شبهات >> كتب القس عبد المسيح بسيط ابوالخير

دراسات

فى لاهوت الكتاب المقدس

-1-

 الإعلان الإلهى

وكيف كلم الله الإنسان

 

القس عبد المسيح بسيط أبو الخير

كاهن كنيسة السيدة العذراء الأثرية بمسطرد

 

اســــم الكتـاب : الإعلان الإلهى وكيف كلم الله الإنســــان

المـــــــــــــــــؤلف : القس / عبد المسيح بسيط أبو الخير

النــــــاشــــــــــــر : القس / عبد المسيح بسيط أبو الخير

الجمع التصويرى : مكتـــب الأمـــــــير للخـــدمــــــات

المطبعــــــــــــــــــة : مطبعة المصريين ت " 2436109 القاهرة.

رقـــــم الإيـــداع : 1955/1997

الترقيم الدولى : I.S.B.N. 977-19-2583-0

جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة

مقـدمـة
كيف تكلم الله على مر العصور مع آدم وما بعده؟ وكيف أعلن عن ذاته وإرادته للبشرية؟ كيف كشف للإنسان عن قصده ومشيئتهُ ولماذا أوجدهُ؟ وماذا يريد منه؟ وما هو الهدف من وجوده؟ وما هى الغاية من خلقه الكون؟ كيف كشف عن أسرار الخليقة، الكون والوجود، سواء فى الماضى أو الحاضر أو المستقبل؟ الماضى السحيق والقديم فى الأزل ونقطة بدء الكون "فى البدء خلق الله السموات والأرض"، والماضى الذى عاشه الأباء من آدم إلى إبراهيم، ومن إبراهيم إلى السيد المسيح، الماضى الذى كان معاشاً وعاصر فيه الآباء والأنبياء إعلانات الله ورسالاته، والحاضر الذى نعيشهُ، والمستقبل الذى سيأتى، الآتي، الذى ستعيشهُ البشرية حتى النهاية، والمستقبل الأبدى الذى يبدأ من المجيء الثانى للسيد المسيح ونهاية العالم والدينونة والحياة الأبدية ؟

كيف كشف الله أسرار الحياة والوجود، وجود الله الواحد الحى الأبدى الأزلى، الأول والآخر، الذى لا بداية ولا نهاية، مصدر الوجود ونبع الحياة الذى "فيه كانت الحياة"، ووجود الحياة والكون وما فيه من حِيوات سواء فى الأرض أو فى عالم الروحيات، ما فى السموات وما على الأرض، الكائنات السمائية الروحية الملائكية والإنسان والجماد وكل ما يدب عل الأرض وكل ما يوجد فى الكون، بحسب ما يستطيع الإنسان أن يدرك أو يستوعب؟ كيف علّم الإنسان وأعطاه الوصايا والشرائع والنواميس والتعاليم الإلهية وكيف يسلك بحسب إرادة الله، وعرف الثواب والعقاب سواء فى هذا العالم أو فى العالم الآخر، الآخرة؟

كيف ظهر فى القديم وتجسد فى ملء الزمان وتجلى على مر العصور وتكلم من خلال الأنبياء والرسل وأعلن عن ذاتهُ فى كلمتهُ المتجسد؟، وكيف أرسل الملائكة، وكيفية الظهورات الإلهية والملائكية، وكيف تكلم بروحهُ القدوس بفم وعلى لسان الأنبياء والرسل؟ كيف حل الروح القدس عليهم؟ وكيف تكلم الله من خلال الرؤى والأحلام وغيرها من الوسائل التى أعلن بها الله عن ذاتهُ وإرادتهُ؟ وما هى الرؤى الإلهية والأحلام الإلهية وما الفرق بينهما وبين الأحلام العادية التى يراها أى إنسان كل يوم فى نومه؟ يقول القديس بولس بالوحى الإلهى فى الرسالة إلى العبرانيين "الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديماً بأنواعٍ وطرقٍ كثيرة كلّمنا فى هذه الأيام الأخيرة فى أبنهُ الذى جعلهُ وارثاً لكل  شئ الذى به أيضاً عمل العالمين الذى وهو بهاء مجدة ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرتة. . ." (عب1:1ـ3).

وفى هذا الكتاب "الإعلان الإلهى وكيف كلم الله الإنسان" نقدم بحثاً تفصيلياً ودراسة كتابية لاهوتية ولغوية على أساس آيات ونصوص الكتاب المقدس وكلماته الإلهية من خلال الإعلان الواضح للإعلان الإلهي كما أوضحه السيد المسيح فى تعليمه الإلهى الذى كشف لنا فيه عن كل ما يختص بالذات الإلهية وإرادة الله باعتباره كلمة الله الذاتى ونطقه العاقل من ذات الأب وفى ذاته، صورة الله وبهاء مجده ورسم جوهره، حكمة الله وقوته، الإله الوحيد، الذى فى حضن الأب الذى اخبر عنه والوحيد الذى يعلن عن ذاته وإرادته لأنه منه وفيه. ومن خلال ما كشفه وأعلنه وعلمه الروح القدس روح الأب والابن الذى يرسله الابن من الأب.

ونسأل الله أن يأتى هذا الكتاب (البحث) بالثمار المطلوبة ببركة وصلوات العذراء القديسة مريم وجميع الأباء والأنبياء والرسل والقديسين . وبصلوات قداسة البابا المعظم الأنبا شنودة الثالث الأستاذ والعالم والمعلم، باعث النهضة الأرثوذكسية القبطية فى العصر الحديث، ونيافة الأنبا مرقس، أبى الروحى، أسقف شبرا الخيمة وتوابعها، اللذان يشجعانى ويدفعانى دائماً للبحث والدراسة والنشر.

ونطلب ونسأل أن تكون نعمة ربنا يسوع المسيح مع الجميع . أمين .

                                                                             القس

عبد المسيح بسيط أبو الخير       

عيد الميلاد المجيد

     29كيهك 1713ش

       7يناير 1997م

الفصل الأول

الإعلان الإلهى

أو اتصال الله بالبشرية

1ـ حاجة البشرية للاتصال بالله

   خلق الله الإنسان على صورته(1) "على شبه" الله عمله(2) وكان كما يقول القديس بولس بالروح "صورة الله ومجده(3)" وجعله الله تاج لخليقته وخليفة له فى أرضة، ومنحه "نسمة حياه(4)" ، نعمة الوجود فى الحياة ككائن حى، ووضعه في جنة عدن ووهبه نعمة الوجود فى الحضرة الإلهية عندما كان يتحدث مع الله ويسمع صوته من الريح العاصف(5). وكان على الإنسان أن يقدم الحمد والشكر والتمجيد لله خالقه ويهتف مع الخليقة قائلاً "أنت مستحق أيها الرب أن تأخذ المجد والكرامة والقدرة لأنك خلقت كل الأشياء وهى بإرادتك كائنه وخُلقت(6)".

وأعطى الله الإنسان الذى خلقه على صورته كشبهه(7) السلطان على كل شىء على الأرض "على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدب على الأرض(8)". ولكن الإنسان عصى الله وسقط فى الخطية وطرد من جنة عدن وحرم من نعمة الوجود فى الحضرة الإلهية، إذ فصلت الخطية بينه وبين الله(9)، وصارت هناك قوه سحيقة بينه وبين الله "فطرد الإنسان وأقام شرقى جنة عدن الكروبيم ولهيب سيف متقلب لحراسة شجرة الحياة(10)".

وعلى الرغم من أن الله كان يتصل بآدم ويكلمه وكان أدم يسمع صوته "عند هبوب ريح النهار(11)" وأستمر الله يكلم ذريته مثل قايين(12) ونوح(13) ويسمعون صوته، إلا إنه، الله، فى جوهره وطبيعته غير مرئى وغير مدرك وغير محدود، سواء بالنسبة لأدم أو بقية الخليقة. فهو غير محدود فى المكان "أما أملأ أنا السموات والأرض يقول الرب(14)"، وغير محدود فى الزمان "أنا الأول وأنا الأخر ولا إله غيرى(15)"، "الكائن والذى كان والذى يأتى(16)" ، أى الذى لا بداية له ولانهاية له، وغير محدود فى القدرة "القادر على كل شئ(17)" وغير مرئى "الله لم يره أحد قط(18)"، "لا يفنى ولا يُرى(19)"، " الذى له وحده عدم الموت ساكناً فى نور لا يدنى منه الذى لم يره أحد من الناس ولا يقدر أن يراه(20)"، وير مدرك بالحواس "القدير لا ندركه(21)"، "ليس عن فهمه فحص(22)"، "ما أبعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء(23)"، أو كما يقول الحكيم بالروح "كما أنك لست تعلم ما هى طرق الريح ولا كيف العظام فى بطن الحبلى كذلك لا تعلم أعمال الله الذى يصنع الجميع(24)".

ولأن الله غير محدود فى كل شئ والإنسان، خليقة الله، على العكس تماماً، محدود فى كل شئ، والمحدود لا يمكن أن يدرك غير المحدود، لذلك لم ولا ولن يستطيع عقل الإنسان المحدود أن يدرك الله غير المحدود على الإطلاق.

2- الطبيعة تكشف وتعلن عن وجود الله فى خليقته :

والسؤال الآن هو : إذا كان الإنسان المحدود لا يستطيع أن يدرك الله غير المحدود ويتصل به من تلقاء ذاته أو يراه فى طبيعته، ألا يمكن أن يدركه ويراه فى خليقته؟

والإجابة على هذا السؤال نجدها فى الكتاب المقدس، الذى يقول لنا أن الله ظاهراً فى أعماله ومعلن عنه فى خليقته "أنه عن كل واحد منا ليس بعيداً. لأننا به نحيا ونتحرك ونوجد(25)"، وهو يكشف عن ذاته ويعلن عن وجوده فى خليقته "لأن أموره غير المنظورة تُرى فمنذ خلق العالم مُدركه بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته(26)"، وكما يقول المرنم بالروح "السموات تحدث بمجد الله والفلك يخبر بعمل يديه(27)"، وكما يقول الرسول بالروح "لم يترك نفسه بلا شاهد وهو يفعل خيراً ويعطينا من السماء أمطاراً وأزمنة مثمرة ويملأ قلوبنا طعاماً وسروراً(28)".

وبرغم أن الله ظاهراً فى خليقته إلا أن البشرية ضلت عنه وتاهت بعيداً، وبدلاً من أن تمجد الله وتقدم له الكرامة والمجد والشكر والعبادة والسجود كالإله الوحيد والخالق الوحيد للكون، إلا إنها فعلت ذلك لمخلوقاته التى خلقها هو "أبدلوا مجد الله الذى لا يفنى بشبه صرة الإنسان الذى يفنى والطيور والدواب والزحافات ... استبدلوا حق الله بالكذب واتقوا وعبدوا المخلوق دون الخالق(29)".

ولكن الله الذى أحب خليقته حتى المنتهى(30)، محبة أبدية(31)، والذى يجد لذته فى بنى آدم(32)، لم يفرط فى الإنسان الذى خلقه على صورته كشبهه، تاج خليقته وخليفته على أرضه، وبادر هو ذاته للاتصال بالإنسان وأعلن له عن ذاته وعن وجوده وعن إرادته وغايته وعن أموره غير المنظورة(33).

3- الإعلان الإلهى (اتصال الله بالبشرية) :

لما فشلت البشرية أن تدرك الله وتعرفه من أعماله فى خليقته بادر هو بذاته للاتصال بالإنسان وكشف له عن حقائق الوجود والحياة، ما يُرى وما لا يُرى، ما فى السموات وما على الأرض، والحياة فى هذا العالم والحياة فى الدهر (العالم) الآتى، عالم المادة وعالم الروح والكائنات السمائية، المنظورة وغير المنظورة، الحياة الآخرة وما وراء الموت، الدينونة والأبدية، وكثير من الأمور التى لا يمكن للإنسان المحدود أن يدركها بعقله المحدود وفكره القاصر، أعلن له حقائق الوجود وبعض أسراره. وهذا ما يسمى فى الكتاب بالإعلان الإلهى الفائق للطبيعة، أى الذى يأتى من علام الروح وما وراء المادة، من الله مباشرة.

فى الفقرة السابقة، أعلاه، يستخدم علم اللاهوت كلمات؛ اتصال وكشف وإعلان، فماذا تعنى هذه الكلمات فى الكتاب المقدس؟

أ- فى العهد القديم : يستخدم الوحى الإلهى الفعل العبرى "جالا ـ Galah" والذى يعنى "يُعلن"، "يستعلن"، "يكشف" وذلك للتعبير عن إعلان الله لذاته وإرادته وغايته وكشف أسراره لأنبيائهُ وإستعلان مجده، كما تبين الآيات التالية :

D "لأنك أنت يا رب الجنود قد أعلنت لعبدك (داود) قائلاً أنى أبنى لك بيتاً" (2صم 7:7).

D "السيد الرب لا يصنع أمراً إلا وهو يكشف سره لعبيده الأنبياء" (عا 7:3).

D "لأن الرب أستعلن (تجلى تراءى) لصموئيل فى شيلوه بكلمة الرب" (1صم12:3).

D "لأنك كشفت دعواى (يا رب الجنود)" (أر 20:11).

D "حينئذ لدانيال كشف السر فى رؤيا الليل" (دا 19:2).

D "لكن يوجد إله فى السموات كاشف الأسرار" (دا 28:2).

D "فأعلن فى آذني رب الجنود" (أش 14:22).

D "فيعلن (يظهر يتجلى) مجد الرب ويراه كل بشر" (أش 5:40).

D "فى السنة الثالثة لكورش ملك فارس كُشف أمر دانيال" (دا 1:10).

ب- فى العهد الجديد : استخدم الوحى الإلهى كلمة "أبوكاليبسيس ـ Apokalyptw" اليونانية والتى تعنى "إعلان" و"إستعلان" والتى جاءت أصلاً من الفعل اليونانى "أبوكاليبتو ـ Apoklyptw" والذى يعنى "يعلن" و"يكشف" أى يكشف الغطاء عن، أو يرفع، يزيل، الغطاء أو الحجاب عن شئ و"يستعلن". واستخدم كل من الاسم "أبو كاليبسيس" والفعل "أبوكاليبتو" فى العهد الجديد للتعبير عن الإعلانات الإلهية التى تكشف عن الحقائق الإلهية وأسرار ملكوت السموات وظهور الرب يسوع المسيح :

D "إستعلان دينونة الله" (رو 5:2).

