شبهات >> كتب القس عبد المسيح بسيط ابوالخير

Apologetics    

  اللاهوت الدفاعي

        (4)

الأعـظـم

مميزات المسيح في جميع الكتب

القس عبد المسيح بسيط أبو الخير

كاهن كنيسة السيدة العذراء الأثرية بمسطرد

 

اسم الكتاب  : " الأعظم ، مميزات المسيح في جميع الكتب "

              رقم (4) من سلسلة Apologetics ) اللاهوت الدفاعي) .

المؤلف     : القس عبد المسيح بسيط أبوالخير .

              ت ك 2201530 / 2231326

              ت م 2216232 / 4751010

              محمول 3131635 /012

المطبعة    : المصريين ت 3423595/012

الطبعة الأولى : في 1/5/2005م

رقم الإيداع :  8630/2005

الترقيم الدولي : 977-17-2211-5

 

 مقدمة

كانت شخصية المسيح ومازالت حتى اليوم شخصية مختلفة تمام الاختلاف عن أي شخصية وجدت في هذا العالم وظهرت على سطح الأرض فهو شخص محير لكل معاصريه، فقد ظهر لهم كالإنسان المولود من مريم العذراء (مر6 :3؛ لو4 :22)، ورأى فيه بعض رؤساء مجامع اليهود شخصاً فوق مستوى الإنسان وله سلطان يفوق كل طاقات البشر، ورأت فيه الجموع " النبي الذي من الناصرة " (مت21 :11)، ولكنه كان في نظر الجميع، الذي يتكلم بسلطان " لأن كلامه كان بسلطان " (لو4 :32)، ويعمل بسلطان " لأنه بسلطان وقوة يأمر الأرواح النجسة فتخرج " (لو4 :36)، وكانت الجموع تذهل من تعليمه " فلما سمع الجموع بهتوا من تعليمه " (مت22 :33)، وشهدوا له قائلين " لم يتكلم قط إنسان هكذا مثل هذا الإنسان " (يو7 :46). وكان " الجميع يشهدون له ويتعجبون من كلمات النعمة الخارجة من فمه " (لو4 :22).

وكان يشفي المرضى مهما كان مرضهم وعددهم ويقيم الموتى بكلمة الأمر منه ويمشي على الماء ويهدئ الريح العاصفة والأمواج العاتية بكلمة الأمر مما جعل الجموع تتساءل قائلة " من هو هذا؟ فان الريح أيضاً والبحر يطيعانه " (مت4 :14).

وقد كتب الكثيرون من الكتاب الغربيين من نقاد وفلاسفة ومؤرخين وعلماء اجتماع  وغيرهم من غير المتبحرين في العلوم اللاهوتية بعض الكتابات التي احتوت على أراء خاصة بهم من جهة شخص المسيح والتي نظروا فيها إليه كأسمى وأعظم شخصية وجدت على الإطلاق. كما تكلم بعضهم عن المسيح كالأقل تأثيرا ونفوذا من الناحية الدنيوية المادية والسياسية والحربية لأنه لم يكن قائدا سياسيا ولا عسكريا مع عدم نفيهم لسموه وعظمته الروحية كأعظم شخصية ذات تأثير روحي على الإطلاق. وكتب الأمريكي مايكل هارت كتاباً بعنوان " أعظم مائة شخصية مؤثرة في التاريخ " وضع فيه قائمة تضم مائة شخصية كان لها، من وجهة نظره، تأثيرها الدنيوي والمادي في التاريخ، بصرف النظر عن قيمتها الروحية والأخلاقية،

- 7 -

سواء كانت شخصيات صالحة أو شريرة. ويقول في المقدمة " يجب أن أؤكد بقوة أن هذه اللائحة هي قائمة الشخصيات الأكثر نفوذا في التاريخ، وليست لائحة أكثرهم عظمة 000 مثلا يجد المرء مكانا في لائحتي لرجل كبير النفوذ عديم الاستقامة والإحساس نظير ستالين ولكنك لا تجد مكانا للقديسة الأم كابريني. أن هذا الكتاب يدور فقط حول السؤال : ما هي المائة شخصية التي كان لها أكبر الأثر على التاريخ وسير العالم ؟ 000 أن هذه اللائحة من الشخصيات الفذة – سواء كانت نبيلة أو طالحة يلحقها اللوم، أكانت شهيرة أم غير معروفة، براقة أم متواضعة تبقى لا محالة مشوقة "!!

وبرغم أنه وضع المسيح كرقم ثلاثة في هذه القائمة، لعدم قيامه بدور سياسي أو عسكري، إلا أنه أكد أنه لا يقصد أن الأول أو الثاني أعظم منه روحيا أو أخلاقيا فقال صراحة " أنه لم يفكر أن الأول " كان رجلا أعظم من يسوع ". ولكن بعض الكتاب هللوا لهذا الكتاب وترجموه للعربية أكثر من مرة وكأنه جاء به من السماء ومعه البرهان اليقين على وجود من هو أعظم من المسيح!! ومع ذلك نقول لهم أنه لم يقل أحد قط أنه وجد على الأرض من هو أعظم من المسيح. لسبب بسيط جداً وهو أن جميع الكتب شهدت أن المسيح وحده هو الأعظم.

وفي هذا الكتاب نقدم هذه الدراسة المبسطة التي توضح هذه الحقيقة للجميع.

ونرجو من الله أن يأتي بالفائدة المرجوة لمجد اسمه، بصلوات قداسة البابا المعظم البابا شنودة الثالث، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، ونيافة الحبر الجليل الأنبا مرقس، أبي الروحي، أسقف شبرا الخيمة وتوابعها.

عيد القيامة المجيد                          القس عبد المسيح بسيط أبو الخير

23 برمودة 1721 ش

1 مايو 2005م

- 8 -

 

 

الفصل الأول

لماذا المسيح هو الأعظم؟

 

  كانت نظرة التلاميذ الذين عاشوا مع الرب يسوع المسيح وشاهدوه وشهدوا له كشهود عيان لكل ما قال وصنع نظرة تفوق كل ما يمكن أن يتفوه به بشر، هذه النظرة عبر عنها الرب نفسه بقوله لهم " طوبى لعيونكم لأنها تبصر. ولآذانكم لأنها تسمع. فأني الحق أقول لكم أن أنبياء وأبرارا كثيرين اشتهوا أن يروا ما انتم ترون ولم يروا. وان يسمعوا ما انتم تسمعون ولم يسمعوا " (مت13:15و16).

  وقد عبر القديس بطرس عن هذه النظرة وما عاينه وعايشه بنفسه بالروح قائلاً " لأننا لم نتبع خرافات مصنعة إذ عرّفناكم بقوة ربنا يسوع المسيح ومجيئه بل قد كنا معاينين عظمته. لأنه اخذ من الله الآب كرامة ومجدا إذ اقبل عليه صوت كهذا من المجد الاسني هذا هو ابني الحبيب الذي أنا سررت به. ونحن سمعنا هذا الصوت مقبلا من السماء إذ كنا معه في الجبل المقدس "(2بط1:16-18).   

  وقال عن رؤية التلاميذ له بعد قيامته " هذا أقامه الله في اليوم الثالث وأعطى أن يصير ظاهرا ليس لجميع الشعب بل لشهود سبق الله فانتخبهم. لنا نحن الذين أكلنا وشربنا معه بعد قيامته من الأموات " (أع10:40-41).

  وقال القديس يوحنا الذي كان يتكئ على صدر الرب يسوع المسيح شاهداً ومعلماً لأعظم ما يمكن أن تناله البشرية " الذي كان من البدء الذي سمعناه الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة. فان الحياة أظهرت وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأظهرت لنا. الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به لكي يكون لكم أيضا شركة معنا. وأما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح " (1يو1:1-3).

  هذه كانت نظرة التلاميذ الذين كانوا منذ البدء شهود عيان وخداماً لكلمة الحياة،

- 9 -

الرب يسوع المسيح، فماذا كانت نظرة العلماء والفلاسفة والأديان الأخرى له؟

1 -  نظرة العلماء والمؤرخين والفلاسفة للمسيح:

  كتب الكثيرون من الكتاب الغربيين من نقاد وفلاسفة ومؤرخين وعلماء اجتماع  وغيرهم من غير المتبحرين في العلوم اللاهوتية بعض الكتابات التي احتوت على أراء خاصة بهم من جهة شخص الرب يسوع المسيح والتي نظروا فيها للمسيح كأسمى وأعظم شخصية وجدت على الإطلاق.

  وفيما يلي بعض ما قيل عن المسيح من شخصيات وُصَفتْ بأنها عظيمة، وشخصيات أخرى لها مكانتها في مجالات الأدب والفلسفة والحضارة والتاريخ:

? قال نابليون بونابرت إمبراطور فرنسا بعد تقاعده " أنت تتحدث عن قيصر والاسكندر وغزواتهما وعن الحماس الذي أشعلاه في قلوب جنودهما، ولكن هل يمكن أن تفهم أن رجل ميت يقوم بغزوات بجيش أمين ومكرس كلية لذكراه؟ لقد نسيتني جيوشي حتى وأنا على قيد الحياة مثلما نسي الجيش القرطجني هانيبال، هذه هي قوتنا ".

  " أنا أعرف البشر وأقول لكم، أن يسوع المسيح ليس مجرد إنسان، فلا يوجد بينه وبين أي شخص بشري آخر في العالم لفظ term مناسب للمقارنة. فقد أسسنا، أنا والاسكندر وقيصر وشارلمان، إمبراطوريات، ولكن على أي أساس استقر ما خلقته عبقريتنا؟ على القوة. ولكن يسوع المسيح أسس إمبراطوريته على الحب؛ وحتى هذه الساعة يموت الملايين لأجل اسمه ".

  " لقد بحثت في التاريخ لأجد مثيلاً ليسوع المسيح أو أي شيء يمكن أن يقترب من يسوع المسيح أو الإنجيل دون جدوى، فلا التاريخ ولا الإنسانية ولا الدهور ولا الطبيعة قدمت لي أي شيء يمكن أن أقارنه أو أشرحه. هنا (في المسيح) كل شيء غير عادي ".

