأولى ترجموا "أنا يهوه" أنا أكون، أنا هو، وفى الثانية ترجموا "أنا يهوه" أنا أكون، أنا أكون الرب" أى أنا هو، أنا هو الرب.

3- كما ترجموا "اهيه الذى اهيه" (I am – Ego Eimi) أى "أنا هو الكائن".

أى أن تعبير "أنا هو= أنا أكون= أنا يهوه= أكون الذى أكون= أنا هو الرب أو أنا أكون الرب. وهذا ما توضحه الآيات التالية: "أنا أنا هو وليس إله معى.. أنا أميت وأحيى. سحقت وأنى أشفى وليس من يدى مخلص. أن أرفع إلى السماء يدى وأقول حى أنا إلى الأبد(10).

والمتكلم هو الله، يهوه، الإله الواحد، الذى يحيى ويميت القادر على كل شىء الحى القيوم الدائم الوجود، السرمدى، الخالق، والاسم المستخدم هو ضمير المتكلم "أنا" وضمير المتكلم وضمير الغائب "أنا هو"، أى أنا الذى أكون، الكائن، الوحيد، المحيى والمميت، الخالق، الحى القيوم.

وقد فسر ترجوم Joll الآية الأولى من هذه الآيات الثلاث مثل تفسيره للنص الالهى "اهيه الذى اهيه" تماماً وبنفس الكلمات:

           C       "أنا أكون الذى يكون والذى كان، وأنا أكون الذى سيكون ولا يوجد إله سواى"(11).

2- يسوع وأنا هو:

أستخدم الرب يسوع تبيرات "أنا" و "أنا هو" و "انى هو" بنفس الطريقة والأسلوب والمعانى التى أستخدمت بها وعبرت عنها على فم الله فى العهد القديم مع فارق واحد هو أن الله تكلم فى القديم بصورة مباشرة بإعتباره الله يهوه المتكلم، بينما فى العهد الجديد الذى تكلم هو يسوع، يسوع المسيح، الرب يسوع المسيح، الإله المتجسد والذى كان مستمعيه يجهلون ألوهيته والتى كان يحاول أن يعلن عنها بشكل غير مباشر من خلال نسب صفات وأسماء وألقاب وأعمال الله إلى ذاته.

أولاً أنا:

أستخدم الرب يسوع المسيح ضمير الـ "أنا" بنفس القوة والمعانى التى أستخدمت بها فى العهد القديم، ومن أقوى وأروع وأعظم ما أستخدم به هذا الـ "أنا" هو وقوفه بالمقابلة مع أقوال الله فى العهد القديم، اذ يقول "قيل لكم"، "أما أنا فأقول لكم" والقائل فى القديم هو الله، وهو يضع نفسه فى مقابلة مع الله ويضع أقواله فى مقابلة مع أقوال الله ولا يجرؤ على ذلك سوى الله نفسه:

"قيل للقدماء لا تقتل وأما أنا فأقول لكم