D "وللقادر أن يثبتكم حسب إنجيلى والكرازة بيسوع المسيح حسب إعلان السر الذى كان مكتوماً فى الأزمنة الأزلية ولكن ظهر الآن وأعلم به جميع الأمم..." (رو 25:16،26).

D "فإنى آتى إلى مناظر الرب وإعلاناته. اعرف إنساناً فى المسيح قبل أربع عشرة سنة أفى الجسد لست أعلم أم خارج الجسد لستُ أعلم. الله يعلم. أختطف هذا إلى السماء الثالثة ... إنه أُختطف إلى الفردوس وسمع كلمات لا ينطق بها ولا يسوغ لإنسان أن يتكلم بها" (2كو 1:12-4).

D "أعرّفكم أيها الأخوة الإنجيل الذى بشرتُ به أنهُ ليس بحسب إنسان. لأنى لم أقبله من عند إنسان ولا علّمتهُ (أخذتهُ). بل بإعلان يسوع المسيح" (غل 11:1،12).

D "أنه بإعلان عرفن بالسر ... سر المسيح. الذى فى أجيال أُخرى لم يُعرّف به بنو البشر كما قد أعلن الآن لرسله القديسين وأنبيائهُ بالروح" (أف 3:3-5).

D "لذلك منطقوا أحقاء ذهنكم صاحين فألقوا رجاءكم بالتمام على النعمة التى يُؤتى بها إليكم عند إستعلان يسوع المسيح" (1بط 13:1).

D "إعلان يسوع المسيح الذى أعطاه الله إياه ليُرى عبيده ما لابد أن يكون" (رؤ1:1).

فى الآية الأولى يكشف عن قضاء الله ودينونته، وفى الثانية يتكلم عن كشف أو إعلان سر كشفه الله وأعلنه للرسل والأنبياء، هذا السر هو سر تجسد المسيح، وفى الثالثة يتكلم عن الإعلانات الإلهية التى كُشفت أو أُعلنت له من خلال رؤيا أو غيبة روحية صعد فيها إلى السماء الثالثة الفردوس، وفى الرابعة يتكلم عن إعلان الإنجيل، أو إعلان البشارة، بشارة الخلاص، الذى أستلمه من المسيح الممجد فى السماء مباشرة، وفى الخامسة يتكلم عن إعلان سر المسيح الذى أعلنه الروح القدس للأنبياء والرسل القديسين، وفى السادسة يتكلم عن ظهور المسيح فى مجيئه الثانى، وفى السابعة يتكلم عن الإعلان الإلهى الذى أعلنه السيد المسيح للقديس يوحنا الرسول الذى هو سفر الرؤيا ذاته.

4- أنواع وطرق الإعلان الإلهى :

والسؤال الآن هو : كيف أتصل الله بالبشرية، وكيف أعلن عن ذاته وأعماله وخلائقه سواء التى تُرى أو التى لا تُرى؟ كيف كشف عن أسرار ملكوت الله وعن أموره غير المنظورة؟ ما هى الطرق والوسائل التي أعلن بها عن ذلك؟ وكيف يتكلم؟

يقدم لنا الوحى الإلهى فى الكتاب المقدس الإجابة على ذلك فى الآيات التالية :

   D "الله بعد ما كلم الأباء بالأنبياء قديماً بأنواع وطرق كثيرة كلمنا فى هذه الأيام الأخيرة فى أبنه الذى جعلهُ وارثاً لكل شئٍ الذى به أيضا عمل الصالحين. الذى وهو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته" (عب 1:1-3).

   D "إن كان منكم نبياً للرب فبالرؤيا أستعلن له فى الحلم أكلمهُ. أما عبدى موسى فليس هكذا بل هو أمين فى كل بيتى. فماً إلى فم وعياناً أتكلم معه بالألغاز وشبه الرب يعاين" (عد 6:12-8).

        D "السيد الرب لا يصنع أمراً إلا وهو يعلن سره لعبيده الأنبياء" (عا 7:3).

   D "أيها الرجال الأخوة والأباء أسمعوا. ظهر إله المجد لأبينا إبراهيم وهو فى ما بين النهرين قبلما سكن فى حاران وقال له أخرج من أرضك ومن عشيرتك وهَلُمّ إلى الأرض التى أريك" (أع 2:7،3).

من هذه الآيات وغيرها من آيات الكتاب المقدس يتبين لنا أن هناك أربعة عناصر فى عملية الإعلان الإلهى أو اتصال الله بالبشرية هى :

1-     الله ذاته، المُرسل، المُعلن، المُتحدث، ومصدر الإعلان والرسالة.

2-     الإنسان، المُرسل إليه، المقصود بالرسالة، مُتلقى الإعلان والرسالة.

3-     الأنبياء، الرسل، الوسطاء بين الله والإنسان، حاملو الإعلان والرسالة.

4-     أنواع وطرق الإعلان ، الكيفية التى تحدث بها الله للإنسان، وسائل الإعلان والرسالة.

الأنبياء

الله                                                   الإنسان
 

أنواع وطرق الإعلان

كما يتبين لنا أيضا أن هناك وسائل كثيرة، أنواع وطرق متعددة، استخدمها الله فى حديثه مع البشرية والاتصال بها والإعلان عن ذاته، بدأت بالظهورات الإلهية لله نفسه فى أشكال وهيئات جسمية مثل الرجال، واستخدام عناصر الطبيعة كالسحاب والنار والزلازل والبروق والرعود والدخان الذين تحدث الله من وسطها ومن خلالها وخُتمت فى العهد الجديد بالتجسد الإلهى واتخاذ الكلمة جسداً كاملاً محسوساً، وظهر فى الجسد وأخذ شكل العبد وهيئة الإنسان "وحل بيننا ورأينا مجده مجداً(34)".

الفصل الثانى

الظهورات الإلهية (الثيؤفانيا ـ Theophania)

تكلم الله مع الأباء البطاركة، من آدم إلى يعقوب، ثم موسى النبى وتخاطب معهم "فماً لفم" وسمعوه بآذانهم كما يسمع الإنسان صوت الإنسان أو الطبيعة وكل ما له صوت مسموع، وظهر لهم فى أشكال مرئية للعين، رأوا فيها "شبه الرب" أو كما قيل عن موسى النبى "وشبه الرب يعاين"، ولكن دون أن يروه بلاهوته، فى طبيعته النورانية والروحية، وجوهره الذى لا يُرى. ظهر لهم فى أشكال مؤقتة وهيئات جسمية مثل الرجال. هذه الظهورات أسماها علماء اللاهوت "الثيؤفانيا ـ Theophania" أو "ثيؤفانى ـ Theophany"، أى ظهور إلهى. وهذا التعبير اللاهوتى مأخوذ ومركب من كلمتين يونانيتين هما "ثيؤسى ـ Theos" أى "الله" و"فانين ـ Phanein" أى "يظهر".

والعهد الجديد يقدم لنا فى المثالين التاليين نموذجين للظهورات الإلهية فى هيئات جسمية مرئية :

أ‌-   فى معمودية السيد المسيح من يوحنا المعمدان يقول الكتاب "ونزل عليه الروح القدس بهيئة جسّمية مثل حمامة(35)"، "وصوت من السماء قائلاً هذا هو ابن الحبيب الذى به سررت(36)".

ب‌- وعند حلول الروح القدس على التلاميذ يوم الخمسين "صار بغتةً من المساء صوت كما من هبوب ريح عاصفة وملأ كل البيت حيث كانوا جالسين وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار واستقرت على واحد منهم وامتلأ الجميع من الروح القدس. وأبتدأوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح القدس أن ينطقوا(37)".

وهنا نرى أن الروح القدس الذى هو روح الله، الله روح، غير المرئى، يظهر فى العماد فى "هيئة جسمية مثل حمامة" وفى اليوم الخمسين يظهر فى شكل وهيئة "ألسنة منقسمة كأنها من نار"، ليس هو حمامة ولكنه ظهر فى هيئة وشكل "مثل" حمامة، وليس هو نار مادية وإنما ظهر فى هيئة وشكل السنة منقسمة "كأنها" من نار.

والعهد الجديد يتكلم أيضا عن ظهور الله لإبراهيم "ظهر إله المجد لأبينا إبراهيم(38)"، وظهور "ملاك الرب" لموسى النبى "ظهر له ملاك الرب فى برية جبل سيناء فى لهيب نار عُلّيقة(39)"، ويستخدم الفعل اليونانى  "Optomai" والذى يعنى "يرى، يعاين، يظهر" والذى استخدمه الوحى الإلهى حوالى 48 مرة من 55 مرة للتعبير عن ظهورات إلهية وملائكية كظهور الله لإبراهيم وملاك العهد لموسى النبى وظهور الملاك فى بستان جثسيمانى(40)، وظهور موسى وإيليا مع المسيح على جبل التجلى(41)، وظهورات الرب القائم من الموت بعد القيامة للتلاميذ والرسل(42)، وظهوراته عند المجيئ الثانى(43)، ومشاهدة ورؤية رؤى وإعلانات فى رؤى كرؤى القديس يوحنا(44)،وفى كل الأحوال يعنى رؤية ظهورات واضحة ومرئية للعين الخارجية، ورؤى سماوية مدركة بالعين الداخلية، وكلاهما مدرك بالعقل والحواس أيضا لأنهما مرتبطان بمعجزات ظاهرة ومحسوسة وملموسة، ونبوات تمت بعد هذه الإعلانات سواء فى أيام الأنبياء وحياة معاصريهم أو بعد ذلك بقليل أو كثير.

وكما كانت الظهورات الإلهية منظورة ومرئية بالعين الخارجية كانت أيضا مسموعة بالآذان الخارجية، مدركة بالحس والعقل. كان صوت المتكلم مسموع جيداً بالأذن كما يسمع الإنسان صوت الإنسان وصوت الحيوان وصوت الطبيعة، فقد سمع التلاميذ الصوت الآتى من السماء سواء عند المعمودية أو على جبل التجلى "هذا هو أبنى الحبيب الذى به سررت(45)"، كما سمع الأباء والأنبياء صوت الله وهو يتحدث معهم أثناء ظهوراته لهم، ويقدم حديث الله مع صموئيل النبى وهو بعد صبى مثال واضح لذلك. إذ أنه عندما نادى الله الصبى صموئيل وهو فى الهيكل وسمع صموئيل الصوت ظن أنه صوت عالى الكاهن فذهب إليه "وقال له هأنذا لأنك دعوتنى. فقال لم أدع يا أبنى" ولما تكرر ذلك ثلاث مرات "فهم عالى أن الرب يدعو الصبى. فقال عالى أذهب وأضطجع ويكون إذا دعاك تقول تكلم يا رب لأن عبدك سامع ... فجاء الرب ووقف ودعا كالمرات الأول صموئيل  صموئيل. فقال صموئيل تكلم لأن عبدك سامع(46)".

1- ظهورات الله لآدم وحديثه معه :

فى جنة عدن وقبل الخطية والسقوط تمتع الإنسان بحضرة الله وعشرته وكان الله يظهر له بشكل مرئى وهيئة مرئية بالعين الخارجية، وعلى الرغم من أن الكتاب لا يصف لنا الشكل الذى ظهر به الله لآدم ولا الهيئة التى رآه فيها، إلا أن المشهد كله يوحى بأنه ظهر له فى شكل وهيئة إنسان، خاصة وأن الكتاب يقول أن الله خلق الإنسان على صورته كشبهه، كما كان آدم يسمعه ماشياً فى الجنة.

وفى أول حديث الله مع آدم بعد خلقته يقول الكتاب "وأخذ الرب الإله آدم ووضعه فى جنة عدن ليعملهما (يخدمهما) ويحفظهما. وأوصى الرب الإله آدم قائلاً : من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً. وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها. لأنك يوم تأكل منها موتأ تموت(47)". وهنا نرى، بعد الخليقة، تعامل الله المباشر مع آدم "أخذه" و"وضعه" و"قال له".

وبعد الخطية والسقوط، وفى ثاني حديث يذكره الكتاب لله مع آدم نرى هيبة ورهبة الوجود فى حضرة الله أثناء ظهوره لآدم فى مشهد مهيب مخوف مصاحب بصوت رعود، إذ يقول "وسمعا صوت الرب الإله ماشياً فى الجنة عند هبوب ريح النهار.فاختبأ آدم وامرأته من وجه (حضرة) الرب الإله فى وسط شجر الجنة. فنادى الرب الإله آدم وقال لهُ أين أنت. فقال سمعت صوتك فخشيت لأنى عريان فاختبأت(48)". ويدل سماع الصوت هنا ليس على مجرد وقع أقدام فحسب، وإنما على صوت رعود مصاحبه لظهوره(49)، وكما يدل هروبهما واختباؤهما من وجه الرب، أى من حضرته أو حضوره، على أن ظهوره كان فى هيئة إنسان مهيب وعلى خجلهما وحيائهما وعدم قدرتهما على الوقوف فى الحضرة الإلهية بسبب السقوط فى الخطية والشعور بالذنب والإثم، ومن ثم نادى الله على آدم وقال له "أين أنت" ليس جهلاً بمكانه فهو العالم بكل شئ فكل شئ مكشوف وعريان أمامه(50)، وإنما ليقوده ويصل به إلى الاعتراف بما فعل، فقد تعامل الله معه بأسلوب يتناسب مع طفولته البشرية.

2- ظهور الله وأحاديثه مع قايين ونوح :

بعد طرد آدم من الفردوس وعلى أرض التعب، خارج جنة عدن، يذكر الكتاب كلام الله مع قايين ونوح، وبالرغم من أنه لم يذكر الكيفية التى تعامل بها معهما، إلا أن تعامل الله مع آدم والأباء البطاركة بعد ذلك من خلال ظهورات إلهية يوحى، بل ويفترض، إنه تكلم أيضاً مع قايين ونوح من خلال ظهورات إلهية فى هيئة مرئية.