? وقال ول ديورانت المؤرخ والفيلسوف المعاصر كاتب كتاب فلسفة الحضارة وسلسلة تاريخ الحضارة عندما سئُل:

- 10 -

  " ماذا كانت قمة التاريخ؟ " فأجاب " السنوات الثلاث التي مشي فيها يسوع الناصري على الأرض ".

? وقال كارنيجي سيمبسون " يسوع ليس واحدا من جماعات العالم العظيمة. تحدث عن الاسكندر العظيم وتشارلز العظيم ونابليون العظيم إذا أردت 000 ولكن يسوع ليس من هؤلاء - فهو ليس العظيم بل هو وحده الأعظم ".

? وقال الكاتب البريطاني هـ. جـ. ويلز (1866 - 1946م) " في حكم طيباريوس قيصر نهض من اليهودية معلم عظيم ليحرر الإدراك الجامد للبر ووحدانية الله غير المتغيرة واحتياج الإنسان الأخلاقي لله 000 وكان هذا يسوع الناصري 000 ولا عجب فإن هذا الجليلي حتى هذا اليوم أكبر بكثير من قلوبنا الصغيرة ".

  وقال أيضا عندما سئُل " من هو الشخص الذي ترك أعظم انطباع دائم على التاريخ؟ ": " ذلك يحكم على عظمة الشخص بالمقياس التاريخي ": " وبهذا المقياس، يقف يسوع الأول ". ثم يقول " أنا مؤرخ، ولست مؤمنا، ولكن يجب أن أعترف كمؤرخ أن هذا المعلم الذي من الناصرة والذي لا يملك شيئاً penniless  هو مركز التاريخ الذي لا ينسخ. يسوع المسيح هو الشخص الأعظم سيادة في كل التاريخ ". 

  " كان يسوع المسيح هو الشخص الأعظم تفردا في التاريخ ولا يمكن لإنسان أن يكتب تاريخ السلالة البشرية دون أن يعطي المكانة العظى للمعلم الناصري الذي لم يكن يملك شيئاً ".

? وقال الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو " أن يسوع المسيح بطل الإنجيل هو فوق البشر. وإذا كانت حياة وموت سقراط هي حياة وموت فيلسوف حكيم، فحياة يسوع المسيح وموته هي حياة إله وموته!! ".

وقال المؤرخ والعالم اللغوي الفرنسي رينان، أحد زعماء المدرسة النقدية، عن المسيح " كان يسوع أعظم عبقرية دينية عاش على الإطلاق. فجماله أبدي،

- 11 -

وحكمه لن ينتهي أبدا. يسوع فريد في كل شيء ولا يمكن أن يقارن به شيء ".

  " كل التاريخ لا يمكن أن يقارن بدون يسوع " !!

  " مهما كانت مفاجآت المستقبل فلن يتفوق أحد على يسوع ".

  " حقا بدا يسوع هنا ابن الله، لأنه نطق لأول مرة بالكلمة التي يرسخ عليها أساس الدين الخالد. لقد وطد أساس العبادة النقية التي تتسامى فوق الأزمان والأوطان، والتي سوف تتمرس بها النفوس الرفيعة إلى منتهى الدهر. وقد أصبح دينه منذ ذلك الوقت ـ لا دين البشرية فحسب بل الدين على الإطلاق. وأن يكن ثمة كواكب آهلة بأناس ذوي عقول وأخلاق بخلاف الأرض، فلا سبيل لهم أن يدينوا بدين يفوق سموا ذاك الدين الذي أعلنه يسوع المسيح على بئر يعقوب 000 أن الدين الحقيقي يبقى أبدا من صنع يسوع المسيح وليس للبشر فيما بعد إلا أن يشرحوا ما فاه به من مبادئ وتعاليم ".

  " سوف يبقى يسوع المسيح مبعث يقظة أخلاقية للبشر لا يخبو نورها لأن الفلسفة وحدها لا تكفي البشر، فأنهم بحاجة إلى القداسة ".

  " ألا اجلس الآن هانئا في مجدك يا دليلنا السامي إلى الله. أما الآن وقد تحررت من قيود الضعف ستشهد من أعلي مقرك الإلهي نتائج أعمالك اللامتناهية. أن العالم سيبقى مدينا لك إلى آلاف السنين 000 سوف تبقى حيا محبوبا بعد موتك أكثر مما كنت في حياتك على الأرض. سوف تبقى حجر الزاوية من البشر بحيث يستحيل محو اسمك من العالم دون أن ينزع الكون وينهار. فيا قاهر الموت ألاً استلم زمام ملكوتك، حيث سلك إلى الآن على الطريق الملوكي الذي شققته، ملايين من عبادك " !!

2 – المسيح في كتاب العظماء المائة:   

  وفضلا عما سبق وبيناه أعلاه فقد تكلم بعض الكتُاب عن المسيح كالأقل تأثيرا ونفوذا من الناحية الدنيوية المادية والسياسية والحربية لأنه لم يكن قائدا سياسيا ولا عسكريا مع عدم نفيهم لسموه وعظمته الروحية كأعظم شخصية ذات تأثير روحي

- 12 -

على الإطلاق. وقد ترجمت بعض هذه الكتب التي من النوع الأخير إلى العربية وهلل لها البعض لأنها وضعت غير المسيح كالأكثر تأثيرا من الناحية المادية الدنيوية، خاصة السياسية والحربية، بالرغم من عدم نفيها لعظمة وسمو المسيح كالأعظم والأسمى أخلاقيا وروحيا !! ومن هذه الكتابات؛ كتاب " القمم المائة " أو " أعظم مائة شخصية مؤثرة في التاريخ " الذي كتبه الأمريكي، غير المتخصص في اللاهوتيات، مايكل هارت، والذي كتب قائمة تضم مائة شخصية كان لها، من وجهة نظره، تأثيرها الدنيوي والمادي في التاريخ، بصرف النظر عن قيمتها الروحية والأخلاقية، سواء كانت شخصيات صالحة أو شريرة، المهم هو تأثيرها على أكبر عدد ممكن من الناس. وقد وضع فيها الرب يسوع المسيح رقم ثلاثة في الترتيب.

وبالرغم من أن هذا الكتاب لم يلتفت إليه أحد سواء في أمريكا أو في الغرب ولم يهتم به أحد، فقد هلل له البعض هنا وترجمت أجزاء منه إلى العربية أكثر من مرة بل واستخرج منه الكاتب الصحفي الشهير أنيس منصور كتاباً آخر !! نقحه على هواه، أو بمعنى أدق صاغ منه كتاباً آخر !! كما كتب الداعية الإسلامي المعروف الراحل أحمد ديدات على أساسه كتاباً باسم " الرسول الأعظم " قال في مقدمته ما ملخصه " نشر في أمريكا في الزمن الحاضر كتاب بعنوان " المائة " أو (الخالدون مائة) أو (القمم المائة) أو أعظم مائة في التاريخ. وقد ألف هذا الكتاب الجديد من نوعه عالم الفلك والرياضيات والمؤرخ مايكل هارت لقد قام بالبحث في التاريخ عن الرجال الذين كان لهم أعظم تأثير على البشر وقد ذكر لنا في هذا الكتاب أكثر مائة رجل تأثيراً على البشرية منهم آزوس – أرسطو – بوذا – كونفوشيوس – هتلر- أفلاطون – ذرادشت – وهو لا يعطينا علامات محددة عن المائة من ناحية تأثيرهم على الناس ولكنه يقوم بتقييم درجة هذا التأثير ويصفهم بترتيب تفوقهم في هذا التأثير من رقم واحد وحتى رقم مائة وهو يوضح لنا أسبابه في ترتيب مرشحيه. ونحن غير مطالبين بالموافقة على كلامه ولكننا لا يسعنا إلا أن نعجب بأمانة هذا  الرجل ودقته في البحث.

- 13 -

  وأكثر شيء يدعو للدهشة في تصنيفته المنتقاة أنه وضع رسول الإسلام كرقم واحد أول المائة العظماء ووضع المسيح رقم 3. وقد أسعد المسلمين بالطبع تصنيف مايكل هارت لرسول الإسلام في المرتبة الأولى. ولكن هذا الاختيار صدم غير المسلمين وبخاصة اليهود والمسيحيين الذين اعتبروا ذلك إهانة. ماذا؟ المسيح فـي المرتبة الثالثة وموسى فـي المرتبة الأربعين؟!!

  وبالطبع فإن هذا بالنسبة إليهم شيء لا يمكن هضمه ولكن ماذا يقول مايكل هارت؟ دعونا نستمع لمناقشته: " حيث أن عدد المسيحيين تقريباً ضعف عدد المسلمين فـي العالم فإنه قد يبدو غريباً أن يكون تصنيف رسول الإسلام أعلى مـن المسيح. وهناك سببان رئيسيان لهذا القرار: أولاً لعب رسول الإسلام دوراً في ازدهار الإسلام يفوق في أهميته كثيراً ما قام به المسيح في ازدهار المسيحية. وعلى الرغم من أن يسوع كان مسئولاً عن الخُلُق الأساسي والمبادئ والسلوكيات الأخلاقية للمسيحية " طالما اختلفت هذه المبادئ عن اليهودية " فقد كان القديس بولس هو المطور الأصلي للاهوت المسيحي والناشر الرئيسي للمسيحية ومؤلف قسم كبير من العهد الجديد. ومن ناحية أخرى نجد أن رسول الإسلام هو المسئول عن العقيدة الإسلامية بجانب خلقه الأساسي ومبادئه الأخلاقية. بالإضافة إلى ذلك فإنه لعب الدور الرئيسي في الدعوة إلى الدين الجديد وفي تأسيس التطبيق الديني للإسلام.

  ويضيف " طبقاً لرأي هارت فإن شرف تأسيس المسيحية يجب تقسيمه بين المسيح والقديس بولس. والأخير كما يعتقد هارت هو المؤسس الحقيقي للمسيحية ".

  ويهلل ديدات لذلك ويقول " ما فعله مايكل هارت بوضع المسيح في المرتبة الثالثة يطرح علينا سؤالاً خطيراً وهو لماذا يقدم أمريكي على نشر كتاب من 572 صفحة في أمريكا ويقوم ببيعه بسعر (15) دولار للنسخة وهو بذلك يتجشم عناء إثارة غضب قرائه المحتملين؟ من سيشتري كتابه؟ بالطبع لن يكونوا الباكستانيين أو

- 14 -

شعب بنجلاديش أو العرب أو الأتراك اللهم إلا نسخ قليلة هنا وهناك. ولكن الغالبية العظمى من زبائنه سيكونون من الـ (250) مليون مسيحي والـ (6) مليون يهودي الذين يعيشون في أمريكا. فلماذا إذن يُغضب عملاءه؟ ألم يسمع القول الشائع أن الزبون دائماً على حق؟ بالطبع قد سمع ذلك فلماذا إذن هذا الاختيار المتحدي؟  ولكنني قبل أن أغلق هذا الملف الخاص بهارت سأسمح له أن يقدم اعتذاره الأخير عن تهوره:

 " إن اختياري لرسول الإسلام ليأتي في المرتبة الأولى من قائمة أكثر أشخاص العالم تأثيراً في البشرية قد يدهش بعض القراء وقد يعترض عليه البعض ولكنه كان الرجل الوحيد في التاريخ الذي حقق نجاحاً بارزاً على كل من المستوى الديني والدنيوي ".

  وقد كتب هذا الرجل - غير المتخصص في الدراسات الدينية أو مقارنة الأديان أو الفلسفة أو التاريخ - رأيه الشخصي في مائة شخصية أثرت في البشرية سواء بطريقة إيجابية أو سلبية، ورأيه الشخصي هذا يخصه هو وحده بالطبع ولا يلزم به أحد، كما لا يمكن أن يتخذ حجة سواء لصالح أو ضد أحد، فهو مجرد رأي عبر به عما دار في خاطره وبناء على مجرد افتراضات أفترضها هو لنفسه.  

 ولكن أنصافاً للحقيقة نقول أن مايكل هارت نفسه يؤكد على عكس ما يراه هؤلاء: (1) فهو يؤكد على أنه لا يقدم لائحة بمن هو الأعظم والأسمى روحياً وأخلاقياً، بل من هو الأكثر نفوذاً مهما كانت أفعاله، سواء كانت صالحة أم شريرة !! فيقول في المقدمة " يجب أن أؤكد بقوة أن هذه اللائحة هي قائمة الشخصيات الأكثر نفوذا في التاريخ، وليست لائحة أكثرهم عظمة 000 مثلا يجد المرء مكانا في لائحتي لرجل كبير النفوذ عديم الاستقامة والإحساس نظير ستالين ولكنك لا تجد مكانا للقديسة الأم كابريني. أن هذا الكتاب يدور فقط حول السؤال: ما هي المائة شخصية التي كان لها أكبر الأثر على التاريخ وسير العالم؟ 000 أن هذه اللائحة من الشخصيات الفذة – سواء كانت نبيلة أو طالحة يلحقها اللوم، أكانت شهيرة أم

- 15 -

غير معروفة، براقة أم متواضعة تبقى لا محالة مشوقة " !!

  وهنا يؤكد هارت أن ترتيبه لا يعتني لا بالعظمة ولا بسمو الأخلاق ! بل يعتني فقط بالتأثير على أكبر عدد ممكن من الناس في أزمنة وأماكن مختلفة سواء كان تأثيرها سلبيا أو إيجابيا، خيراً أم شراً !!

(2) ويؤكد هارت على أن وضعه للرب يسوع المسيح كرقم ثلاثة في قائمته لا يعني أن الأول أو الثاني أعظم منه روحيا أو أخلاقيا، بل يقول " لا الصيت ولا الموهبة (العبقرية) ولا سمو الأخلاق ترادف النفوذ. وهكذا لم يوضع في هذه القائمة أي من بنيامين فرانكلين ومارتن لوثر كنج وبيب روث وحتى ليوناردو دافنشي 000 ومن جهة أخرى، لا يكون النفوذ دائما إيجابيا أو بنية سليمة أن عبقريا شريرا مثل هتلر وارد في هذه اللائحة " !! ولذا فقد قال صراحة في أنه لم يفكر أن الأول " كان رجلا أعظم من يسوع ". ولخص رأيه كالآتي " لقد وضعتُ محمداً أعلى من يسوع (أي: قبله في اللائحة) كان ذلك على الأغلب، لاعتقادي بأن محمداً كان يتمتع بتأثير شخصي في صياغة الإسلام أكثر من يسوع في صياغة الدين المسيحي. وهذا طبعاً لا يعني أني أفكر أن محمداً كان رجلاً أعظم من يسوع ". بل والأغرب من ذلك أنه يصف نبي المسلمين والديكتاتور السوفيتي ستالين الدموي بعبارة واحدة هي " ديكتاتور – Dictator "؛ فيقول: " أما في المدينة فقد آمن بمحمد كثيرون، واكتسب نفوذاً جعله حاكماً مطلقاً (Dictator) ". مستخدماً الكلمة بالإنكليزية Dictator وهي نفس الكلمة التي يستخدمها " هارت " في أول كلامه عن " ستالين " (ص 324): " ستالين كان لسنين عديدة " دكتاتور " الاتحاد السوفيتي " !! فكيف فات ذلك على هؤلاء الذين هللوا لكتابه؟؟!!

  وما جعل هذا الرجل، مايكل هارت، لا يضع الرب يسوع كالأول في هذه القائمة باعتباره الأسمى والأعظم روحيا وأخلاقيا هو عدم فهمه لحقيقة المسيحية بالرغم من أنه مسيحي كاثوليكي ! فهو ليس من رجال الدين ولا من علماء

- 16 -

اللاهوت ولا أعتقد أنه تمكن من قراءة المسيحية أو غيرها قراءة تجعل لأراءه قيمة في هذا المجال، فهو متخصص في علوم الرياضيات والفلك والشطرنج ومحام ولكن ليست لديه دراية تذكر لا بالكتاب المقدس ولا بالكتب الدينية الأخرى سواء  كانت مسيحية أو غير مسيحية. ومن هنا جاء عدم فهمه لحقيقة  المسيحية إذ تصور أن عدم قيام المسيح بدور سياسي أو عسكري أو كتابته لكتاب يقلل من دوره في تأسيس المسيحية ونسب الفضل الأكبر في تأسيس المسيحية للقديس بولس !! دون أن يدرى أن كل ما كتب في العهد الجديد هو عن شخص المسيح وحقيقة ربوبيته للكون وفدائه الأبدي الذي قدمه للبشرية، كقول الكتاب المقدس " وآيات أخر كثيرة صنع يسوع قدام تلاميذه لم تكتب في هذا الكتاب. وأما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه " (يو30:20، 31). كما أن المسيح لم يأت ليكون له نفوذ مادي بل كان هو رب الكل ومملكته سمائية روحية فهو ملك الملوك ورب الأرباب كقوله " مملكتي ليست من هذا العالم " (يو36:18). وأن بولس الرسول لم يكن إلا رسولا للمسيح يعمل ما يوجهه ويذهب إلى حيث يقول له " بولس رسول لا من الناس ولا بإنسان بل بيسوع المسيح " (غل1:1). وقد كرر في جميع رسائله أنه خادم ورسول وعبد للمسيح وأن هدف وغاية خدمته هي مجد المسيح:

U " بولس عبد ليسوع المسيح المدعو رسولا المفرز لإنجيل الله " (رو1:1).

U " بولس المدعو رسولا ليسوع المسيح بمشيئة الله " (1كو1:1).

U " ألعل بولس صلب لأجلكم. أم باسم بولس اعتمدتم " (1كو13:1).

U  " بولس رسول يسوع المسيح بمشيئة الله " (2كو1:1؛كو1:1؛2تي1:1؛ أف1:1).

U " بولس وتيموثاوس عبدا يسوع المسيح " (في1:1).

U " بولس رسول يسوع المسيح " (1تي1:1).

U " بولس عبد الله ورسول يسوع المسيح " (تي1:1).

U " بولس أسير يسوع المسيح " (فل1:1).

- 17 -

  ونختم بقول الرسول بولس نفسه " لان لي الحياة هي المسيح والموت هو ربح 000 لي اشتهاء أن انطلق وأكون مع المسيح. ذاك افضل جدا " (في1:21و23).

  ولذا فنحن نرفض أمثال هذه الكتابات التي لم تفهم طبيعة شخص المسيح ولا طبيعة رسالته الروحية والأخلاقية والفدائية السامية وتضعه في قائمة واحدة مع شخصيات شريرة ودموية من أمثال ستالين الدموي الرهيب الذي غدر بكل أصحابه قبل أعدائه وهتلر النازي الذي دمر بلاده وكان السبب في قتل ملايين الناس وجنكيز خان الدموي الذي كان يقتل بلا شفقة أو رحمة !! فما يقوله هذا الكاتب يخالف تماما كل ما كُتب عن المسيح سواء من المؤمنين بلاهوته أو غير المؤمنين به. بل ويخالف ما رآه الفلاسفة العقلانيون والماديون وغير المؤمنين بالوحي أو وجود الله والنقاد في شخص المسيح والذين نظروا إليه نظرات خاصة تراوحت بين قولهم أنه الكائن أو الإنسان السوبر الذي لم يوجد له مثيل عبر التاريخ، سواء في أسلوبه وأخلاقه أو في تعاليمه التي فاقت ما يمكن أن ينادي أو يعلم به بشر !! وبين قولهم أن شخصية بهذا الكيان والأسلوب لا يمكن أن تكون قد وجدت في التاريخ وإنما هو أسطورة من الأساطير !!(1)

3 – أقول لبعض علماء اللاهوت وغيرهم من العقلانيين(2):

? يقول الكاتب الشهير تيم لاهاي " إن أي شخص سمع عن يسوع كان له رأي فيه. وهذا أمر متوقع، لأنه ليس فقط أشهر شخص في التاريخ، لكنه أيضاً أكثر شخصية دار حولها الجدل ".