يقول الكتاب "فقال الرب لقايين ... فخرج قايين من لدن الرب(51)"، "فقال الله لنوح نهاية كل قد أتت أمامى. لأن الأرض امتلأت ظلماً منهم. فها أنا مهلكهم مع الأرض. أصنع لنفسك فلكاً من خشب جفر ... فها أنا آت بطوفان الماء على الأرض لأهلك كل جسد فيه روح حياة من تحت السماء. كل ما فى الأرض يموت. ولكن أقيم عهدى معك. فتدخل الفلك أنت وبنوك وامرأتك ونساء بنيك معك ومن كل حى من كل ذى جسد أثنين من كلٍ يُدخل إلى الفلك لاستبقائها معك. وتكون ذكراً وأنثى(52)".

"وقال الرب لنوح أدخل أنت وجميع بيتك إلى الفلك. لأنى إياك رأيت باراً لدى فى هذا الجيل(53)".

3- ظهور الله لإبراهيم وأحاديثه معه :

أولاً فيما بين النهرين "وقال الرب لإبرام أذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التى أريك. فأجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظّم أسمك. وتكون بركة. وأبارك مباركيك ولاعنك العنهُ. وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض(54)". وعلى الرغم من أن سفر التكوين لا يذكر الكيفية التى تكلم بها الله فى هذه الآيات إلا أن العهد الجديد يؤكد بلسان القديس إستيفانوس أن ظهر له "ظهر إله المجد لأبينا إبراهيم وهو فيما بين النهرين قبلما سكن فى حاران وقال له أخرج من أرضك ومن عشيرتك وهَلُمّ إلى الأرض التى أريك(55)". ثم فى شكيم، فى بلوطة مورة "وظهر الرب لإبرام وقال لنسلك أعطى هذه الأرض. فبنى هناك مذبحاً للرب الذى ظهر له(56)".

"ولما كان إبرام أبن تسعة وتسعين سنة ظهر الرب لإبرام وقال الله أنا الله القدير. سر أمامى وكن كاملاً. فأجعل عهدى بينى وبينك وأكثرك كثيراً جداً. فسقط إبرام على وجهه. وتكلم الله معه قائلاً : أما أنا فهوذا عهدى معك وتكون أباً لجمهور من الأمم. فلا يدعى أسمك بعد إبرام بل يكون اسمك إبراهيم. لأنى أجعلك أباً لجمهور من الأمم ... فلما فرغ من الكلام معه صعد الله عن إبراهيم(57)".

"وظهر له الرب عند بلُّوطات ممراً وهو جالس فى باب الخيمة وقت حرّ النهار. فرفع عينيه ونظر وإذا ثلاثة رجال واقفون لديه(58)". هؤلاء الرجال الثلاثة الذين رأهم إبراهيم تحدث إليهم بصيغة وضمير الجمع ولكن حديثه الأساسى كان مركزاً على واحد فقط وكانت المواعيد الإلهية تعطى له من واحد فقط "وقال يا سيد إن كنت قد وجدتُ نعمةً فى عينيك فلا تتجاوز عبدك ... وقالوا له أين سارة امرأتك. فقال ها هى الخيمة. فقال إنى أرجع نحو زمان الحياة ويكون لسارة امرأتك ابن ... فضحكت سارة فى بطنها قائلة أبعد فنائى يكون لى تنعم وسيدّى قد شاخ. فقال الرب لإبراهيم لماذا ضحكت سارة ... فى الميعاد أرجع إليك نحو زمان الحياة ويكون لسارة ابن. ثم قام الرجال من هناك وتطلعوا نحو سدوم، وكان إبراهيم ماشياً معهم ليشيعهم. فقال الرب هل أخفى عنك ما أنا فاعله ... إن صراخ سدوم وعمورة قد كثر وخطيتهم قد عظمت جداً ... وأنصرف الرجال من هناك وذهبوا نحو سدوم. أما إبراهيم فكان لم يزل قائماً أمام الرب ... وذهب الرب عندما فرغ من الكلام مع إبراهيم ورجع إلى مكانه. فجاء الملاكان إلى سدوم وكان لوط جالساً فى باب سدوم(59)". فقد ظهر الله لإبراهيم ومعه ملاكان، وهذا ما يوضحه قوله "وأنصرف الرجال من هناك وذهبوا نحو سدوم. أما إبراهيم فكان لم يزل قائماً أمام الرب" وقوله "وذهب الرب" بعد انتهاء حديثه مع إبراهيم، ثم قوله "فجاء الملاكان إلى سدوم".

كان هذا الظهور ظهوراً إلهياً مصحوباً بظهوراً ملائكياً، ظهر الله لإبراهيم ومعه ملاكان، وتحدث الله مع إبراهيم بينما ذهب الملاكان إلى سدوم وانتهى الظهور الإلهى واستمر الظهور الملائكى، وبدأ الحديث عن الملاكين فقط "وقال الرجلان للوط ... ولما طلع الفجر كان الملاكان يعجلان لوطاً ... ولما توأنى أمسك الرجلان بيده(60)".

4- ظهور الله لإسحق :

"وكان فى الأرض جوع غير الجوع الأول الذى كان فى أيام إبراهيم. فذهب اسحق إلى أبيمالك ملك الفلسطينيين، إلى جرار. وظهر له الرب وقال لا تنزل إلى مصر. أسكن فى الأرض التى أقول لك. تغرب فى هذه الأرض. فأكون معك وأباركك ... وأكثر نسلك كنجوم السماء وأعطى نسلك جميع هذه البلاد وتتبارك فى نسلك جميع أمم الأرض(61)". "فظهر لهُ الرب فى تلك الليلة وقال أنا إله إبراهيم أبيك. لا تخف لأنى معك وأباركك وأكثر نسلك من أجل إبراهيم عبدى(62)".

5- ظهور الله ليعقوب :

"وظهر الله ليعقوب أيضا حين جاء من فدان إبرام وباركه. وقال له الله أسمك يعقوب. لا يُدعى اسمك فيما بعد يعقوب بل يكون أسمك إسرائيل. فدعا أسمه إسرائيل. وقال له الله أنا الله القدير. أثمر وأكثر ... ثم صعد الله عنهُ فى المكان الذى فيه تكلم معهُ(63)". "وقال يعقوب ليوسف الله القادر على كل شئ ظهر لى فى لوز فى أرض كنعان وباركنى(64)".

وفى كل هذه الظهورات ظهر الله للآباء فى هيئة جسمية مرئية فى شبه بشر، وتحدث معهم بصوت مجسم شبيه بصوت البشر، وبلغة هى نفس اللغة التى كان يتحدث بها كل واحد منهم، أيا كانت، سواء كانت لغة صوتية أو لغة تخاطر، تخاطب عقلى، أو بمفردات لغوية قليلة أو كثيرة، كما فى حالة آدم وقايين، أو بلغة متقدمة نسبياً كما فى حالة نوح، أو بلغة مميزة عن غيرها وذات لهجات مختلفة كما فى حالة إبراهيم واسحق ويعقوب وملك جرار وفرعون، فقد كان يخاطب كل واحد منهم بلغته التى يتحدث بها وباللهجة التى يعرفها جيداً. فمن الطبيعى أن نتصور أن الله كلم آدم بلغة تتناسب مع طفولته الإنسانية، وأنه كلم إبراهيم فى أور الكلدانيين بلغة ما بين النهرين، وكلم فرعون باللغة المصرية، وكلم أبيمالك ملك جرار باللغة الكنعانية وكلم إسحق ويعقوب باللغة الآرامية، حسب اللهجة التى كان يتكلم بها كل واحد منهم.

وعند الانتهاء من المهمة التى استدعت الظهور الإلهى كانت تنتهى مهمة الهيئات الجسمية التى لازمتها، فقد كانت ظهورات مؤقتة "شبه" كما قيل عن موسى النبى "وشبه الرب يعاين(65)"، أو كما يقول القديس لوقا الإنجيلى "فى هيئة جسمية مثل(66)"، "وكأنها من(67)" ولكن يبقى الحدث وتبقى الرسالة إلى أبد الدهور. ويستخدم الكتاب عبارات "صعد الله(68)" و"ذهب الرب(69)" للتعبير عن انتهاء مهمة الظهور الإلهى، ولكن الله موجود فى كل مكان "أما املأ أنا السموات والأرض يقول الرب(70)". وهذا يشبه إلى حد ما انتهاء مهمة السيد المسيح التى تجسد من أجلها وصعوده إلى السماء مع وجوده فى كل مكان بلاهوته، فقد صعد إلى السماء بالجسد الذي اتخذه صعوداً فعلياً وجلس على عرش العظمة فى السماء، جسدياً، ولكنه ظل، كما هو، الموجود فى كل مكان بلاهوته، كقوله "لأنه حيثما (أينما) أجتمع أثنان أو ثلاثة بأسمى فهناك أكون فى وسطهم(71)"، وقوله فى لحظة صعوده إلى السماء جسدياً "وها أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر(72)".

والفارق الجوهرى بين الظهورات الإلهية والتجسد الإلهى هو أن الهيئات الجسمية الرمزية الشبيهة بالإنسان التى ظهر بها الله للإنسان فى القديم، قبل التجسد، كانت هيئات جسمية رمزية وقتية، ظهورات رمزية وقتية، انتهت بانتهاء مهمة الظهورات التى ظهرت لأجلها، أما التجسد الإلهى فقد كان تجسداً حقيقياً، فيه اتخذ الكلمة، الله الكلمة، جسداً حقيقياً من روح ونفس ولحم ودم وعظام، وفيه اتحد اللاهوت بالناسوت إتحاداً أبدياً لا ينفصل.

الفصل الثالث

أحاديث الله والأنبياء

من خلال ظواهر طبيعية

وتحدث الله أيضا مع الآباء والأنبياء من خلال ظواهر طبيعية كالريح والزلازل والدخان والنار والسحاب والبروق والرعود وصوت بوق شديد إلى جانب سحابة المجد، الشكينة. وكانت أحاديث الله من خلال هذه الظواهر فى صور مخيفة ومهيبة ورهيبة، لأنها كانت فى الأغلب لكل الشعب، ليعرف الجميع شئ من عظمة الله وقدرته وانه ليس مثل الأصنام التى تعبدها الأمم كآلهة، وأن الله، يهوه، إيلوهم هو الإله الواحد الوحيد المهيب "لأن الرب إلهكم هو إله الآلهة ورب الأرباب الإله العظيم الجبار ...(73)".

1- أحاديث الله مع أيوب وإيليا من خلال الريح والعاصفة :

كلم الله آدم، كما بينا سابقا، من خلال الريح العاصف "وسمع (آدم وحواء) صوت الرب الإله ماشيا فى الجنة عند هبوب ريح النهار(74)"، أى أنهما، آدم وحواء، سمعا صوت الريح والعاصفة الدال على حضور الله كقول المرنم بالروح "طأطأ السموات ونزل ضباب تحت رجليه. ركب على كاروب وطار وهف على أجنحة الرياح ... ارعد الرب من السموات والعلى، أعطى صوته(75)". كما كلم أيوب من العاصفة "فأجاب الرب أيوب من العاصفة(76)". وكلم إيليا النبى وهو فى المغارة بعد أن أعلن عن حضوره بريح شديدة زلزلة ونار ثم صوت منخفض خفيف، يقول الكتاب "وإذا بالرب عابر وريح عظيمة وشديدة قد شقت الجبال وكسرت الصخور أمام الرب ولم يكن الربُّ فى الزلزلة. وبعد الزلزلة نار ولم يكن الربُّ فى النار. وبعد النار. صوت منخفض خفيف. فلما سمع إيليا لف وجههُ بردائه وخرج ووقف فى باب المغارة. وإذا بصوت إليه يقول مالك هناك يا إيليا(77)".

2- ظهور الله وحديثه من خلال النار والسحاب والبروق والرعود :

ظهر الله لموسى وبنى إسرائيل وتكلم معهم فى صورة رهيبة وهيبة ومخوفة تعلن عن عظمته ومجده وقداسته، عن جبروته ورحمته فى آن واحد وانه هو وحده الإله الخالق للكون والقادر على شئ، كلى الوجود والقدرة والعلم. فعندما ظهر لموسى للمرة الأولى، فى سيناء، وكلمه " ظهر له ملاك الرب بلهيب نارٍ من وسط عُلُّيقة. فنظر وإذا العُلُّيقة تتوقد بالنار والعُلُّيقة لم تكن تحترق" ثم "ناداه الله من وسط العُلُّيقة ... فغطى موسى وجههُ لأنهُ خاف أن ينظر إلى الله(78)".

وكان المشهد الأعظم للظهورات الإلهية والحضور الإلهى من خلال ظواهر الطبيعة هو حديث الله مع موسى فى جبل حوريب أمام كل الشعب، وذلك فى صورة رهيبة ومهيبة يعلن فيها الله عن مجده وعظمته وجبروته، حيث صاحب الظهور الإلهى والحضور الإلهى مظاهر رهيبة ومهيبة لظواهر الطبيعة من رعود وبروق ودخان كثيف وزلازل وضباب ونار تصل إلى عنان السماء وسحاب ثقيل وصوت بوق شديد. هذا المشهد أستعد له الشعب بقداسة ونقاوة وخوف ورعدة : "فقال الرب لموسى ها أنا آتٍ إليك فى ظلام السحاب لكى يسمع الشعب حين أتكلم معك فيؤمنوا بك أيضا إلى الأبد ... أذهب إلى الشعب وقدسهم اليوم وغداً. وليغسلوا ثيابهم ويكونوا مستعدين اليوم الثالث لأنه فى اليوم الثالث ينزل الرب أمام عيون جميع الشعب على جبل سيناء. وتقيم للشعب حدوداً من كل ناحية قائلاً احترزوا من أن تصعدوا إلى الجبل أو تمسوا طرفهُ. كل من يمس الجبل يقتل قتلاً ... بهيمة كان أم إنساناً لا يعيش ... لا تقربوا امرأة".

وحدث فى اليوم الثالث لما كان الصباح إنه صارت رعود وبروق وسحاب ثقيل على الجبل وصوت بوق شديد جداً فأرتعد كل الشعب الذى فى المحلة وأخرج موسى الشعب من المحلة لملاقاة الله فوقفوا فى أسفل الجبل وكان جبل سيناء كله يدخن من أجل أن الرب نزل عليه بالنار وصعد دخانه كدخان الأتون وارتجف كل الجبل جداً. فكان صوت البوق يزداد اشتدادا جداً وموسى يتكلّم والله يجيبهُ بصوتٍ(79)".

وقد ظل هذا المشهد وهذا الحدث الفريد فى ذاكرة موسى النبى والشعب طوال رحلة الخروج وعبر كل تاريخ العهد القديم وإلى الأبد. ويقول موسى النبى للشعب عن هذا الحدث الفريد المهيب "فتقدمتم ووقفتم فى أسفل الجبل والجبل يضطرم بالنار إلى كبد السماء بظلامٍ وسحابٍ وضبابً. فكلمكم الرب من وسط النار وأنتم سامعون صوت كلام ولكن لم تروا صورة بل صوتاً. وأخبركم بعهده الذى أمركم أن تعملوا به الكلمات العشر وكتبه على لوحى الحجر(80)". "وجها لوجه تكلم الرب معنا من وسط النار ... من وسط النار والسحاب والضباب وصوت عظيم فلما سمعتم الصوت من وسط الظلام والجبلُ يشتعل بالنار ... قلتم هوذا الرب إلهنا قد أرانا مجدهُ وعظمتهُ وسمعنا صوته من وسط النار(81)".

وفى العهد الجديد حل الروح القدس على التلاميذ والرسل على هيئة ألسنة كأنها من نار مصحوباً أيضا بهبوب ريح عاصفة، الظواهر التى تدل على الظهور الإلهى Theophany أو الحضور الإلهى : "ولما حضر يوم الخمسين كان الجميع معا بنفس واحدة. وصار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريحٍ عاصفة وملأ كل البيت حيث كانوا جالسين. وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار واستقرت على كل واحد منهم. وامتلأ الجميع من الروح القدس وابتدأوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا(82)".

3- عمود السحاب والنار :

يستخدم السحاب لاهوتياً ومجازياً فى الكتاب المقدس ليدل ويرمز للحضور الإلهى وإلى سير الله وسكناه وسط شعبه :

D "وكان الرب يسير أمامهم نهاراً فى عمود سحاب ليهديهم فى الطريق وليلاً فى عمود نار ليضئ لهم. لكى يمشوا نهاراً وليلاً. لم يبرح عمود السحاب نهاراً وعمود النار ليلاً من أمام الشعب(83)".

D  "كيف حملك الربُّ إلهك كما يحمل الإنسان أبنه فى كل الطريق التى سلكتموها ... السائر أمامكم فى الطريق ليلتمس لكم مكاناً لنزولكم فى نار ليلاً ليريكم الطريق التى تسيرون فيها وفى سحابٍ ونهاراً(84)".

D  "وهداهم بالسحاب نهاراً والليل كلهُ بنور نارٍ(85)".

D  "أنت يا رب برحمتك الكثيرة لم تتركهم فى البرية ولم يزل عنهم عمود السحاب نهاراً لهدايتهم فى الطريق ولا عمود النار ليلاً ليضئ لهم فى الطريق التى يسيرون فيها(86)".

كما كان يرمز للحضور المرئى للإله غير المرئى، أى ظهور إلهى Theophany يظهر فيها بهاء مجد الله، إشعاع مجده، من خلال السحاب، ويتحدث من خلاله إلى الشعب "بعمود السحاب كلمهم(87)" :

D "وإذا مجد الرب قد ظهر فى السحاب. فكلم الرب موسى قائلاً(88)".

D  "فصعد موسى إلى الجبل. فغطى السحاب الجبل. وحل مجد الرب على جبل سيناء وغطاه السحاب ستة أيامٍ. وفى اليوم السابع دُعى موسى من وسط السحاب. وكان منظر مجد الرب كناراً آكلة على رأس الجبل أمام عيون بنى إسرائيل. ودخل موسى فى وسط السحاب وصعد إلى الجبل. وكان موسى فى الجبل أربعين نهاراً وأربعين ليلة وكلم الرب موسى قائلاً(89)".

D  "وكان عمود السحاب إذا دخل موسى الخيمة ينزل ويقف عند باب الخيمة. ويتكلم الرب مع موسى. فيرى جميع الشعب عمود السحاب واقفاً عند باب الخيمة. ويقوم كل الشعب ويسجدون كل واحد فى باب خيمته. ويكلم الرب موسى وجهاً لوجه كما يكلم الرجل صاحبه(90)".

D  " فنزل الرب فى السحاب. فوقف عنده هناك ونادى بأسم الرب(91)".

D  "فخرج موسى وكلم الشعب بكلام الرب وجمع سبعين رجلاً من شيوخ الشعب وأوقفهم حوالى الخيمة. فنزل الربُّ فى سحابة وتكلم معه وأخذ من الروح الذى عليه (موسى) وجعل على السبعين رجلاً الشيوخ فلما حلت عليهم الروح تنبأوا ولكن لم يزيدوا(92)".

D  "فنزل الرب فى عمود سحاب ووقف فى باب الخيمة ودعا هرون ومريم فخرجا كلاهما. فقال أسمعا كلامى. إن كان منكم نبى للرب فبالرؤيا استعلن لهُ فى الحلم أكلمهُ. أما عبدى موسى فليس هكذا بل هو أمين فى كل بيتى. فماً إلى فمٍ وعياناً أتكلم معهُ لا بالألغاز وشبه الرب يعاين(93)".

D  "ولما اجتمعت الجماعة على موسى وهرون انصرفا إلى خيمة الاجتماع وإذ هى قد غطتها السحابة وتراءى مجد الربُّ(94)".

D  "وقال الرب لموسى هوذا أيامك قد اقتربت لكى تموت. أدعُ يشوع وقفا فى خيمة الاجتماع لكى أوصيه. فأنطلق موسى ويشوع ووقفا فى خيمة الاجتماع. فتراءى الربُّ فى الخيمة فى عمود سحابً ووقف عمود السحاب فى باب الخيمة(95)".

4- الشكينه (إشعاع وبهاء مجد الله) :

يسمى علماء اليهود (الربيين) وعلماء اللاهوت المسيحى الظهورات الإلهية من خلال السحاب بـ "سحابة المجد" أو "شكينه المجد" أو "الشكينه". و"الشكينه" فى العبرية تساوى "السكينة" فى العربية ومعناها "السكن". ويعنى بها الربيون وعلماء اللاهوت الظهور الإلهى المرئى لعظمة الله وجلاله فى وسط شعبه، أو سكنى الله وسط شعبه، بمعنى قريب جداً من "عمانوئيل" لقب السيد المسيح فى سفر أشعياء(96)، والذى يعنى "الله معنا(97)"، كما عبر القديس متى الإنجيلى بالروح.

وقد أعلن الله لبنى إسرائيل فى البرية أنه عندما تقام خيمة الاجتماع "اجتمع بكم لكلمكم هناك. وأجتمع هناك ببنى إسرائيل فيُقدّس بمجدى. وأقدّس خيمة الاجتماع والمذبح ... واسكن فى وسط بنى إسرائيل وأكون لهم إلهاً. فيعلمون إنى أنا الرب إلههم الذى أخرجهم من أرض مصر لأسكن فى وسطهم(98)". وعندما أقيمت الخيمة يقول الكتاب "غطت السحابة خيمة الاجتماع وملأ بهاء الرب المسكن. فلم يقدر موسى أن يدخل خيمة الاجتماع. لأن السحابة حلت عليها وبهاء الرب ملأ المسكن. وعند ارتفاع السحابة عن المسكن كان بنو إسرائيل يرتحلون فى جميع رحلاتهم. وإن لم ترتفع السحابة لا يرتحلون إلى يوم ارتفاعها. لأن سحابة الرب كانت على المسكن نهاراً. وكانت فيها نار ليلاً أمام عيون كل بيت إسرائيل فى جميع رحلاتهم(100)". وعندما تم بناء هيكل سليمان يقول الكتاب "إن السحاب ملأ بيت الرب. ولم يستطع الكهنة أن يقفوا للخدمة بسبب السحاب لأن مجد الرب ملأ بيت الرب(101)". وعندما كان الهيكل على وشك الدمار على يد نبوخذ نصر ملك بابل، بعد ذلك بحوالى 450 سنة، رأى حزقيال النبى فى رؤياه مجد الرب يرحل عن الهيكل وعن أورشليم "فارتفع مجد الرب عن الكروب إلى عتبة البيت. فامتلأ البيت من السحابة وامتلأت الدار من لمعان مجد الرب(102)"، "وخرج مجد الرب من على عتبة البيت ووقف على الكروبيم. فرفعت الكاروبيم أجنحتها وصعدت عن الأرض قدام عينى(103)"، "وصعد مجد الرب من وسط المدينة ووقف على الجبل الذى على شرقى المدينة(104)"، ثم تنبأ بعودة مجد الرب ثانية فى مستقبل الأيام من خلال هيكل العهد الجديد "وإذا بمجد إله إسرائيل جاء فى طريق الشرق وصوته كصوت مياه كثيرة والأرض أضاءت من مجده. والمنظر كالمنظر الذى رأيته ... عند نهر خابور فخررت على وجهى. فجاء مجد الرب إلى البيت من طريق الباب المتجه نحو الشرق. فحملنى روح واتى بى إلى الدار الداخلية وإذا بمجد الرب قد ملأ البيت(105)".

الشكينة إذاً هى التعبير اللاهوتى اليهودى المسيحى للتعبير عن الظهور المرئى لله غير المرئى وسكناه فى وسط شعبه. الظهور المرئى لعظمة الله فى شكل نور إشعاعى يعلن عن وجود الله مع شعبه فقد ظهر مجده، بهاء مجده، إشعاع مجده، شئ من مجده من خلال السحاب، حتى يقدر أن يراه الإنسان ويعيش. والحوار التالى بين الله وموسى يعبر عن ذلك بوضوح : "فقال الرب لموسى هذا الأمر أيضا الذى تكلّمت عنهُ أفعلهُ. لأنك وجدت نعمة فى عينى وعرفتك باسمك. فقال (موسى) أرنى مجدك. فقال أجيز كل جودتى (سأعرض كل جلالى أمر بكل حُسنى (قدامك). وأنادى بأسم الرب قدامك. وأتراءف على من أتراءف وأرحم من أرحم. وقال لا تقدر أن ترى وجهى. لأن الإنسان لا يرانى ويعيش. وقال الرب هوذا عندى مكان. فتقف على الصخرة. ويكون متى أجتاز مجدى أنى أضعك فى نقرة من الصخرة وأسترك (أظللك أغطيك) بيدى حتى أجتاز ثم أرفع يدى فتنظر ورائى (ظهرى) أما وجهى فلا يُرى(106)".

5- سحاب المجد والتجسد :

وكما يستخدم الله السحاب ليعلن من خلاله عن ذاته ويرمز لحضوره وسكناه وسط شعبه، أستخدم السحاب أيضا للإعلان عن تجسد السيد المسيح ومجيئه، سواء مجيئه الأول أو الثانى، فقد رآه دانيال النبى فى رؤياه قبل التجسد "وإذا مع سحب السماء مثل ابن الإنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوهُ قدامهُ. فأعطى سلطاناً ومجداً وملكوتاً لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة. سلطانهُ سلطان أبدى ما لن يزول وملكوتهُ ما لن ينقرض(107)". وعلى جبل التجلى عندما كشف السيد المسيح لثلاثة من تلاميذه شئ من مجده ولاهوته كلمهُ الآب بـ "صوت من السحابة قائلاً هذا هو ابنى الحبيب الذى به سررت(108)"، وعندما صعد إلى السماء "ارتفع وهم (التلاميذ) ينظرون وأخذته سحابة عن أعينهم(109)". كما أعلن السيد المسيح أنه سيأتى فى مجيئه الثانى على السحاب أو فى سحاب السماء "ويبصرون ابن الإنسان آتياً على سحاب السماء بقوة ومجد كثير(110)"، "وسوف تبصرون ابن الإنسان جالساً على يمين القوة وآتياً فى سحاب السماء(111)"، ويصور فى سفر الرؤيا بالآتى "مع السحاب(112)" والجالس على السحاب الذى بيده مصير الأرض "ثم نظرتُ وإذا سحابة بيضاء وعلى السحابة جالس شبه ابن الإنسان له على رأسه إكليل من ذهب وفى يده منجل حاد فألقى الجالس على السحابة منجلهُ على الأرض فحصدت الأرض(113)".

وكما أعلن الله عن ذاته من خلال بهاء المجد، بهاء مجده، إشعاع المجد، إشعاع مجده، من السحاب، فقد أعلن عن ذاته بالتجسد الإلهى "والكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده مجداً(114)"، ودعى "عمانوئيل الذى تفسيره الله معنا(115)"، وكما يقول الوحى فى الرسالة إلى العبرانيين "الله بعدما كلم الأباء بالأنبياء قديماً بأنواع وطرق كثيرة كلّمنا فى هذه الأيام الخيرة فى أبنهُ الذى جعل وارثاً لكل شئٍ الذى به أيضا عمل العالمين الذى هو بهاء (إشعاع) مجده ورسم (صورة) جوهره وحامل كل الأشياء وبكلمة قدرتهُ(116)".

الفصل الرابع

ملاك الرب أو الظهور المسيانى

(كريستوفانى ـ Christophany) قبل التجسد

كلمة ملاك فى اللغة العبرية هى حرفياً "ملاك ـ Malak" وفى اللغة اليونانية "إنجيلوس ـ Angelos" وتعنى فى اللغتين "رسول" بصفة عامة. وبالنسبة للكائنات الروحية السمائية التى يرسلها الله من السماء وتدعى "ملاك" أو "ملائكة" تعنى "رسول سمائى" أو "رُسل سمائيون"، أى أن الملاك الذى هو كائن روحانى سمائى، يعنى رسول قادم من السماء، وسيط روحانى سمائى حامل رسالة من الله إلى الناس. ومن هذا المنطلق دعا الوحى الإلهى الكثير من الظهورات الإلهية ظهورات ملائكية، ودُعى الله فيها بـ "ملاك يهوه" أى "ملاك الرب"، و"ملاك إيلوهم" أى "ملاك الله"، و"ملاك العهد"، و"ملاك حضرته"، لأن الله فيها أعلن عن ذاته بذاته فى ظهورات إلهية دعاه الكتاب فيها بهذه الألقاب.