? ويتفق فيليب يانسي مع هذا الرأي قائلاً " إن جميع النظريات الفاسدة عن يسوع والتي ظهرت بشكل تلقائي منذ يوم موته لا تؤكد سوى المخاطرة الجسيمة التي خاضها الله عندما مدَّد ذاته على طاولة التشريح - وهي مخاطرة كان يرحب بها، قائلاً " افحصوني. اختبروني. ولكم القرار ".

? ويقول جوش ماكدويل : يدعونا كُتَّاب الكتاب المقدس أن نفحص شخص يسوع بأنفسنا ونقرر بأنفسنا أهميته. ولكننا لا يمكن أن نركز بحثنا في تعاليمه أو أعماله فقط. فأولاً وقبل كل شيء ، يجب أن نركز البحث في هويته.

   من الواضح أن السؤال من هو يسوع؟ لا يقل أهمية عن ماذا فعل؟.

  " إن التحدي الذي تفرضه شهادة العهد الجديد ليسوع بالنسبة للأجيال المتعاقبة ليس هو " بماذا علَّم يسوع؟ " بقدر ما هو " من هو يسوع؟ " وما علاقته بنا؟ ".

  فمن هو يسوع؟ وأي نوع من الأشخاص هو؟

  " إن تصريحات يسوع لو نطق بها أي شخص آخر لكانت تدل على جنون العظمة، لأن يسوع يعلن بوضوح أن العالم كله يدور حول شخصه وأن مصير البشر جميعاً يعتمد على قبولهم أو رفضهم له ".

? وكتب توماس شولتس قائلاً " لم يعلن أي قائد ديني معروف مثل موسى أو بولس أو بوذا أو كونفشيوس 000 وغيرهم، أنه الله إلا يسوع المسيح. فالمسيح هو القائد الديني الوحيد الذي أعلن عن ألوهيته وهو الشخص الوحيد الذي أقنع قسماً كبيراً من العالم بأنه الله ".

? كيف يمكن لإنسان أن يجعل الآخرين يعتقدون أنه الله؟ يقول لنا ف. چ. ملدو " كانت تعاليمه نهائية وقطعية فوق تعاليم موسى والأنبياء. فلم يكن يضيف لتعاليمه أفكاراً أو ينقحها فيما بعد، ولم يتراجع عنها أو يغيرها أبداً، ولم يكن يظن أو يتحدث عن غير يقين. وهذا كله يخالف المعلمين من البشر وتعاليمهم ".

? أضف إلى ما سبق رأي فوستر " ولكن السبب الرئيسي الذي أدى مباشرة إلى القتل الشائن للمعلم الجليلي كان تصريحه غير المعقول بأنه، وهو ابن النجار البسيط الذي يعيش وسط النجارة والنشارة في ورشة أبيه، كان بالحقيقة الله الظاهر في الجسد ".  

وربما قال شخص " بالطبع فإن وصف يسوع في الكتاب المقدس جاء على هذا النحو لأنه كتب بأيدي أتباعه الذين أرادوا أن يخلِّدوا ذكراه ". إلا أننا لو أغفلنا

- 19 -

الكتاب المقدس كله، لا نكون بذلك قد أغفلنا كافة البراهين، كما رأينا في المصادر التاريخية التي تذكر يسوع وأعماله وتعاليمه. يقول وليم روبنسون " لو تناولنا هذه المسألة من منطلق تاريخي موضوعي، فإننا نجد أنه حتى المصادر التاريخية العلمانية تؤكد أن يسوع عاش على الأرض وأن العبادة كانت تقدم له كإله. وقد أسس الكنيسة التي ظلت تتعبد له على مدى 1900 عام. لقد غيَّر مجرى التاريخ العالمي ".

  ولندرس الآن البرهان الذي يعتمد على شهادة يسوع القانونية عن نفسه أثناء محاكمته في محكمة بشرية.

? ويقول القاضي جينور رجل القضاء الضليع بمحكمة نيويورك، في حديثه عن محاكمة يسوع " إن التجديف كان هو الاتهام الموجَّه ليسوع أمام مجمع السنهدريم، يتضح من نصوص الإنجيل أن الجريمة المزعومة التي حوكم يسوع من أجلها وصدر الحكم عليه كانت التجديف 00 لقد أعلن يسوع عن قواه الخارقة للطبيعة التي تعتبر بالنسبة لكائن بشرى تجديف " (ويشير إلى يوحنا 10: 33).

? ويقول أ. ت. روبرتسون عن أسئلة الفريسيين له " يقبل يسوع التحدي ويقر بإعلانه، إنه هو الثلاثة معاً (المسيا، ابن الإنسان، ابن الله). أما تعبير " أنت تقول " فهو مصطلح يوناني يعني (نعم) (قارن ذلك مع عبارة " أنا هو " في مرقس 14: 62، " أنت قلت " في متى 26: 64).

? إن إجابة يسوع هي التي دفعت رئيس الكهنة لتمزيق ثيابه. ويوضح هـ. ب. سويتي مغزى رد الفعل هذا " كان الناموس يحظر على رئيس الكهنة أن يمزق ثيابه في النزاعات الخاصة " (لا10:6؛21:10)، ولكن بصفته قاضياً فقد جرى العرف على أن يعبر بهذه الطريقة عن فزعه إزاء أي تجديف يصدر في محضره. فيتضح هنا وبهذه الطريقة تخفيف القاضي لمشاعره المتأذية. وإن لم يكن للدليل القاطع أن  يظهر سريعاً، فإن الضرورة لا تقتضيه الآن: لقد أدان المتهم نفسه.

? ويشير إروين لينتون المحامي إلى ذلك قائلاً " تختلف هذه المحاكمة عن سائر

- 20 -

المحاكمات الجنائية حيث أن لب القضية ليس أفعال المتهم ولكن هويته. فالتهمة الجنائية الموجهة للمسيح، والاعتراف أو الشهادة أو بالحري السلوك الذي أبداه في محضر المحكمة، والذي أُدين على أساسه، واستجواب الحاكم الروماني، والكتابة التي عُلِّقت فوق الصليب وقت تنفيذ الحكم تتصل جميعها بهذه المسألة الواحدة وهي شخصية يسوع الحقيقية وهويته. " ماذا تظنون في المسيح؟ ابن من هو؟ ".

? ويوضح فرانك موريسون الذي كان قبلاً متشككاً أن " يسوع الناصري حكم عليه بالموت، ليس على أساس شهادة خصومه، ولكن على أساس اعتراف انتزع منه تحت القسم ".

? ويضيف هيلارين فيلدر " إن دراسة محاكمة يسوع كافية كي تعطينا القناعة التامة بأن المخلَّص أعترف بألوهيته أمام القضاة ".

? وعن محاكمة يسوع قال سيمون جرينلف، الذي كان أستاذا للقانون في هارفارد والمحامي الشهير " ليس من السهل تصوير الأدلة التي يمكن من خلالها الدفاع عن سلوكه أي محكمة إلا من خلال تلك التي تستند إلى طبيعته الفائقة. ويمكننا أن نفهم أنه لا يمكن لأي محامي أن يفكر في تأسيس دفاعه على أي أساس آخر ".

? ويتناول س . ج . مونتيفور العبارة التي تلي اعتراف المسيح بألوهيته أمام رئيس الكهنة بالتحليل قائلاً " إن تعبيري " ابن الإنسان " (الذي تردد على لسانه كثيراً) و " عن يمين القوة " 000 (وهي تعبير عبري خاص يدل على ألوهيته) يدلان على أن جواب يسوع يتفق تماماً مع مغزى الحديث وأسلوبه ".

? كتب أيضاً كريج بلومبرج الكاتب والعالم الشهير للعهد الجديد قائلاً " ربما وجَّه يسوع الاتهام إلى المحققين معه بصياغته للأمور على هذه الصورة. ولكنه لا يتوقف عند هذا الحد فهو يمضي قائلاً " وسوف تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة وآتياً على في السماء " (مر14 :62). وهذا الجواب يتضمن إشارة إلى    (دانيال 7: 13 ومزامير 110: 1). وهنا تعني عبارة " ابن الإنسان " أكثر من مجرد إنسان. فيسوع يصف نفسه بعبارة دانيال " وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان أتى وجاء

- 21 -

إلى القديم الأيام فقربوه قدامه فأعطى سلطاناً وقوة على البشرية كلها حتى تخضع لسلطانه المسكونة كلها إلى الأبد " (دانيال 7: 13 و14). إن هذا التصريح يؤكد بأنه أكثر من مجرد إنسان عادي قد استلزم صدور حكم التجديف من قِبَل المحكمة اليهودية العليا ".

? وكتب ف. ف. بروس، الأستاذ بجامعة مانشستر بإنجلترا " إن رؤيا دانيال تشير ضمنياً، إذ لم يكن صراحة، إلى أن هذا الكائن كان متوَّجاً 000 ربط يسوع بين هذين النصين الكتابيين عندما تحدَّاه رئيس الكهنة اليهودي أن يعلن عن هويته".  

? ويخلص وليم تشيلدز روبنسون إلى أن " كل من هذه التصريحات (الثلاثة) خاصة بالمسيا. والتأثير المركَّب لها معاً في غاية الأهمية والخطورة ".

? ويعلق هورشيل هوجس قائلاً " أدرك أعضاء السنهدريم ما أشار إليه فوجهوا له سؤالاً واحداً " هل أنت ابن الله " وكان سؤالهم يحمل معنى إيجابياً، وكأنه إقرار منهم بلاهوته، ولهذا أجابهم يسوع " أنت قلت إني أنا هو "، وهكذا جعلهم يعترفون بلاهوته قبل أن يحكموا عليه بالموت. لقد كانت خطة بارعة من جانب يسوع، فلم يمت على أساس شهادته عن نفسه فحسب، بل أيضاً على أساس اعترافهم بلاهوته. ولم تعد هناك حاجة إلى مزيد من الشهود، لأنهم قد سمعوه بأنفسهم، فأدانوه بما نطق به هو. كما أنه أدانهم بما نطقوا به. فلا يمكنهم القول بأنهم لم يصرِّحوا أن ابن الله مستحق الموت ".