ولا يعنى استخدام الوحى الإلهى لتعبيرات "ملاك الرب" و"ملاك الله" و"ملاك حضرته" و"ملاك العهد" للتعبير عن الظهورات الإلهية أن الذى ظهر هو مجرد ملاك، كائن روحانى سمائى، من ضمن الكائنات الروحية السمائية التى لا تحصى، وإنما ليدل على أن الله ذاته موجوداً وعاملاً فى العالم ويعلن عن حضور الله فى زمان محدد ومكان معين، يعلن عن ربوبية الله وسيادته وحضوره الشخصى فى العالم، ومن ثم دعى هذا الظهور فى سفر أشعياء بـ "ملاك حضرته(117)".

وعلى الرغم من أنه ظهر فى هيئة جسمية كإنسان وادى وظائف إنسانية(118)، فقد كان مميزاً عن البشرٍ والملائكة، فلا إنسان ولا ملاك، بل مختلف عنهم اختلافاً تاماً، فقد كان يحمل أسم الله يهوه ويتكلم باعتباره هو الله، يهوه، ويستخدم فى الحديث عن الله ضمير المتكلم "أنا" الذى يساوى "أنا الله" ويساوى نفسه بالله وينسب لنفسه صفات الله ويعلن الذين رأوه أنهم رأوا الله، فيقبل العبادة ويغفر الخطايا ويعلن ما سيحدث فى المستقبل.

وفيما يلى أهم ظهوراته فى العهد القديم :

1- ظهوره لهاجر :

ظهر ملاك الرب لهاجر وكلمها على أنه هو الله، يهوه، وسجل موسى النبى بالروح أن الذى ظهر لها هو الله، يهوه : "وقال لها ملاك الرب تكثيراً أكثر نسلك فلا يُعد من الكثرة" وأعلمها بمستقبل أبنها الذى فى بطنها، إسماعيل، ثم يقول الوحى الإلهى " فدعت أسم الرب الذى تكلم معها أنت "إيل رئى ـ El Roi" لأنها قالت : "هنا أيضا رأيت لعد رؤية(119)"، أى "أنت الإله الذى رأنى" أو "لقد رأيت الآن الواحد الذى رآنى(120)".

2- ونادى إبراهيم من السماء :

وعندما امتحن الله إبراهيم وطلب منه أن يأخذ أبنه وحيده اسحق الذى يحبه ويذهب إلى جبل المريا ويقدمه محرقة لله، وأطاع إبراهيم الأمر وذهب إلى الموضع الذى قال لهُ الله وبنى المذبح ورتب الحطب "وربط اسحق أبنهُ ووضعه على المذبح فوق الحطب" وأخذ السكين وهم بذبحه، يقول الكتاب "فناداه ملاك الرب من السماء وقال إبراهيم إبراهيم. فقال هأنذا. فقال لا تمد يدك إلى الغلام ولا تفعل به شيئاً. لأنى الآن علمت أنك خائف الله" ثم يتكلم ملاك الرب بضمير المتكلم تأكيداً على أنه هو الرب نفسه ويقول لإبراهيم "فلم تمسك ابنك وحيدك هنا"، وتأكيداً لذلك يقول الكتاب "فدعا إبراهيم اسم ذلك المكان يَهْوَه يِرْأه (أى الرب يرى). حتى أنه يقال اليوم فى جبل الربُّ يُرَى". ثم رأى إبراهيم كبشاً ممسكاً، عالقاً، بقرنيه فى الغابة فأخذه وأصعدهُ محرقةً عوضاً عن ابنه. "ونادى ملاك الرب إبراهيم ثانية من السماء وقال بذاتى أقسمتُ يقول الرب. أنى من أجل أنك فعلت هذا الأمر ولم تمسك أبنك الوحيد. أباركك مباركةً وأكثرِّ نسلك تكثيراً كنجوم السماء وكالرمل الذى على شاطئ البحر. ويرث نسلك باب أعدائه. ويتبارك فى نسلك جميع أمم الأرض. من أجل أنك سمعت لقولى".

وهنا يكلمه الملاك باعتباره ملاك الرب الذى يحمل رسالة من الله، ثم يتكلم كالرب نفسه، بأعتباره هو الرب نفسه.

3- وظهر ليعقوب فى هيئة إنسان وصارعه حتى طلوع الفجر :

وعندما سأله يعقوب عن أسمه قال له "لماذا تسأل عن أسمى. وباركه هناك. فدعى يعقوب أسم المكان فنيئيل. قائلاً لأنى نظرت الله وجهاً لوجه ونُجّيت نفسى(121)". وهنا يؤكد يعقوب على أنه رأى إلهى لله ذاته : "الله الذى سار أمامه أبواى إبراهيم واسحق. الله الذى رعانى منذ وجودى إلى اليوم. الملاك الذى خلصنى من كل شر يبارك الغلامين(122)". الملاك الذى ظهر للأباء إبراهيم واسحق ويعقوب وسار أمامهم وساروا هم خلفه والذى رعاهم هو، هو، نفسه الله فى ظهوره الإلهى فى هيئة جسميه وقتيه.

4- وظهر لموسى النبى فى سيناء :

وظهر لموسى النبى فى سيناء أكثر من مره معلناً أنه هو الله، يهوه، وأنه هو أيضاً ملاك الرب، يهوه، ملاك الله :

أ‌-   ظهر له أول مره فى العليقة، كما يقول الكتاب "وظهر له ملاك الرب بلهيب نار من وسط العليقة" ثم عرف موسى أن ملاك الرب هو الرب ذاته، وتكلم معه بإعتباره الرب "فلما رأى الرب أنه مال لينظر ناداه الله من وسط العليقة وقال: موسى موسى. أنا إله أبيك إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب. فغطى موسى وجهه لأنه خاف أن ينظر إلى الله(123)".

ب‌-  وقال الله لموسى عن هذا الملاك، الذى هو الله ذاته "ها أنا مرسل ملاكاً أمام وجهك ليحفظك فى الطريق وليجئ بك إلى المكان الذى أعددتُه. أحترز منه وأسمع لصوته ولا تتمردّ عليه لأنه لا يصفح عن ذنوبكم لأن أسمى فيه". وهو هنا يعلن أن ملاك الرب، هو ظهور إلهى فى شكل مرئى "Theophany" يمثل الله ذاته ويقوم بعمله ويحمل أسمه "لأن أسمى فيه(124)".

ج- وظهر لموسى ولبنى إسرائيل فى عمود السحاب والنار، ومن خلال هذا الظهور أعلن أن الرب الذى سار أمامهم فى عمود السحاب هو نفسه ملاك الرب : "وكان الرب يسير أمامهم نهاراً فى عمود سحابٍ ليهديهم فى الطريق وليلاً فى عمود نارٍ ليضئ لهم(125)"، "فأنتقل ملاك الله السائر أمام عسكر إسرائيل وسار ورائهم. وأنتقل عمود السحاب من أمامهم ووقف ورائهم(126)".

5- وظهر لبلعام بن بعور :

وظهر لبلعام بن بعور ثم كشف الرب عن عينى بلعام فأبصر ملاك الرب واقفاً فى الطريق وسيفه مسلول فى يده فخر ساجداً على وجهه "وأمره أن لا يتكلم إلا بما يقوله لهُ "فقال ملاك الربّ لبلعام أذهب مع الرجال وإنما تتكلم بالكلام الذى أكلّمك به فقط(127)" وكان الله قد أتى "إلى بلعام ليلاً وقال لهُ إن أتى الرجال ليدعوك فقم أذهب معهم. إنما تعمل الأمر الذى أكلمك به فقط(128)".

6- وظهر ليشوع بن نون خادم موسى النبى :

وظهر ليشوع بن نون خادم موسى النبى بعدما تسلم قيادة الشعب وقال له "أخلع نعلك من رجليك لأن المكان الذى أنت واقف عليه هو مقدس"(129). وهذا نفس ما سبق أن قاله الله لموسى فى العليقة "أخلع حذائك من رجليك لأن الموضع الذى أنت واقف عليه أرض مقدسة(130)".

7- وظهر للقاضى جدعون :

على أنه ملاك الرب وكلمُه على اعتبار أنه الرب ذاته "فظهر ملاك الرب فقال الرب إنى أكون معك فقال جدعون أه يا سيدّى الربّ لأنى قد رأيت ملاك الرب وجهاً لوجهٍ. فقال له الرب السلام لك. لا تخف. لا تموت(131)".

8- وظهر لمنوح وزوجته :

وبشرهما بولادة شمشون "فتراءى ملاك الرب للمرأة (زوجة منوح) وقال لها. ها أنت عاقر لم تلدى. ولكنك تحبلين وتلدين أبناً"، "فدخلت المرأة وكلمت رجلها قائلة. جاء إلىّ رجل الله ومنظره كمنظر ملاك الله مرهب جداً. ولم أسأله من أين ولا هو أخبرنى عن أسمه". ثم ظهر ملاك الرب للمرأة ومعها زوجها والذى سأل الملاك عن اسمه فقال له "لماذا تسأل عن أسمى وهو عجيب" ولما صعد ملاك الرب إلى السماء قال "منوح لامرأته نموت موتاً لأننا قد رأينا الله(132)".

9- وكان ملاك الرب قد سبق وظهر لبنى إسرائيل :

عندما عصوا الله بعد استقرارهم فى أرض كنعان "وصعد ملاك الربّ من الجلجال إلى بوكيم وقال : أصعدتكم من مصر وأتيت بكم إلى الأرض التى أقسمت لآبائكم وقلت لا أنكث عهدى معكم إلى الأبد(133)". وهنا يتكلم ملاك الرب على اعتبار أنه الرب، الله، الذى أخرج بنو إسرائيل من مصر وسار بهم حتى أتوا إلى الأرض التى سبق أن وعد بها.

ويؤمن الكثير من أباء الكنيسة فى القرون الأولى وعلماء اللاهوت ومفسرى الكتاب المقدس، أن هذه الظهورات الإلهية، هى ظهورات مسيانية "كريستوفانى ـ Christophany"، أى ظهورات للأقنوم الثانى، من اللاهوت، كلمة الله، المسيح، ويستدلون على ذلك بالبراهين التالية :

‌أ-   تكرار قول الكتاب أن "الله لم يره أحد قط(134)" وقول القديس يوحنا بالروح القدس "الله لم يره أحد قط الابن الوحيد الذى هو فى حضن الآب هو خبرّ(135)"، "الذى أخبر عنه(136)"، الابن، الإله، الوحيد، الذى فى حضن الآب، ومن ذات الآب، وفى الآب، هو وحده الذى يظهر الله ويعلن عنه لأنه كلمته وصورة جوهره وإشعاع وبهاء مجده، "صورة الله غير المنظور(137)"، "بهاء مجده ورسم (صورة) جوهرة(138)".

‌ب- يؤكد القديس يوحنا بالروح أن السيد الرب الذى رآه أشعياء النبى فى رؤياه هو نفسه الابن الوحيد، الرب يسوع المسيح، بقوله "قال أشعياء هذا حين رأى مجده وتكلم عنه"؛ مشيراً إلى الرب يسوع المسيح(139).

‌ج- عندما سأل منوح ملاك الرب عن أسمه قال له "لماذا تسأل عن أسمى وهو عجيب"، وكلمة أو لقب "عجيب" تشير فى نبؤه أشعياء النبى إلى الرب يسوع المسيح "ويدعى أسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً أباً أبدياً رئيس السلام(140)".

‌د-  كما وصف السيد المسيح ولقب فى سفر ملاخى النبى بـ "ملاك العهد" والذى هو الرب نفسه "ويأتى بغتةً إلى هيكلة السيد الذى تطلبونه وملاك العهد الذى تسرون به هو ذا يأتى قال رب الجنود(141)".

‌ه-  كما يرى العلماء فى توقف ظهوره بعد تجسد السيد المسيح دلالة على أنه كان ظهوراً مسيانياً للأقنوم الثانى قبل التجسد، ظهوراً مؤقتاً، فلم تعد هناك حاجة إليه بعد حلول لمة الله بين البشرية باتخاذه جسداً حقيقياً كاملاً "والكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوء نعمةً وحقاً ... ومن ملئه نحن جميعاً ونعمةً فوق نعمة. لأن الناموس بموسى أعطى أمّا النعمة والحقُّ فبيسوع المسيح صار. الله لم يرهُ أحد قط الابن (الإله) الوحيد الذى هو فى حضن الآب هو خبرّ (الذى أخبر عنه)(142)".

الفصل الخامس

إعلان الله لذاته من خلال الأحلام

كل إنسان يحلم أثناء النوم، ويقول العلماء أنه لا يمكن أن يوجد نوم خال تماماً من الأحلام إلا نوم الموت، والحلم الطبيعى الذى يحلمه أى إنسان أثناء النوم هو عبارة عن سلسلة من الأفكار والصور والعواطف تحدث أثناء النوم، هو مظهر خارجى للواقع يحدث أثناء نوم أى شخص بسبب الإيحاء وتداعى الأفكار أو ما يخزنه العقل الباطن أو اللاوعى أو بسبب أو نتيجة لاضطراب جسمانى مثل سوء الهضم أو اضطراب الدورة الدموية أو سوء التهوية أو الحرارة غير المناسبة أو الوضع غير المريح أثناء النوم. وهو على أية حال ميدان خبره له مغزاه العقلى والأخلاقي والروحى. يقول سليمان الحكيم عن هذا الحلم الطبيعى "الحل يأتى من كثرة الشغل وقول الجهل أو كثرة الكلام(143)".

أما الحلم الإلهى والروحى والإعلانى، الذى من الله، فهو وسيلة اتصال بين الله والإنسان، هو أحد وسائل الإعلان الإلهى، إعلان الله عن ذاته وإرادته، للآباء والأنبياء وغيرهم كفرعون ملك مصر ونبوخذ نصّر ملك بابل، انه يحمل رسالة من الله للإنسان، يقول الكتاب :

D "إن كان منكم نبياً للرب فالبرؤيا استعلن له فى الحلم أكلمه(144)".

D "ويكون بعد ذلك إنى اسكب روحى على كل بشر فيتنبأ بنوكم وبناتكم ويحلم شيوخكم أحلاماً ويرى شبابكم رؤى(145)".

D "فقال لهُ (إبراهيم) الله فى الحلم ...(146)".

D "وقال لى ملاك الله فى الحلم يا يعقوب(147)".