? وكتب روبرت أندرسون " ليس هناك دليل أكثر إقناعاً من شهادة الخصوم. وحقيقة أن الرب أعلن ألوهيته بأسلوب ثابت بلا نزاع بشهادة أعدائه. وينبغي لنا أن نتذكر أن اليهود لم يكونوا مجموعة من البرابرة الجهلاء ولكنهم كانوا قوماً على قدر عال من الثقافة والتدين، وعلى أساس هذا الاتهام حكم مجلس السنهدريم بموته  بالإجماع - وهو المجلس الوطني الأعلى لديهم والذي يتألف من أبرز القادة الدينيين

مثل غمالائيل وتلميذه شاول الطرسوسي ".

- 22 -

? ويلقي هيلارين فيلدر مزيداً من الضوء على الحكم الذي فرضه الفريسيون على أنفسهم " ولكن بما أنهم يدينون المخلِّص كمجدِّف على أساس اعترافه، فإن القضاة يبرهنون رسمياً وبقسم أن يسوع اعترف ليس فقط بأنه الملك والمسيا وابن الله كإنسان، ولكن أيضاً أنه المسيا الإلهي وابن الله بالجوهر، وعلى أساس هذا الاعتراف حكم عليه بالموت ".

والسؤال الأخير الذي نسأله هنا هو: ما مدى تأثير يسوع المسيح على العالم والتاريخ؟ ونجيب من خلال تعليمه هو نفسه القائل " ومتى جاء ابن الإنسان في مجده وجميع الملائكة القديسين معه فحينئذ يجلس على كرسي مجده. ويجتمع أمامه جميع الشعوب فيميّز بعضهم من بعض كما يميّز الراعي الخراف من الجداء. فيقيم الخراف عن يمينه والجداء عن اليسار. ثم يقول الملك للذين عن يمينه تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم. لأني جعت فأطعمتموني. عطشت فسقيتموني. كنت غريبا فآويتموني. عريانا فكسيتموني. مريضا فزرتموني. محبوسا فأتيتم إليّ. فيجيبه الأبرار حينئذ قائلين. يا رب متى رأيناك جائعا فأطعمناك. أو عطشانا فسقيناك. ومتى رأيناك غريبا فآويناك. أو عريانا فكسوناك. ومتى رأيناك مريضا أو محبوسا فأتينا إليك. فيجيب الملك ويقول لهم الحق أقول لكم بما أنكم فعلتموه بأحد اخوتي هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم ثم يقول أيضا للذين عن اليسار اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته. لأني جعت فلم تطعموني. عطشت فلم تسقوني. كنت غريبا فلم تؤووني. عريانا فلم تكسوني. مريضا ومحبوسا فلم تزوروني. حينئذ يجيبونه هم أيضا قائلين يا رب متى رأيناك جائعا أو عطشانا أو غريبا أو عريانا أو مريضا أو محبوسا ولم نخدمك. فيجيبهم قائلا الحق أقول لكم بما أنكم لم تفعلوه بأحد هؤلاء الأصاغر فبي لم تفعلوا. فيمضي هؤلاء إلى عذاب ابدي والأبرار إلى حياة أبدية " (مت25:31-46).

 

- 23 -

الفصل الثاني

عظمة المسيح وسموه

على البشر والأنبياء والملائكة

1 – المسيح هو رب الكل:

  يشهد الكتاب المقدس عن الرب يسوع المسيح أنه " الرب من السماء " (1كو15:47)، ويقول أيضاً " يسوع المسيح. هذا هو رب الكل " (أع1036). رب الملائكة والبشر "، لذلك رفعه الله أيضا وأعطاه اسما فوق كل اسم لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب " (في5:9-11).

  ولكي يوضح الرب يسوع المسيح هذه الحقيقة بنفسه قام بهذا الحوار مع رؤساء اليهود: " وفيما كان الفريسيون مجتمعين سألهم يسوع قائلا ماذا تظنون في المسيح ؟ ابن من هو ؟ قالوا له ابن داود. قال لهم فكيف يدعوه داود بالروح ربا قائلا. قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئا لقدميك. فان كان داود يدعوه ربا فكيف يكون ابنه ؟ فلم يستطع أحد أن يجيبه بكلمة. ومن ذلك اليوم لم يجسر أحد أن يسأله بتة  " (مت42:22ـ46). فهو هنا يؤكد بنفسه أنه رب داود ! ولأنه رب داود فهو، كما يعلن هو بنفسه، أعظم من جميع الأنبياء، بل وأعظم من كل ما في الكون من كائنات.

  فهو رب داود كما أوضح هو نفسه، ورب داود هو إله داود كما يقول الكتاب " اسمع يا إسرائيل. الرب إلهنا رب واحد " (تث4:6). والكتاب يؤكد لنا أن الرب يسوع هو هذا الإله الواحد " ورب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء ونحن به " (1كو6:8). أنه رب داود ورب جميع الأنبياء والبشر " رب الكل " (أع36:10).

- 24 -

  إذا كان هو رب الكل فكيف أعطاه الكتاب لقب نبي، كما قيل عنه " فقالت الجموع هذا يسوع النبي الذي من ناصرة الجليل " (مت11:21).  

  والإجابة هي أنه هو رب الكل ولكنه عندما تجسد وصار بشراً مارس مهمة النبي، لذا لم يكن مجرد نبيً كسائر الأنبياء، إنما هو أعظم من جميع الأنبياء، فهو رب الكل، كما أكد هو نفسه، أنه أعظم من جميع الأنبياء:

2 – أعظم من إبراهيم أبي الآباء والأنبياء:

  كان هدف ومحور دعوة الله لإبراهيم هي أن يأتي من نسله المسيح لتتبارك فيه جميع أمم وشعوب وقبائل الأرض " وقال الرب لإبرام اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك. فأجعلك أمة عظيمة وأباركك واعظم اسمك وتكون بركة. وأبارك مباركيك ولاعنك العنه. وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض " (تك12:1-3). وأكد له هذا الوعد ثانية قائلاً " ويكون نسلك كتراب الأرض وتمتدّ غربا وشرقا وشمالا وجنوبا. ويتبارك فيك وفي نسلك جميع قبائل الأرض " (تك14:28). وأكده مرة ثالثة بعد طاعته له عندما طلب منه أن يقدم اسحق محرقة وقال له " ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض. من اجل انك سمعت لقولي " (تك22:18). وأعطى الله نفس هذا الوعد لأسحق وقال له " واكثر نسلك كنجوم السماء وأعطي نسلك جميع هذه البلاد وتتبارك في نسلك جميع أمم الأرض " (تك26:4). وكرر الوعد نفسه ليعقوب " ويكون نسلك كتراب الأرض وتمتدّ غربا وشرقا وشمالا وجنوبا. ويتبارك فيك وفي نسلك جميع قبائل الأرض " (تك28:14). وأكد العهد الجديد أن هذا النسل الموعود كان هو المسيح " والكتاب إذ سبق فرأى أن الله بالإيمان يبرر الأمم سبق فبشر إبراهيم أن فيك تتبارك جميع الأمم 000 لتصير بركة إبراهيم للأمم في المسيح يسوع لننال بالإيمان موعد الروح 000 وأما المواعيد فقيلت في إبراهيم وفي نسله. لا يقول وفي الأنسال كأنه عن كثيرين بل كأنه عن واحد وفي نسلك الذي هو المسيح " (غل3:8 و14 و16).

- 25 -

  كان المسيح هو رجاء وأمل وانتظار إبراهيم وأسحق ويعقوب، وعندما سأله اليهود قائلين " ألعلك أعظم من أبينا إبراهيم الذي مات ؟ " فقال لهم " أبوكم إبراهيم تهلّل بأن يرى يومي فرأى وفرح ! فقال له اليهود ليس لك خمسون سنة بعد. أفرأيت إبراهيم ؟ قال لهم يسوع الحق الحق أقول لكم قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن. فرفعوا حجارة ليرجموه. أما يسوع فاختفي وخرج من الهيكل مجتازا في وسطهم ومضى هكذا " (يو51:8ـ59).

  وهنا أثار قوله " قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن " غضب اليهود وجعلهم يحنقون عليه ويقررون موته رجماً بالحجارة " فرفعوا حجارة ليرجموه ". لماذا ؟ لأنهم فهموا من عبارته " قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن "، وتعبير " أنا كائن " هو التعبير الذي عبر به الله عن نفسه وعن اسمه لموسى النبي (خر14:3)، أنه كان موجودا قبل أن يوجد إبراهيم الذي وجد قبل التجسد بحوالي 2000 سنة، أي أنه يؤكد على وجوده السابق قبل إبراهيم وهذا يعني أنه كان كائناً في السماء وانه هو الرب الذي كلم موسى النبي(1).

3 - أعظم من يعقوب:

  وعندما سألته المرأة السامرية " ألعلك اعظم من أبينا يعقوب الذي أعطانا البئر وشرب منها هو وبنوه ومواشيه. أجاب يسوع وقال لها. كل من يشرب من هذا الماء يعطش أيضا. ولكن من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد. بل الماء الذي أعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية " (يو12:4، 13). فقد حفر أبونا يعقوب بئرا ليشرب منها هو وبنوه، وهذا عمل يمكن أن يقوم به أي بشر، أما الماء الحي المؤدي للحياة الأبدية والذي يعطيه الرب يسوع المسيح لا يقدر عليه أحد سواه، فهو الحي ومعطي الحياة، لذا يقول عن نفسه " أني أنا حيّ فانتم ستحيون " (يو14:19)، فهو الحياة ومعطي الحياة " فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس " (يو4:1)، الحياة، أي الوجود، والحياة الأبدية، كما قال له القديس بطرس بالروح " يا رب إلى من نذهب. كلام الحياة الأبدية عندك " (يو68:6)، وكما قال هو عن نفسه " أنا هو نور العالم. من يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة " (يو12:8).