D "فكلم الله إسرائيل فى رُؤى الليل وقال يعقوب يعقوب(148)".

D "ولكن الله يتكلم مره وبأثنين لا يلاحظ الإنسان، فى حلم فى رؤيا الليل عند سقوط ثبات على الناس فى النعاس على المضجع(149)".

D "وأتى الله إلى لابان فى حلم الليل. وقال لهُ ...(150)".

D "فى جبعون تراءى الرب لسليمان فى حلم وقال لهُ ...(151)".

D "ولكن فيما هو (يوسف النجار) متفكر فى هذه الأمور إذا ملاك الرب قد ظهر لهُ فى حلمٍ قائلاً يا يوسف ابن داود ...(152)".

ولأن الحلم الإلهى، الإعلاني، هو من الله، وسيلة من وسائل إعلان الله عن ذاته وإرادته، فقد كان الله هو الذى يبادر دائماً بالإعلان عن ذاته وإرادته من خلال الأحلام وذلك فى الزمان والمكان الذى يحدده هو والشخص الذى تختاره إرادته ومشورته الإلهية، دون توقع من الإنسان أو تدخل منه، فقد كان يتكلم مع الإنسان فى الأحلام دون توقع أو انتظار ودون أى تدخل من غير الله، يقول الكتاب إنه عندما رفض الرب شاول أول ملك إسرائيل، وأراد شاول أن يسأل الله "فلم يجبه الرب لا بالأحلام ولا بالأروبيم ولا بالأنبياء(153)"، وفى يأس قال شاول "الرب فارقنى ولم يعد يجيبنى لا بالأنبياء ولا بالأحلام ...(154)".

وقد عرف وتأكد قديسوا العهد القديم أن هذه الأحلام الإعلانية هى رُؤى من الله "رؤى ليلية" كقول أيوب "فى حلم فى رؤيا الليل(*)" أو كما جاء فى سفر دانيال النبى "رأى دانيال النبى حلماً ورُؤى رأسه على فراشة ... أجاب دانيال النبى وقال كنت أرى فى رؤياى ليلاً(155)".

وكان لهذا الحلم الإعلانى، رؤيا الليل، دوراً كبيراً فى العهد القديم حيث تكررت كلمة "حلم" 116 مرة منها 52 مرة فى سفر التكوين و29 مرة فى سفر دانيال، وسجل العهد القديم 14 حلماً أكثرها فى سفر التكوين، ويليه سفر دانيال وحلم واحد فى سفر القضاة وآخر فى سفر الملوك الأول. بينما سجل العهد الجديد 6 أحلام كلها مرتبطة بالحبل بالسيد المسيح وميلاده وهروبه إلى مصر وعودته إلى الناصرة ومحاكمته.

وتنقسم الأحلام فى الكتاب المقدس إلى نوعين :

1- أحلام سماعية :

تحمل رسائل صوتية، وتركز بالدرجة على رسائل الله من خلال أقواله الإلهية، وهى كالآتى :

أ- حلم أبيمالك ملك جرار :

عندما قال له "إبراهيم عن سارة امرأته هى أختى. فأرسل أبيمالك ملك جرار وأخذ سارة. فجاء الله إلى أبيمالك فى حلم الليل وقال لهُ ها أنت ميت من أجل المرأة التى أخذتها فإنها متزوجة ببعل. ولكن لم يكن أبيمالك قد اقترب إليها. فقال يا سيد أأُمّةً بارة تقتل. ألم يقُل هو لى أنها أختى وهى أيضا نفسها قالت هو أخى. بسلامة قلبى ونقاوة يدىّ فعلتُ هذا. فقال لهُ الله فى الحلم أنا أيضاً علمت إنك بسلامة قلبك فعلت هذا. وأنا أيضاً أمسكتك عن أن تخطئ إلىّ لذلك لم أدعك تمسها. فالآن رُد امرأة الرجل فأنهُ نبى فيصلى لأجلك فتحيا. وإن كنت لست تردُّها فأعلم أنك موتأ تموت أنت وكل من لك(156)". وهنا يركز الحلم على حديث الله دون أن يذكر الطريقة، الكيفية التى جاء بها الله.

ب- حلم لابان الآرامى خال يعقوب :

عندما سعى لابان خال يعقوب وراء يعقوب بعد أن تركه دون أن يخبره وأدركه فى جبل جلعاد يقول الكتاب "أتى الله إلى لابان الآرامي فى حلم الليل. وقال له أحترز من تكلم يعقوب بخير أو بشر(156)".

جـ- حلم سليمان الحكيم :

فى بداية حكم سليمان يقول الكتاب "فى جبعون تراءى الرب لسليمان فى حلم ليلاً. وقال الله أسأل ماذا أعطيك فقال سليمان أعط عبدك قلباً فهيماً لأحكم على شعبك وأميز بين الخير والشر لأنهُ من يقدر أن يحكم على شعبك العظيم هذا. فحسن الكلام فى عينى الرب لأن سليمان سأل هذا الأمر. فقال الله من أجل أنك سألت هذا الأمر ولم تسأل لنفسك أياماً كثيرة ولا سألت لنفسك غنىَّ ولا سألت أنفس أعدائك بل سالت لنفسك تمييزاً لتفهم الحكم هوذا فعلت حسب كلامك. هوذا أعطيك قلباً حكيماً ومميزاً حتى أنه لم يكن مثلك قبلك ولا يقوم بعدك نظيرك. وقد أعطيتك أيضاً ما لم تسألهُ عنىَّ وكرامةً حتى أنه لا يكون رجل مثلك فى الملوك كل أيامك. فإن سلكت فى طريقى وحفظت فرائضى ووصاياى كما سلك داود أبوك فغنى أطيل أيامك. فاستيقظ سليمان وإذ هو حلم. وجاء إلى أورشليم ووقف أمام تابوت عهد الرب وأصعد محرقةٍ وقرّب ذبائح سلامةٍ وعمل وليمة لكل عبيده(157)".

وتركز هذه الأحلام الثلاثة على أحاديث الله وإعلاناته عن ذاته بالأقوال دون أن تركز على تفاصيل الظهورات الإلهية وكيفية مجيئ الله وترائيه فى الأحلام، تركز على كشف وإعلان إرادة الله من جهة إبراهيم ويعقوب وسليمان.

د- أحلام يوسف النجار :

خطيب العذراء القديسة مريم وطفولة الرب يسوع المسيح:

1-  عندما حبلت العذراء بالروح القدس ولم يكن يوسف يعرف سبب الحبل ولأنه كان رجلاً باراً، يقول الكتاب "ولم شاء أن يشهرها أراد تخليتها سراً. ولكن فيما هو متفكر فى هذه الأمور إذا ملاك الرب قد ظهر لهُ فى حُلمٍ قائلاً يا يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك. لأن الذى حبل فيها هو من الروح القدس. فستلد أبناً وتدعو أسمهُ يسوع لأنهُ يخلّص شعبه من خطاياهم(158)".

2-   وعندما علم هيرودس ملك اليهودية بمولد السيد المسيح فى بيت لحم وأراد التخلص منه بقتله، يقول الكتاب "وإذا ملاك الرب قد ظهر ليوسف فى حلمٍ قائلاً قم وخذ الصبى وأمه وأهرب إلى مصر وكن هناك حتى أقول لك. لأن هيرودس مزمع أن يطلب الصبى ليهلكه(159)".

3-   "فلما مات هيرودس إذا ملاك الرب قد ظهر فى حلم ليوسف فى مصر قائلاً. قُم وخُذ الصبىّ وأمّهُ وأذهب إلى أرض إسرائيل. لأنه قد مات الذين كانوا يطلبون نفس الصبى(160)".

4-   "ولكن لما سمع أن أرخيلاوس يملك على اليهودية عوضاً عن هيرودس أبيه خاف أن يذهب إلى هناك. وإذا أوُحى إليه فى حلم أنصرف إلى نواحى الجليل(161)".

ر- حلم المجوس :

عندما جاء المجوس من المشرق للسجود للطفل الإلهى يسوع وتقديم الهدايا له، بعد أن هداهم النجم إلى مكان ولادته، وكانوا مزمعين أن يرجعوا إلى هيرودس ليخبروه بمكان الطفل حسب وعدهم له ولم يكونوا قد علموا شئ عن نيته قتل الطفل "أوُحى إليهم فى حلم أن لايرجعوا إلى هيرودس(162)" ومن ثم "انصرفوا فى طريق أخرى إلى كورتهم".

وفى هذه الأحلام الخمسة التى يذكرها العهد الجديد يركز الوحى الإلهى لا على تفاصيل كيفية الظهور الإلهى الملائكى أو الوحى وإنما على المضمون، مضمون ومحتوى الأوامر الإلهية، الإعلانات الإلهية التى حملها الملاك وأعلنها فى الحلم وأوحى بها إلى كل من يوسف والمجوس.

وجميع هذه الأحلام السماعية سواء التى وردت فى العهد القديم أو فى العهد الجديد معناها واضح فى ذاته ولا يحتاج إلى تفسير ورسالاتها مباشرة وصريحة ومفهومة وقد فهم وأدرك مغزاها الذين رأوها بسهولة وقاموا بتنفيذ ما جاء بها، ما أمرهم به الله أو الملاك أو الوحى الإلهى، فيها، بكل دقة وبكل أمانة فى طاعة الله وخوفه.

2- أحلام مرئية :

تُرى فى صور وأشكال رمزية تصويرية، وهى عادة ما نحتاج إلى مفسر من قبل الله سواء كان داخل الحلم نفسه، أثناء الحلم وفى داخله مثل الملاك الذى ظهر فى حلم ليعقوب فى حاران عند خاله لابان، أو بعد أن يستيقظ رائى الحلم من النوم، وغالباً ما كان يصاحب الملاك رائى الحلم إذا كان نبياً أو رجلاً من رجال الله مثل يعقوب ودانيال النبى، أما الذين رأوا أحلاماً إعلانية إلهية من غير رجال الله مثل فرعون ملك مصر ونبوخذ نصر ملك بابل فقد دفعهم الله إلى البحث عن مفسر وقادهم إلى مفسرين من قبله، من عبيد الله ورجاله، يوسف البار "صاحب الأحلام" ومفسرها ودانيال النبى، الرائى، مفسر الأحلام الإلهية. ولم يكن ينفع فى تفسير هذه الأحلام الإلهية، التى حملت رسالات الله وإعلاناته، مواهب وعلوم مفسرى الأحلام الخاصة بتفسير الأحلام الطبيعية وغيرها، ولا قدراتهم الطبيعية. هى من الله ولا يستطيع تفسيرها سوى رجال الله :

                      D "فقال لهما يوسف أليست التعابير لله(163)".

                      D "فقال يوسف لفرعون حلم فرعون واحد. قد أخبر الله فرعون بما هو صانع(164)".

                      D "ثم قال فرعون ليوسف" بعد أن فسر له حلميه "بعدما أعلمك الله كل هذا ليس بصير وحكيم مثلك(165)".

        D "أجاب دانيال قدام الملك وقال. السر الذى طلبهُ الملك لا تقدر الحكماء ولا السحره ولا المجوس ولا المنجمون على أن يبينوه للملك. لكن يوجد إله فى السموات كاشف الأسرار وقد عرف الملك نبوخذ نصّر ما يكون فى الأيام الأخيرة. حلمك ورؤيا رأسك على فراشك هو هذا ... وكاشف الأسرار يعرفك بما يكون(166)".

ويميز الكتاب المقدس بين الأحلام العادية التى يحلم بها كل إنسان كل يوم والأحلام التى من الله، والأحلام الإلهية الإعلانية التى تحمل كلمة الله، بالتأثير النفسى على المتلقى، رائى الحلم الإلهى، والاضطراب والقلق الشديد والإلحاح والإصرار على معرفة التفسير وما سيحدث نتيجة له،وكان يستيقظ رائى الحلم، خاصة إذا كان من غير رجال الله مثل فرعون ملك مصر ونبوخذ نصر ملك بابل، ويصحو من النوم وهو فى حالة شديدة من الانزعاج والاضطراب ويجد نفسه مدفوعاً بقوة للبحث عمن يفسر له الحلم، ولأن الحلم من الله فقد فشل كل مفسرى الأحلام ولم ينفعهم علمهم ولم تنفعهم كتبهم فى تفسير الأحلام ولا مواهبهم الطبيعية، فعندما حلم كل من رئيس السقاة ورئيس الخبازين فى قصر فرعون حلميهما ودخل إليهما يوسف فى الصباح وجدهما "وإذا هما مغتمان" ولما سألهما "لماذا وجهاكما مكمدان اليوم؟ فقالا له حلمنا حلماً وليس من يعبرّه (يفسره)(167)". ولما حلم فرعون حلميه يقول الكتاب "وكان فى الصباح أن نفسهُ انزعجت. فأرسل ودعا جميع سحرة مصر وجميع حكمائها وقص عليهم حلمهُ. فلم يكن من يعبرّه (يفسره)(168)". وفى حلم نبوخذ نصر يقول الكتاب "انزعجت روحه وطار عنه نومه" ثم أستدعى جميع العلماء وقال لهم "حلمتُ حلماً وانزعجت روحى لمعرفة الحلم(169)"، "رأيت حلماً فروعنى والأفكار على فراشى ورؤى رأسى أفزعنى(170)"، وفى كلا الحلمين فشل العلماء فى تفسيرهما(171).

وأحياناً كان يتكرر الحلم مرتين فى صورتين مختلفتين تحملان نفس المضمون والجوهر، مثل حلمى يوسف بن يعقوب وحلمى فرعون. وهذا التكرار يدل على أهمية مضمون ومغزى هذه الأحلام، وأهمية الرسالة الإلهية التى تحملها، ويؤكد على حتمية وقرب حدوث الأحداث المستقبلية، المتنبأ عنها والمعلن عنها فى الحلمين، وهذا ما أكده يوسف لفرعون "وأما عن تكرار الحلم على فرعون مرتين فلأن الأمر مُقرر من قبل الله والله مسرع ليصنعه(172)".