4 -  سيد ورب موسى:

  ويقول الكتاب في الرسالة إلى العبرانيين في المقارنة بين المسيح وموسى " من ثم أيها الاخوة القديسون شركاء الدعوة السماوية لاحظوا رسول اعترافنا ورئيس كهنته المسيح يسوع حال كونه أمينا للذي أقامه كما كان موسى أيضا في كل بيته. فان هذا قد حسب أهلا لمجد اكثر من موسى بمقدار ما لباني البيت من كرامة اكثر من البيت. لان كل بيت يبنيه إنسان ما ولكن باني الكل هو الله. وموسى كان أمينا في كل بيته كخادم شهادة للعتيد أن يتكلم به. وأما المسيح فكابن على بيته. وبيته نحن أن تمسكنا بثقة الرجاء وافتخاره ثابتة إلى النهاية " (عب1:3ـ6). إذا فالفرق بين المسيح وموسى النبي هو الفرق بين ابن صاحب البيت ووارثه، الذي هو المسيح ابن الله، والخادم الذي يقوم بخدمة صاحب البيت وابنه، والخادم هنا هو موسى النبي، وبيت الله هو نحن. ومن ثم فالمسيح أعظم من موسى كقوله " الحق الحق أقول لكم انه ليس عبد اعظم من سيده ولا رسول اعظم من مرسله " (يو16:13).

5 - أعظم من الهيكل ومن جميع البشر:

  وكما وصف الرب يسوع  المسيح نفسه بأنه أعظم من الكل، أعظم من سليمان، إذ قال عن نفسه " هوذا اعظم من سليمان ههنا " (لو31:11)، وأعظم من يونان " هوذا اعظم من يونان ههنا " (لو11:32) , أعظم من الهيكل " ولكن أقول لكم أن ههنا اعظم من الهيكل " (مت6:12).

- 27 -

  وبالرغم من أنه، الرب يسوع المسيح، وصف يوحنا المعمدان كـ " أعظم مواليد النساء " (مت11:11)، فقد قال يوحنا عنه " أنا اعمد بماء. ولكن في وسطكم قائم الذي لستم تعرفونه. هو الذي يأتي بعدي الذي صار قدامي الذي لست بمستحق أن احل سيور حذائه 000 وفي الغد نظر يوحنا يسوع مقبلا إليه فقال هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم. هذا هو الذي قلت عنه يأتي بعدي رجل صار قدامي لأنه كان قبلي 000 وأنا قد رأيت وشهدت أن هذا هو ابن الله " (يو26:1ـ34).  

  ويقدم لنا القديس بولس بالروح شخص الرب يسوع المسيح في مقارنة رائعة بينه وبين جميع الكائنات والمخلوقات في السماء وعلى الأرض فيقول بالروح " الله بعد ما كلم الآباء بالأنبياء قديما بأنواع وطرق كثيرة. كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه الذي جعله وارثا لكل شيء الذي به أيضا عمل العالمين. الذي وهو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته بعدما صنع بنفسه تطهيرا لخطايانا جلس في يمين العظمة في الأعالي " (عب1:1-4).

  وهنا يؤكد لنا أن المسيح يتميز عن الأنبياء بسبع مميزات هي:

1 - المسيح هو ابن الله الوحيد " أبنه " الذي من ذاته.

2 - ولأنه الابن الوحيد فهو الوارث لكل شيء في الكون " الذي جعله وارثا لكل شيء ".

3 - وهو الخالق ؛ خالق الكون " العالمين ". ومن ثم فهو الوارث لكل شيء لأنه خالق كل شيء.

4 - وهو بهاء مجد الله، شعاع مجد الله، مثل شعاع الشمس الصادر عن الشمس دون أن ينفصل عنها، فهو نور من نور.

5 - كما أنه رسم جوهر الله، صورة جوهر الله، صورة الله الغير منظور،

- 28 -

الكائن في صورة الله، الصورة المعبرة لذات الله، الصورة التي تعبر عن صاحبها، صورة الله الذي هو الله ظاهرا.

6 - حامل كل الأشياء في الكون، مدبر الكون ومديره ومحركه وضابط نواميسه. فهو خالقه ومدبره.

7 - الجالس في يمين العظمة في الأعالي، أي الجالس على العرش الإلهي، كالإله المتجسد بعد أن قدم بدمه كإنسان الفداء لكل البشرية.

6 – أعظم من الملائكة:

  وبالإضافة إلى تميز المسيح عن جميع المخلوقات، سواء الملائكة والبشر، بالمميزات المذكورة أعلاه، يضع الكتاب المقارنة التالية بين المسيح والملائكة، فيقول: " صائرا اعظم من الملائكة بمقدار ما ورث اسما افضل منهم. لأنه لمن من الملائكة قال قط أنت ابني أنا اليوم ولدتك. وأيضا أنا أكون له أبا وهو يكون لي ابنا. وأيضا متى ادخل البكر إلى العالم يقول ولتسجد له كل ملائكة الله. وعن الملائكة يقول الصانع ملائكته رياحا وخدامه لهيب نار. وأما عن الابن كرسيك يا الله إلى دهر الدهور. قضيب استقامة قضيب ملكك. أحببت البر  وأبغضت الإثم من اجل ذلك مسحك الله إلهك بزيت الابتهاج اكثر من شركائك. أنت يا رب في البدء أسست الأرض والسموات هي عمل يديك. هي تبيد ولكن أنت تبقى وكلها كثوب تبلى وكرداء تطويها فتتغيّر ولكن أنت أنت وسنوك لن تفنى. ثم لمن من الملائكة قال قط  اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئا لقدميك. أليس جميعهم أرواحا خادمة مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص " (عب5:1ـ8).

(1) أنه، المسيح، ورث اسماً أفضل منهم، من الملائكة، وهذا الاسم هو " الابن " ابن الله، ابن الله الوحيد، الذي لم يتسمّ به أحد مطلقا، سواء في السماء أو على

- 29 -

الأرض، فقد دعي الملائكة وبعض البشر بأبناء الله، ولكن لم يدع أحدهم مطلقا بابن الله، كما أن المسيح هو " الابن الوحيد الذي في حضن الآب " (يو18:1) ومن ذات الآب، صورة الله الآب وبهاء مجده ورسم جوهره.

(2) ثم يؤكد تفرد المسيح، الابن، ابن الله الوحيد، الفريد في جنسه، بقوله " لأنه لمن من الملائكة قال قط أنت ابني أنا اليوم ولدتك ".

(3) وأيضا " أنا أكون له أبا وهو يكون لي ابنا ".

(4) وهو البكر الذي تسجد له جميع ملائكة الله، والبكر هنا بمعنى البكر من الأموات. والكتاب هنا يكشف لنا عن لقبين للمسيح أعلنا بعد التجسد، لقب الابن الذي لم يعلن عنه إلا بعد التجسد، ولقب البكر الذي أُعطي له بالقيامة من الأموات، باعتباره باكورة القيامة من الأموات. ويقول الكتاب أيضا " الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلا للّه لكنه أخلى نفسه آخذا صورة عبد صائرا في شبه الناس. وإذ وجد في الهيئة كانسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب. لذلك رفعه الله أيضا وأعطاه اسما فوق كل اسم لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب " (في6:2-11).

  فالمسيح بالتجسد " أفتقر وهو الغني " (2كو9:8)، " وضع نفسه "، " وُضع قليلاً عن الملائكة " (عب9:2)، ولكنه أرتفع مرة أخرى وعاد لمجده السابق بالقيامة من الأموات.

(5) لذا فالفرق بيته وبين الملائكة هو الفرق بين الجالس على عرش العظمة في السموات، بين الخالق والخليقة.

(6) هو الخالق الحي إلى الأبد الباقي الذي لا يفنى ولا نهاية له.

(7) هو الجالس عن يمين العظمة في الأعالي، وهم، الملائكة، خدام الله وخدام

- 30 -

الوارثين للخلاص.

7 – نسب المسيح في القرآن:

  ولد المسيح من بني إسرائيل الشعب الذي فضله الله واصطفاه على العالمين " إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ " (آل عمران:33). " وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ " (البقرة:132).

  وأعطاه الله العهد والنبوة وأنعم عليه بنعمته وأيده بالمعجزات وأنزل عليه التوراة والهدى وأورثه الكتاب والحكم والنبوة " يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ " (البقرة:40). " يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ " (البقرة:47و122). " يَا بَنِي إِسْرائيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى " (طـه:80). " سَلْ بَنِي إِسْرائيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ " (البقرة:211). " وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرائيلَ الْكِتَابَ " (غافر:53). " وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرائيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ " (الجاثـية:16).  

  وجاء من نسل إبراهيم اسحق ويعقوب الذي جعل الله في ذريتهما النبوة " وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ " (العنكبوت:27). " وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلّاً هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ " (الأنعام:84). " وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلّاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ " (الانبياء:72).

  أي أن المسيح ولد من الشعب المختار والأمة المصطفاة التي أنعم عليها الله

- 31 -

وفضلها على العالمين والتي كانت وراثه للكتاب والنبوة " وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ " (البقرة:132). " إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ " (آل عمران:33).

  وكانت أمه العذراء القديسة مريم هي المختارة والمصطفاة على جميع نساء العالمين في الدهر الحاضر والآتي " وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ " (آل عمران:42).

  وكان هو وهي أيضاً آية للعالمين " وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ " (الانبياء:91).

  أي أن المسيح كان مميزاً على كل العالمين بهذا المفهوم القرآني. وهذا ما سنوضحه في الفصول التالية.

 

 

 

 

- 32 -

الفصل الثالث

يسوع المسيح

أو المسيح عيسى ابن مريم

 

1 - أسماء المسيح في القرآن :

ورد اسم المسيح في القرآن بمرادفاته حوالي 35 مرة :

(1) فقد ذكر باسم " المسيح " وحده ثلاث مرات؛ (النساء:172 والمائدة:72 والتوبة:30).

(2) وذكر باسم " المسيح عيسى ابن مريم " ثلاث مرات (آل عمران:45 والنساء:157و171).

(3) وذكر باسم " المسيح ابن مريم " خمس مرات (المائدة:17و72و75 والتوبة:31).