وأحياناً أخرى يتكرر الحلم  أو الرؤيا لشخصين فيرى الأول الحلم ويحتاج بشره لتفسيره ويرى الثانى الحلم، هو هو، ولكن، هذه المرة، بتفسيره مثل حلم نبوخذ نصر للتمثال العظيم البهى الذى رآه أيضا دانيال النبى فى رؤيا وأعطاه الله معها التفسير، كما رأى دانيال النبى نفس مضمون الحلم بعد ذلك بعشرات السنين، وفى أواخر أيامه، فى هيئة أربعة وحوش خارجة من البحر(173). وقد دل هذا التكرار الثلاثى للحلم الإلهى، أو بمعنى أدق للحلمين الإلهيين، حلم نبوخذ نصر ورؤيا دانيال النبى التفسيرية له، وحلم دانيال النبى، على حتمية تحقيق ما جاء بها من نبوات متعلقة بالإمبراطوريات العالمية وتجسد السيد المسيح ومجيئه الأول وأيضا مجيئه الثانى، أى بمستقبل العالم.

كما تميزت هذه الأحلام الإلهية الإعلانية برسالاتها وإعلاناتها الإلهية الواضحة فى ذاتها وأيضا من خلال تفسير رجال الله لها، بل كانت فى معظمها تحمل رسالة صريحة وإعلان مباشر أعلن عنه وكشف عنه الله أو أحد ملائكته فى الحلم ذاته، أو كان المعنى المقصود واضح ومفهوم تماماً مثل حلمى يوسف اللذان أدرك أخوته وأبوه مغزاهما بسهولة وبشكل مباشر(174).

وفيما يلى تفصيل لهذه الأحلام :-

1- حلم يعقوب فى بيت إيل :

فى طريق يعقوب إلى بيت خاله لابان، فى فدان آرام، بعد أن أخذ بركة أبيه اسحق صادف مكاناً وبات هناك لأن الشمس قد غابت. وأخذ من حجارة المكان ووضعهُ تحت رأسه فأضطجع فى ذلك المكان. ورأى حلماً وإذا سُلّم منصوبة على الأرض ورأسها يمسُّ السماء وهوذا ملائكة الله صاعدة ونازلة عليها. وهوذا الرب واقف عليها فقال أنا الرب إله إبراهيم أبيك وإله إسحق. الأرض التى أنت مضطجع عليها أعطيها لك ولنسلك. ويكون نسلك كتراب الأرض وتمتد غرباً وشرقاً وشمالاً وجنوباً ويتبارك فيك وفى نسلك جميع قبائل الأرض. وها أنا معك وأحفظك حيثما تذهب وأردُّك إلى هذه الأرض لأنى لا أتركك حتى أفعل ما كلمتك به. فأستيقظ يعقوب من نومه وقال حقاً أن الرب فى هذا المكان وأنا لم أعلم. وخاف وقال ما أرهب هذا المكان. ما هذا إلا بيت الله وهذا باب السماء.

وبكرّ يعقوب فى الصباح وأخذ الحجر الذى وضعهُ تحت رأسهُ وأقامهُ عموداً وصب زيتاً على رأسه. ودعا أسم المكان بيت إيل(175)".

2- وعندما أراد الله ليعقوب أن يرجع إلى أرض كنعان :

وعندما أراد الله ليعقوب أن يرجع إلى أرض كنعان باركه ببركات كثيرة وأراه هذه البركة فى حلم إلهى حيث يقول هو "وحدث فى وقت توحُّم الغنم إنى رفعتُ عينى ونظرتُ فى حلم وإذا الفحول الصاعدة على الغنم مخطَّطه ورقطاءُ ومُنمّرة(*). وقال لى ملاك الله فى الحلم يا يعقوب. فقلت هأنذا. فقال ارفع عينيك وأنظر جميع الفحول الصاعدة على الغنم مخطّطة ورقطاءُ ومُنمّرة. لأنى قد رأيت كل ما يصنع بك لابان. أنا إله بيت إيل حيث مسحت عموداً. حيث نذرت لى نذراً الآن قم أخرج من هذه الأرض وارجع إلى أرض ميلادك(176)".

3- أحلام يوسف عن سيادته على بيت أبيه :

شاءت إرادة الله ومشورته الأزلية أن يكون يوسف سيداً على أخوته وعلى أرض مصر وأن يكون سبباً فى ذهاب بنى إسرائيل إلى مصر لقضاء فترة فى العبودية سبق أن قررتها المشورة الإلهية(177)، فكشف الله له عن ذلك جزئياً فى حلمين أثارا حسد أخوته ومهدا الطريق لتربعه على كرسى رئيس وزراء مصر : "وحلم يوسف حلماً وأخبر أخوتهُ. فازدادوا أيضا بغضاً له. فقال لهم اسمعوا هذا الحلم الذى حلمت. فها نحن حازمون حُزماً فى الحقل. وإذا حزمتى قامت وانتصبت فاحتاطت حُزمكم وسجدت لحزمتى، فقال له أخوتهُ ألعلك تملك علينا ملكاً أم تتسلط علينا تسلُّطاً. وازدادوا أيضا بغضاً لهُ من أجل أحلامه ومن أجل كلامه. ثم حلم أيضاً حلماً آخر وقصَّهُ على أخوتهُ. فقال إنى قد حلمت حلماً أيضاً وإذا الشمس والقمر وأحد عشر كوكباً ساجدة لى. وقَصّهُ على أبيه وأخوتهُ. فأنتهرهُ أبوهُ وقال لهُ ما هذا الحلم الذى حلمت. هل نأتى أنا وأمك وأخوتك لنسجد لك إلى الأرض. فحسده أخوته. وأما أبوه فحفظ الأمر(178)".

4- حلما ساقى فرعون وخبازه :

وبسبب حسد أخوة يوسف له بسبب أحلامه باعوه بعشرين من الفضة لقافلة إسماعيليين والذين باعوه بدروهم "فى مصر لفُوطيفار خصىّ فرعون رئيس الشرط(179)"، ثم تسببت امرأة فوطيفار فى دخوله السجن بعد أن رفض أن يخطئ ويفعل الشر معها. وفى تلك الفترة "سخط فرعون على خصّييه رئيس السقاة ورئيس الخبازين" ووضعهما فى السجن مع يوسف "وحلما كلاهما حُلماً فى ليلةٍ واحدة كل واحدٍ حُلمهُ كل واحدٍ بحسب تعبير (تفسير) حُلمه ... فدخل يوسف إليهما فى الصباح ونظرهما وإذا هما مغتَّمان" فسألهما يوسف قائلاً "لماذا وجهاكما مكمدان اليوم. فقالا له حلمنا حلماً وليس من يعبّرهُ (يفسرهُ). فقال لهما يوسف أليست التعابير (التفاسير) من الله. قصّا علىّ.

فقص رئيس السقاة حلمهُ على يوسف وقال لهُ كنتُ فى حلمى وإذا كرمه أمامى.  وفى الكرمة ثلاثة قضبان. وهى إذ أفرخت طلع زهرها وأنضجت عناقيدها عنباً. وكانت كأس فرعون فى يدى. فأخذت العنب وعصرته فى كأس فرعون وأعطيتُ الكأس فى يد فرعون. فقال لهُ يوسف هذا تعبيرهُ الثلاثة قضبان هى ثلاثة أيام. فى ثلاثة أيام أيضا يرفع فرعون رأسك ويردك إلى مقامك. فتعطى كأس فرعون فى يده كالعادة الأولى حين كنت ساقيه. وإنما إذا ذكرتنى عندك حينما يصير لك خير تصنع إلىّ إحساناً وتذكرنى لفرعون وتخرجنى من هذا البيت ... فلما رأى رئيس الخبازين أنه عبرّ جيداً قال ليوسف كنتُ أنا أيضاً فى حُلمى وإذا ثلاثة سلال حُوّارى (من الخبز الأبيض) على رأسى. وفى السلّ الأعلى من جميع طعام فرعون من صنعه الخبّاز. والطيور تأكله من السل عن رأسى. فأجاب يوسف وقال: هذا تعبيرهُ الثلاثة السلال هى ثلاثة أيام. وفى ثلاثة أيام أيضا يرفع فرعون رأسك عنك ويعلّقك على خشبة وتأكل الطيور لحمك عنك. فحدث فى اليوم الثالث يوم ميلاد فرعون أنهُ صنع وليمة للجميع وعبيده ... وردَّ رئيس السقاة إلى سقيه. فأعطى الكأس فى يد فرعون. وأما رئيس الخبازين فعلّقهُ كما عبرّ (فسر) له يوسف ولكن لم يذكر رئيس السقاة يوسف بل نسيهُ(181)".

5- حلما فرعون وتفسير يوسف لهما :

"وحدث بعد سنتين من الزمان أن فرعون رأى حلماً. وإذا هو واقف عند النهر. وهوذا سبع بقرات طالعة من النهر حسنة المنظر وسمينة اللحم. فأرتعت (فرعت) فى روضةٍ. ثم هوذا سبع بقرات أخرى طالعة من البحر قبيحة المنظر ورقيقة اللحم. فوقفت بجانب البقرات الأولى على شاطئ النهر. فأكلت البقرات القبيحة المنظر والرقيقات اللحم البقرات السبع الحسنة المنظر والسمينة. وأستيقظ فرعون. ثم نام فحلم ثانيةً. وهوذا سبع سنابل طالعة فى ساقٍ واحدٍ سمينة وحسنة ثم هوذا سبع سنابل رقيقة وملفوحة الريح الشرقية نابتة ورائها. فابتلعت السنابل الرقيقة السنابل السبع الثمينة الممتلئة. وأستيقظ فرعون وإذا هو حلم. وكان فى الصباح أن نفسهُ انزعجت فأرسل ودعا جميع سحرة مصر وجميع حكمائها وقصّ عليهم فرعون حلمهُ. فلم يكن من يعبره لفرعون".

وهنا تذكر رئيس السقاة، حسب إرادة الله، يوسف وأخبر فرعون عنه، فأرسل فرعون ودعاه من السجن وقص عليه حلميه وأخبره بعجز علمائه عن التفسير. "فقال يوسف لفرعون حلم فرعون واحد. قد أخبر الله فرعون بما هو صانع. البقرات السبع الحسنة هى سبع سنين. والسبع سنابل الحسنة هى سبع سنين. هو حلم واحد. والبقرات السبع الرقيقة القبيحة التى طلعت ورائها هى سبع سنين. والسنابل السبع الرقيقة الملفوحة بالريح الشرقية تكون سبع سنين جوعاً. هو الأمر الذى كلمتُ به فرعون. قد اظهر الله لفرعون ما هو صانع. هوذا سبع سنين قادمة شبعاً عظيماً. فى كل أرض مصر. ثم تقوم بعدها سبع سنين جوعاً فينسى كل الشبع فى أرض مصر ويتلف الجوع الأرض ... وأما عن تكرار الحلم على فرعون مرتين فلأن الأمر مقرر من قبل الله والله مسرع ليصنعهُ". ثم أشار يوسف على فرعون أن يختار رجلاً حكيماً يوفر من طعام سنين الشبع لسنين الجوع. "فحسن هذا الكلام فى عينى فرعون وفى عيون عبيده. فقال فرعون لعبيده هل نجد مثل هذا رجلاً فيه روح الله. ثم قال فرعون ليوسف بعدما أعلمك الله كل هذا ليس بصير وحكيم مثلك(182)".وأجلس فرعون يوسف على كرسى رئيس وزراء مصر. وفى أيام المجاعة أضطر أبوه وأخوته للجوء إلى مصر لكى تتم إرادة الله وينمو بنو إسرائيل هناك تحت نير العبودية ثم يعودوا إلى أرض كنعان ثانية بعد أن يكون ذنب الأموريين، سكان الأرض، قد أكتمل(183).

6- جدعون القاضى وحلم الجندى المديانى :

عندما أراد الله أن يشجع جدعون ويقويه فى حربه ضد المديانيين "قال لهُ قم أنزل إلى المحلة لأنى قد دفعتها إلى يدك. وإن كنت خائفاً من النزول فأنزل أنت وفورة غلامك إلى المحلة وتسمع ما يتكلمون به وبعدُ تتشدد يداك". وكان الله قد كشف عن انتصار جدعون ورجاله على المديانيين فى حلم، ولم يكن جدعون هو رائى الحلم. بل شاءت إرادة الله أن يكون رائيه ومفسره أيضا من المديانيين أنفسهم ليكون رعباً عليهم وتشجيعاً لجدعون عند استماعه إليه. يقول الكتاب "وجاء جدعون فإذا رجل يخبرّ صاحبهُ بحلمٍ ويقول هوذا قد حلمت حُلماً وإذا رغيف خبز شعير يتدحرج من محلة المديانيين وجاء إلى الخيمة وضربها فسقطت الخيمة. فأجاب صاحبهُ وقال ليس ذلك إلا سيف جدعون بن يوآش رجل إسرائيل. قد دفع الله إلى يده المديانيين وكل الجيش. وكان لما سمع جدعون خبر الحلم وتفسيرهُ أنهُ سجد ورجع إلى محلة إسرائيل وقال قوموا لأن الرب قد دفع إلى يدكم جيش المديانيين(184)".

7- حلم نبوخذ نصر وكشف سره لدانيال النبى فى رؤيا الليل :

حلم نبوخذ نصر حلماً(185) انزعجت روحه بسببه وطار نومه عنه فاستدعى جميع العلماء وطلب منهم أن يفسروا له الحلم، ولكن لم يقص الحلم عليهم، بل طلب منهم هم أن يخبروه بالحلم ذاته أولاً ثم يقدموا له التفسير ثانياً وإلا فمصيرهم الهلاك والخراب، فقال له العلماء أن ما يطلبه هو المستحيل ذاته، فلا يقدر على ما يطلبه الملك إلا الله وحده. ولما علم دانيال ورفاقه الفتية الثلاثة بذلك صلوا إلى الله "حينئذ لدانيال كشف السر فى رؤيا الليل". وكان مضمون الحلم يتلخص فى أن نبوخذ نصر رأى، فى حلمه، تمثال عظيم وبهى ومنظره هائل جداً، رأسه من ذهب، صدره وذراعاه من فضة، بطنه وفخذاه من نحاس، ساقاه من حديد وقدماه من حديد مختلط بخزف، وفجأة يرى حجر قطع بدون يدين وضرب التمثال على قدميه وسحقه بجميع معادنه سحقاً وذراه فى الريح وصار الحجر جبلاً كبيراً وملأ الأرض كلها.