(4) وذكر باسم " عيسى " وحده عشر مرات (آل عمران: 52و55 و59 والزخرف:63 والبقرة:136 وآل عمران:84 والنساء:163 والمائدة:78 والأنعام:85 والأحزاب:7 والشورى:13).

(5) وذكر باسم " ابن مريم " وحده مرتين (المؤمنون: 50والزخرف:57).

(6) وذكر باسم " عيسى ابن مريم " ثلاث عشرة مرة (البقرة:87 و253 و المائدة:110و112و114ومريم:34 والصف:6و14و المائدة:46و78 والأحزاب:7).

2 - معنى كلمة المسيح :

  كلمة " مسيح " في اللغة العبرية هي " ماشيح ـ מּשּׁיּח ـ Mashiakh " من الفعل العبري " مشح " أي " مسح " وتنطق بالآرامية " ماشيحا " ويقابلها في اللغة العربية " مسيح " ومعناها، في العهد القديم، الممسوح " بالدهن المقدس "، ونقلت كلمة " ماشيح " إلى اللغة اليونانية كما هي ولكن بحروف يونانية " ميسياس -      Messias -  Мεσσίας" وعن اليونانية نقلت إلى اللغات الأوربية " ماسيا -  Messiah " كما ترجمت الكلمة إلى اليونانية، أيضاً ترجمة فعلية " خريستوس - christos ـ  Хριτός" أي المسيح أو الممسوح، من الفعل اليوناني " خريو -   

- 33 -

chriw" أي يمسح والذي يقابل الفعل العبري " مشح " والعربي " مسح " ، وجاءت في اللاتينية " كريستوس ـ Christos " وعنها في اللغات الأوربية "  Christ".

  وكانت عملية المسح تتم في العهد القديم " بالدهن المقدس " الذي كان يصنع من أفخر الأطياب وأفخر أصناف العطارة وزيت الزيتون النقي (خر22:30ـ31).

  وكان الشخص أو الشيء الذي يدهن بهذا الدهن المقدس يصير مقدساً، مكرساً ومخصصاً للرب، وكل ما يمسه يصير مقدساً. وكان الكهنة والملوك والأنبياء يدهنون بهذا " الدهن المقدس " ليكونوا مقدسين ، مكرسين ومخصصين ، للرب: " وتمسح هرون وبنيه ليكهنوا لي " (خر30:30)، " وآتى رجال يهوذا ومسحوا هناك داود ملكاً على بيت يهوذا " (2صم 4:2)، وقال الرب لإيليا أمسح يا هو بن نمشى ملكاً على إسرائيل وامسح إليشع بن شافاط 000 نبياً عوضاً عنك " (1مل 16:19).

  وكانت عملية المسح تتم بصب الدهن المقدس على رأس الممسوح " مثل الدهن الطيب على الرأس النازل على اللحية لحية هرون النازل إلى طرف ثيابه " (مز133 :2). " فأخذ صموئيل قرن الدهن ومسحه (داود) في وسط أخوته وحل روح الرب على داود من ذلك اليوم فصاعدا " (1صم 13:16).

  وهكذا دعي الكهنة والأنبياء والملوك بـ " مسحاء الرب " (مز15:105)، ومفردها " مسيح الرب " (2صم1:23)، ويصفهم الله بمسحائي " لا تمسّوا مسحائي ولا تؤذوا أنبيائي " (1أخ22:16) ، " لا تمسوا مسحائي ولا تسيئوا إلى أنبيائي لأنهم مُسحوا بالدهن المقدس وحل عليهم روح الرب " (مز15:105).

  ولكن الوحي الإلهي في أسفار العهد القديم يؤكد لنا من خلال نبوات جميع الأنبياء أن هؤلاء " المسحاء " جميعاً، سواء من الكهنة أو الأنبياء أو الملوك، كانوا ظلاً ورمزاً " للنسل الآتي " والذي دعي منذ عصر داود فصاعداً بـ " المسيح "، وكانوا جميعاً متعلقين بهذا المسيح " مسيح المستقبل " الذي سوف يأتي في " ملء الزمان" والذي وصفه الروح القدس في سفر دانيال النبي بـ " المسيح الرئيس " (دا 24:9)، و " المسيح " و " قدوس القدويسين " (دا 25:9)، والذي سوف يكون له وظائف

- 34 -

الكاهن والنبي والملك؛ الكاهن الكامل والنبي الكامل والملك الكامل.

  أما في الإسلام ففهمه العلماء كالآتي:

  قال الطبري في تفسيره جامع البيان " يعنـي: مسحه الله فطهره من الذنوب، ولذلك قال إبراهيـم: الـمسيح الصديق 000 وقال آخرون مسح بالبركة 000 إنـما سمي الـمسيح ، لأنه مسح بـالبركة ".

  وقال الزمخشري " ٱلْمَسِيحُ " لقب من الألقاب المشرفة، كالصدّيق والفاروق، وأصله مشيحاً بالعبرانية، ومعناه المبارك ، كقوله:
" وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً أَيْنَمَا كُنتُ ".

  وقال الطبرسي في تفسيره مجمع البيان في تفسير القران " المسيح: فعيل بمعنى مفعول، وأصلـه أنه مسح من الأقذار وطهر ".

  وجاء في لسان العرب " سمي به (المسيح) لأَنه كان سائحاً فـي الأَرض لا يستقرّ، وقـيل: سمي بذلك لأَنه كان  يمسح بـيده علـى العلـيل والأَكمه والأَبرص فـيبرئه بإذن الله؛ قال الأَزهري: أُعرب اسم  الـمسيح فـي القرآن علـى  مسح، وهو فـي التوراة مَشيحًا، فعُرِّبَ وغُيِّر يعنـي عيسى ابن مريم يقتل الدجال بنَـيْزَكه؛ وقال شمر: سمي عيسى  الـمَسِيحَ لأَنه  مُسِحَ بالبركة؛ وقال أَبو العباس: سميَ  مَسِيحاً لأَنه كان  يَمْسَحُ الأَرض أَي يقطعها. وروي عن ابن عباس: أَنه كان لا  يَمْسَحُ بـيده ذا عاهة إِلاَّ بَرأَ، وقـيل: سمي  مسيحاً لأَنه كان  أَمْسَحَ الرِّجْل لـيس لرجله أَخْمَصُ؛ وقـيل: سمي  مسيحاً لأَنه خرج من بطن أُمه  مـمسوحاً بالدهن "(1).

  وقال الرازي في تفسيره الكبير أو مفاتيح الغيب " وأما قوله تعالى : " ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ " ففيه سؤالان : السؤال الأول : المسيح : هل هو اسم مشتق ، أو موضوع ؟ والجواب : فيه قولان الأول : قال أبو عبيدة والليث : أصله بالعبرانية مشيحا ، فعربته العرب وغيروا لفظه 000

والقول الثاني : أنه مشتق وعليه الأكثرون ، ثم ذكروا فيه وجوهاً الأول : قال ابن عباس : إنما سمي عيسى عليه السلام مسيحاً ؛ لأنه ما كان يمسح بيده ذا عاهة ، إلا برئ من مرضه .

الثاني : قال أحمد بن يحيـى : سمي مسيحاً لأنه كان يمسح الأرض أي يقطعها ، ومنه مساحة أقسام الأرض ، وعلى هذا المعنى يجوز أن يقال : لعيسى مسيح بالتشديد على المبالغة كما يقال للرجل فسيق وشريب .

الثالث : أنه كان مسيحاً ، لأنه كان يمسح رأس اليتامى لله تعالى ، فعلى هذه الأقوال : هو فعيل بمعنى : فاعل، كرحيم بمعنى: راحم .

الرابع : أنه مسح من الأوزار والآثام .

والخامس : سمي مسيحاً لأنه ما كان في قدمه خمص ، فكان ممسوح القدمين .

والسادس : سمي مسيحاً لأنه كان ممسوحاً بدهن طاهر مبارك يمسح به الأنبياء، ولا يمسح به غيرهم . ثم قالوا : وهذا الدهن يجوز أن يكون الله تعالى جعله علامة حتى تعرف الملائكة أن كل من مسح به وقت الولادة فإنه يكون نبياً .

السابع : سمي مسيحاً لأنه مسحه جبريل (ص) بجناحه وقت ولادته ليكون ذلك صوناً له عن مس الشيطان .

الثامن : سمي مسيحاً لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن ، وعلى هذه الأقوال يكون المسيح ، بمعنى : الممسوح 00

السؤال الثاني : المسيح كان كاللقب له ، وعيسى كالاسم فلم قدم اللقب على الاسم؟.
الجواب : أن المسيح كاللقب الذي يفيد كونه شريفاً رفيع الدرجة ، مثل الصديق والفاروق فذكره الله تعالى أولاً بلقبه ليفيد علو درجته، ثم ذكره باسمه الخاص " .

  وقال القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن نفس ما قالوه أعلاه تقريباً " وروِي عن ٱبن عباس أنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برِيء ؛ فكأنه سمي مسيحاً لذلك 000 وقيل : لأنه ممسوح بدهن البركة ، كانت الأنبياء تُمسح به ، طيّبِ الرائحة ؛ فإذا مُسح به عُلم أنه نبيّ . وقيل : لأنه كان ممسوح الأخمصيْن . وقيل : لأن الجمال مسحه ، أي أصابه وظهر عليه . وقيل : إنما سمي بذلك لأنه مسح بالطهر من الذنوب . وقال أبو الهيثم : المسيح ضِد المسيخ ؛ يقال : مسحه الله أي خلقه خلقاً حسناً مباركاً 00 " .

  وقال البيضاوي في تفسيره أنوار التنزيل وأسرار التأويل " المسيح لقبه وهو من الألقاب المشرفة كالصديق وأصله بالعبرية مشيحا معناه : المبارك ، وعيسى معرب ايشوع واشتقاقهما من المسح لأنه مسح بالبركة أو بما طهره من الذنوب ، أو مسح الأرض ولم يقم في موضع، أو مسحه جبريل " .

  وقال ابن كثير في تفسيره تفسير القران الكريم " وسمي المسيح ، قال بعض السلف : لكثرة سياحته . وقيل : لأنه كان مسيح القدمين ، لا أخمص لهما ، وقيل : لأنه كان إذا مسح أحداً من ذوي العاهات بريء بإذن الله تعالى " .