هذا التمثال بمعادنه كما فسره دانيال النبى، يرمز لأربع ممالك أو إمبراطوريات عالمية، هى بابل، ومادى وفارس، والرومان وسيأتى المسيح فى حكم الإمبراطورية الرابعة ليؤسس مملكة القديسين أو ملكوت الله(186).

8- حلم نبوخذ نصّر بالشجرة العظيمة وتفسير دانيال النبى له :

كان الله قد أعطى نبوخذ نصر الحكم وسلطة على بعض الممالك(187)، فتكبر وتعظم وتصور أنه صنع ذلك بقدرته هو وسلطانه هو، فأراد الله أن يعلمه، أنه هو وحده، الله، الذى ينصب الملوك ويعزل الملوك، وانه هو المتسلط على الكون ويعطى الحكم والقوة والسلطان "لمن يشاء". فرأى نبوخذ نصر فى حلمٍ شجرة كبيرة وعظيمة اتسعت فى الأرض وكان ورقها جميلاً وثمرها للجميع، ثم رأى وإذا ملاك، قدوس، نزل من السماء يعلن حكم الله وقضاءه وهو أن تقطع الشجرة وأغصانها وفروعها على أن يترك "ساق أصلها فى الأرض وبقيد من حديد ونحاس فى عشب الحقل ولتبتل بندى السماء وليكن نصيبه مع الحيوان فى عشب الحقل"، ويتحول قلبه إلى قلب حيوان لمدة سبعة أزمنة إلى أن يعلم الحقيقة الأبدية، أن الله هو سيد الكون وهو الذى يعطى الملك لمن يشاء. وكان تفسير دانيال النبى، هو أن هذه الشجرة هى نبوخذ نصر نفسه، ترمز له، ولتعظمه وتكبره وقضاء الله عليه بالطرد من بين الناس، بعد أن يجرد من ملكوته، ويسكن مع الحيوان ويأكل العشب مثل الحيوان ويبتل بندى السماء لمدة سبع سنين، حتى يعلم أنه وضع على العرش بإرادة الله ونزل عنه بإرادة الله أيضا.

وهذا ما حدث كما يذكر المؤرخ اليهودى يوسيفوس(188) نقلاً عنه بيروسوس. فقد أصيب بمرض عقلى أفقده وعيه كإنسان، هذا المرض يسميه العلماء بمرض "الأستذئاب" والذى يتخيل صاحبه أنه نسخ، تحول، إلى، ذئب. ثم عاد بعد ذلك إلى وعيه ومُلكه وسبح الله قائلاً : "فالآن أنا نبوخذ نصر اُسبح وأُعظم وأحمد ملك السماء الذى كل أعماله حق وطرقهُ عدل ومن يسلك بالكبرياء فهو قادر أن يذله(189)".

9- حلم دانيال ورؤياه الليلية المذكورة فى الإصحاح السابع والذى سندرسه تفصيلاً مع بقية رؤى الكتاب المقدس فى الصفحات التالية(190).

10- وأخيراً حلم زوجة الوالى الرومانى بيلاطس الذى رأته أثناء محاكمة زوجها للسيد المسيح والذى كشف الله لها فى الحلم عن "بر" السيد المسيح، يقول الكتاب المقدس وإذا كان (بيلاطس) جالساً على كرسى الولاية أرسلت إليه امرأته إياك وذلك البارّ لأنى تألمت كثيراً فى حلمٍ من أجلهُ(191)".

وبرغم من أنها لا تذكر كيفية الحلم ولا تفاصيله إلا أنها ركزت فى رسالتها على جوهر ومغزى الرسالة الإلهية فى الحلم وهو "بر" المسيح. وهذا كان سبباً رئيسياً من الأسباب التى جعلت بيلاطس يأخذ ماء ويغسل "يديه قدام الجميع قائلاً إنى برئ من دم هذا البار(192)".

الفصل السادس

إعلان الله عن ذاته وكلامه

من خلال الرؤى

يذكر الكتاب المقدس بعهديه "الرؤيا" أو "الرؤى" الإلهية المعطاة من الله، كأحد أهم وسائل الله وطرقه فى الإعلان عن ذاته والاتصال بالإنسان :

                       D "بعد هذه الأمور صار كلام الرب إلى إبرام فى الرؤيا قائلاً" (تك 15).

                       D "فكلم الله إسرائيل فى رؤى الليل قائلاً ..." (تك 2:46).

                       D "إن كان منكم نبى للرب فبالرؤيا استعلن له ..." (عدد 6:12).

                       D "وكلمت الأنبياء وكثرت الرؤى " (هو 10:12).

                       D "فقال أمضيا لعاموس أيها الرائى أذهب اهرب إلى أرض يهوذا وكُل هناك خبزاً وهناك تنبأ ..." (عا 12:7).

1- المعنى اللغوى والكتابى للرؤيا :

وردت كلمة "رؤيا" سواء جمع "رُؤى" أو مفرد "رؤيا" فى العهد القديم 86 مرة منها 32 مرة، أى أكثر من الثلث، فى سفر دانيال وحده وذلك لطبيعة السفر الرؤوية النبوية، وكلها سواء كانت عبرية أو آرامية مأخوذة من الفعل "حزاه ـ hazah" ويعنى "يرى" فى رؤيا، والفعل "رآه ـ raah" ويعنى "يرى"، "ينظر". وكلها تشير إلى الرؤية البصرية، النظر بالعين، الظهور المرئى للعين، الإدراك البصرى الطبيعى.

وتشير القرينة ويشير الشاهد فى جميع الكلمات الـ 86 والآيات الواردة فيها فى العهد القديم إلى السمع إلى جانب الرؤية، وتدل شواهدها، جميعاً، على أنها تعنى "رؤى" إلهية إعلانية تحمل رسالة لفظية، كلام الله، معطى من الله، إعلان إلهى ورسالة سمائية يتكلم الله من خلالها، سواء فى ظهور إلهى رؤوى أو من خلال ملائكة أو صور وأشكال تصويرية رمزية، ويعلن عن ذاته وإرادته، أى يرى فيها "الرائى" أو النبى "رؤى" إلهية، بصرية وسمعية، يشاهد ويسمع، سواء كان ذلك بالعيون الخارجية أو الداخلية، بالآذان الخارجية أو الداخلية،/ أو بحواسه الخارجية أو الداخلية معاً، ما هو فوق الطبيعة وفوق نطاق الإدراك الحسى المادى العادى، ما لا تراه عيون غيره من البشر وما لا تسمع به آذان غيره من البشر، بعيون مفتوحة وآذان صاغية وعقل متيقظ، وهو فى كامل وعيه وإدراكه وقواه العقلية، مسوقاً ومحمولاً ومحفوظاً بالروح القدس، سواء كان ذلك داخل الجسد أو خارجه. وفيما يلى أهم الآيات التى وردت فيها هذه الكلمات كما وردت فى قاموس يونج Young وغيره؛ وذلك بحسب أصلها اللغوى العبرى أو الآرامى :

1- "حزن ـ Hazen" وتعنى "رؤيا" أو "هيئة" أو "مظهر"وقد وردت فى سفر دانيال فقط، ولم تَرد فى غيره، وتشير جميعها إلى رؤى واحلام دانيال النبى ورؤى وأحلام نبوخذ نصر التى فسرها له دانيال النبى.

                      D "حينئذ لدانيال كُشف الأمر فى رؤيا الليل" (دا 19:2).

                      D "حلمك ورؤيا رأسك هو هذا" (دا 28:2).

                      D "رأيت حلماً فروّعنى ... ورُؤى رأسى أفزعتنى " (دا 5:4).

                      D "أخبرنى برؤى حلمى الذى رأيته وبتعبيره" (دا 9:4).

                      D "رُؤى رأسى ... كنتُ أرى" (دا 10:4).

                      D "كنتُ أرى فى رُؤى رأسى" (دا 13:4).

                      D "رأى دانيال حلماً ورؤى رأسه على فراشه" (دا 1:7).

        D "وكرر دانيال عبارة "كنتُ أرى فى رُؤى الليل" ثلاث مرات لثلاث رؤى رأى فيها أربعة وحوش، والوحش الرابع مجده، وابن الإنسان (دا 2:7،7،13).

                      D "أما دانيال فَحزنت روحى فى وسط جسمى وأفزعتنى رُؤى رأسى" (دا15:7).

2- "حزون ـ hazon" وتعنى "رؤيا" وتكررت 32 مرة، أغلبها فى شكل مفرد "رؤيا" للإعلان الفردى والرُؤى المدونة فى أسفار. وتساوى تماماً بيم كلمة الله والرؤيا وإن الرؤيا فى جوهرها تحمل كلمة الله وإعلان الله عن ذاته وإرادته.

                      D "وكانت كلمة الرب عزيزة فى تلك الأيام. لم تكن رؤيا كثيراً" (1صم 1:3).

                      D "فحسب جميع هذا الكلام وحسب كل هذه الرؤيا كذلك كلم ناثان داود" (1أخ15:17).

                      D "وبقية أمور حزقيا ومراحمهُ ها هى مكتوبة فى رؤيا أشعياء" (2أخ 32:32).

                      D "حينئذ كلمت برؤيا تقيك" (مز 9:89).

                      D "رؤيا أشعياء ابن أموص التى رآها على يهوذا وأورشليم" (أش 1:1).

                      D "أنبياء إسرائيل الذين يتنبأون لأورشليم ويرون لها رؤى" (حز 16:13).

        D "جبرائيل الذى رأيته فى الرؤيا فى الابتداء ... فهمنى وتكلم معى وقال يا دانيال إني خرجتُ الآن لأعلمك الفهم ... فتأمل الكلام وافهم الرؤيا"
 (دا21:9-23).

                      D "وكلمت الأنبياء وكثرت الرؤى" (هو 10:12).

                      D "رؤيا عوبيديا هكذا قال الرب عن آدوم" (عو 1:1).

                      D "وحتى على نينوى. سفر رؤيا ناحوم الألقوشى" (نا 1:1).

                      D "فأجابنى الرب وقال أكتب الرؤيا، وأنقشها على الألواح لكى يركض قارئها" (حبقوق 2:2)(1).

3- "حزوت ـ chazoth – hazot" وتعنى "رُؤى مدونة"؛ "رؤى يعدو الرائى على يربعام بن نباط" (2أخ 29:9).

5-    "حزيت ـ chazuth – hazut" وتعنى "رؤيا".

                      D "أعلنت لى رؤيا قاسية" (أش 2:21).

                      D "صارت لكم رؤيا الكل مثل كلام السفر المختوم" (أش 11:29).

5- "حيزايون ـ chizzayon – hizzayon" وتعنى رؤيا وكلام الله الموحى به وما يعلنه الروح القدس من نبوات فى رُؤى.

                      D "فحسب جميع هذا الكلام وحسب كل هذه الرؤيا كلم ناثان داود" (2صم17:7).

                      D "وحى من جهة وادى الرؤيا" (أش 1:22).

        D "ويكون بعد ذلك أنى اسكب روحى على كل بشر فيتنبأ بنوكم وبناتكم ويحلم شيوخكم أحلاماً ويرى شبابكم رُؤى" (يؤ 28:2).

        D "ويكون فى ذلك اليوم أن الأنبياء يحزنون كل واحد من رؤياه إذا تنبأ"
(زك 4:13)(2).

6- "محازية ـ machazeh – mahazeh" وتعنى أيضا "رؤيا" تحمل كلام الله، وحيه الإلهى.

                      D "بعد هذه الأمور صار كلام الله إلى إبرام فى الرؤيا قائلاً" (تك 1:15).

                      D "وحى الذى يسمع أقوال الله ويرى رؤيا القدير" (عدد 4:24).

                      D "الذى يرى رؤيا القدير ساقطاً وهو مكشوف العينين" (عدد 16:24).

                      D "ألم ترو رؤيا قائلين وحى الرب" (حز 7:13).

6-    "مراه ـ marah" وتعنى "رؤيا"، "ظهور".

                      D "وكلم الله إسرائيل فى رُؤى الليل وقال يعقوب يعقوب" (تك 2:46).

                      D "إن كان منكم نبى للرب فبالرؤيا أستعلن له" (عدد 6:12).

                      D "وخاف صموئيل أن يخبر عالى بالرؤيا" (1صم 15:3).

                      D "السموات انفتحت فرأيتُ رُوئ الله" (حز 1:1).

                      D "وأتى بى فى رُؤى الله إلى أورشليم" (حز 3:8).

                      D "فى رُؤى الله أتى بى إلى أرض إسرائيل (حز 2:40)(3).

        D "فرأيت أنا دانيال الرؤيا والرجال الذين كانوا معى لم يروا لكن وقع عليهم ارتعاد عظيم. فبقيت أنا وحدى ورأيت هذه الرؤيا العظيمة ... وتكلمتُ وقُلتُ للواقف أمامى يا سيدى بالرؤيا أنقلبت علىّ أوجاعى فما ضبطتُ قوّة"
 (دا 7:10،8،16).

8- "ماريه ـ mareh" وتعنى أيضا "ظهور" و"رؤية".

                      D "الرؤيا التى رأيتها فى البقعة" (حز 4:8).

        D "وحملنى الروح وجاء بى فى الرؤيا بروح الله ... فصعدت عنى الرؤيا التى رأيتها. فكلمت المسبيين بكل الكلام الذى أرانى الرب إياه" (خر 24:11،25)(3).

                      D "فسمعت صوت إنسان قال يا جبرائيل فهم هذا الرجل الرؤيا" (دا 16:8)(4).

9- "رؤه ـ roeh" وتعنى "رؤية" و"رؤيا"؛ "الكاهن والنبى خلا فى الرؤيا قلقا فى القضاء" (أش 7:28).

10- "رآه ـ raah" وتعنى "يرى"؛ "وكان يطلب الله فى أيام زكريا الفاهم بمناظر (رُؤى) الله" (2أخ 5:26).

كما وردت كلمة "رؤيا" فى العهد الجديد 15 مرة وكلها تعنى الرؤية البصرية، الظهور، الرؤيا السمائية، رؤية الظهورات أو التجليات، سواء كانت للمسيح بعد القيامة أو للملائكة الذين بشروا بقيامته وأعلنوها، أو رؤية تجلى السيد المسيح على الجبل وظهور موسى وإيليا معه، أو الرؤى ا&#