  وقال الشوكاني في تفسيره فتح القدير " والمسيح اختلف فيه من ماذا أخذ ؟ فقيل : من المسح ؛ لأنه مسح الأرض ، أي : ذهب فيها ، فلم يستكن بكن ، وقيل : إنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا بريء ، فسمي مسيحاً ، فهو على هذين فعيل بمعنى فاعل ، وقيل : لأنه كان يمسح بالدهن الذي كانت الأنبياء تمسح به ، وقيل : لأنه كان ممسوح الأخمصين ، وقيل : لأن الجمال مسحه ، وقيل : لأنه مسح بالتطهير من الذنوب " .

  وقال ابن عباس في تفسيره للقرآن " يسمى المسيح لأنه يسيح في البلدان ويقال

- 37 -

المسيح الملك " .

  ونفس الكلام تقريبا قاله السمرقندي في تفسيره بحر العلوم " ويقال إنما سمي المسيح ، لأنه يسيح في الأرض . ويقال : المسيح بمعنى الماسح ، كان يمسح وجه الأعمى فيبصر . وقال الكلبي : المسيح الملك " .

  وهذا نفس ما قاله الماوردي في تفسيره النكت والعيون " وفي تسميته بالمسيح قولان : أحدهما : لأنه مُسِحَ بالبركة ، وهذا قول الحسن وسعيد . والثاني : أنه مُسِحَ بالتطهر من الذنوب " .

  وقال البغوي في تفسيره معالم التنزيل " أنه مسح من الأقذار وطهر من الذنوب ، وقيل : لأنه مسح بالبركة ، وقيل : لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن ، وقيل مسحه جبريل بجناحه حتى لم يكن للشيطان عليه سبيل ، وقيل : لأنه كان مسيح القدم لا أخمص له ، وسمى الدجال مسيحاً لأنه ممسوح إحدى العينين ، وقال بعضهم هو فعيل بمعنى الفاعل ، مثل عليم وعالم . وقال ابن عباس رضي الله عنهما سمي مسيحاً لأنه ما مسح ذا عاهة إلا برأ ، وقيل : سمي بذلك لأنه كان يسيح في الأرض ولا يقيم في مكان ، وعلى هذا القول تكون الميم فيه زائدة. وقال إبراهيم النخعي : المسيح الصديق " .

  وهكذا قال بقية المفسرين .

3 – معنى اسم عيسي ومن أين جاء ؟

  عندما بشر الملاك جبرائيل العذراء مريم بالحبل بالسيد المسيح وولادته قال لها " وها أنت ستحبلين وتلدين أبناً وتسمينه يسوع (ησον) هذا يكون عظيما وابن العلي يدعى " (لو1 :31و32) . وقال ليوسف النجار خطيب العذراء عن حبل العذراء " فستلد ابناً وتدعو اسمه يسوع (ησον) لأنه يخلص شعبه من خطاياهم " (مت1 :21). ولما ولد " دعا اسمه يسوع (ησον) " (مت1 :25).

  واسم يسوع هو الاسم الوحيد الذي تسمى به الرب يسوع المسيح بعد التجسد والذي تسمى به من الملاك كما تسمى به أيضاً بعد ثمانية أيام من ولادته ، أي يوم

- 38 -

ختانه " ولما تمت ثمانية أيام ليختنوا الصبي سمى يسوع (ησος) كما تسمى من الملاك قبل أن حبل به في البطن" (لو2 :21) . وقد تكرر هذا الاسم في العهد الجديد 915 مرة سواء بمفرده " يسوع " أو " الرب يسوع " أو " يسوع ربنا " أو " يسوع المسيح ربنا " أو " الرب يسوع المسيح " أو " يسوع المسيح " أو " المسيح يسوع " 00الخ

  والاسم " يسوع " في أصله العبري هو " يشوع " الذي هو أيضاً تصغير " يهوشع – יְהוֹשֻׁעַ ". وهو في أصله العبري مكون من مقطعين ، من كلمتين مندمجتين (יְהוֹ - שֻׁעַ)، هما " يهوه - יְהוָה " الكائن الدائم الوجود الواجب الوجود وعلة كل وجود و " شُع - ֹשִׁיעַ " وهو فعل عبري بمعنى " يخلص - יוֹשִׁיעַ " ، فيسوع يعنى " المخلص "؛ " يهوه المخلص " أو " يهوه يخلص " أي الله المخلص .

  وعندما ترجم علماء اليهود العهد القديم إلى اللغة اليونانية نقلوا الاسم " يهوشع " وتصغيره " يشوع " إلى Isou (ησου - ايسو) وفي حالة الفاعل Isous (ησος - ايسوس) وكذلك  فعلت الترجمة القبطية التي حذت حذو العهد الجديد الذي استخدم Isous (ησος) لكل من الاسم وتصغيره ، وحذت الترجمات العالمية حذو الترجمة السبعينية والعهد الجديد ، فنقل الاسم في الإنجليزية Jesus وفي الفرنسية Jesus أما الترجمة العربية فقد استخدمت الشكل الأخير " يشوع " وأن كانت قد حافظت على الشكل الكامل " يهوشع " ونقلته كما هو عدة مرات(2)، وميزت بين المسيح " يسوع " في شكله الآرامي أما يشوع بن نون فحافظت عليه كما هو " يشوع " وكذلك فعلت الترجمة الإنجليزية التي ميزت بين يسوع Jesus . ولكن في اليونانية لا فرق بين يسوع ويشوع ويهوشع فجميعهم واحد " ησος - ايسوس Isous "(3).

  كما كان اسم يسوع ، " ησου - إيسو " في اليونانية ينطق في الآرامية المحيطة

بالجزيرة العربية " عيشو " باللهجة العراقية الشرقية ويبدو أن البعض كان ينطقه " عيسى " ، ومن ثم نطق بالعربية أيضاً عيسى أو العكس .

  وبالتالي فعيسى هو عيشو بالآرامية العراقية وأيسو في اليونانية ويسوع في العربية ويشوع في العبرية والسريانية ومعناه الأصلي الله يخلص ، أو الله المخلص .

  وجاء في لسان العرب " عِيسى اسم عِبْرانـيّ أَو سُريانـي، والـجمع العِيسَوْن".

  ويقول السوري أديب قوندراق " وكلمة عيسى يعتبرها فيلون الإسكندري مرادفة لكلمة (ESSAIOI أو OSIOI) اليونانية، وتعني: (نقي، قديس، مقدس). ويضيف " ويرى اللاهوتي الألماني المعاصر هولغر أن أصلها سرياني آرامي وتعني: النقي ، الورع ، الحكيم ". ويرى بلين أن القرآن الكريم ذكر يسوع باسم عيسى نسبة إلى العيسانيين القريبة من الكلمة العبرية (الآرامية) ISAH . ولا زالت حتى يومنا هذا تستخدم كلمة " آسى " باللغة العربية بمعنى الحكيم أو الطبيب "(4).

3 – ابن مريم :

  سمي المسيح في القرآن بابن مريم لأنه ولد بدون أب بشري وسمي كذلك في العهد القديم والعهد الجديد " أليس هذا ابن النجار . أليست أمه  تدعى مريم " (مت13 :55) . " أليس هذا هو النجار ابن مريم " (مر6 :3) ، وقال القديس بولس بالروح " ولكن لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودا من امرأة مولودا تحت الناموس " (غل4 :4) . وتنبأ عنه العهد القديم أنه سيولد من امرأة ولكن عذراء " ولكن يعطيكم السيد نفسه آية . ها العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعو اسمه عمانوئيل " (إش7 :14) .

  إذا فألقاب المسيح واسمه عيسى المأخوذ من يسوع أو يشوع وابن مريم هي ألقاب تشريف له ترفعه إلى أسمى الدرجات !! فهو المسيح الذي انتظرته الأجيال ، قدوس القدوسين ، الذي مسح بالروح القدس ملكاً وكاهناً ونبياً . وهو عيسى أي يسوع أو يشوع الذي معناه يهوه يخلص أو الله يخلص أو الله المخلص ، وابن مريم دلالة على أنه الوحيد الذي ولد من أم بلا أب ، ولد من الروح القدس ومن العذراء القديسة مريم ، تأنس ، رب المجد .

يقول الكتاب عن بشارة الملاك للعذراء " فدخل إليها الملاك وقال سلام لك أيتها المنعم عليها . الرب معك مباركة أنت في النساء . فلما رأته اضطربت من كلامه وفكرت ما عسى أن تكون هذه التحية . فقال لها الملاك لا تخافي يا مريم لأنك قد وجدت نعمة عند الله . وها أنت ستحبلين وتلدين ابنا وتسمينه يسوع . هذا يكون عظيما وابن العلي يدعى ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه . ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية فقالت مريم للملاك كيف يكون هذا وأنا لست اعرف رجلا . فأجاب الملاك وقال لها.الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك فلذلك أيضا القدوس المولود منك يدعى ابن الله 000 فقالت مريم هوذا أنا أمة الرب . ليكن لي كقولك.فمضى من عندها الملاك " (لو1 :26-38) .

 

 

 

 

- 41 -

الفصل الرابع

ولادة المسيح من أم عذراء

هي أعظم نساء العالمين على الإطلاق

  وُلد المسيح من أم عذراء وُصفت في جميع الكتب التي كتبت عنها بأنها الإنسانة الوحيدة، بل المخلوقة الوحيدة، التي فاقت الملائكة والبشر!

1 - الأم العذراء:

  وُلد جميع الأنبياء من آباء وأمهات عاديين، مثل سائر البشر، وقد  تفاوتوا في البر والقداسة ولكنهم كانوا في النهاية مجرد بشر، وقد ولدوا بحسب ناموس الخليقة، بالزواج، والعلاقات الزوجية وبحسب ناموس، قانون، الوراثة الذي وضعه الله، مع ملاحظة طهارة الزواج والعلاقات الزوجية كقول الكتاب " ليكن الزواج مكرما عند كل واحد والمضجع غير نجس " (عب4:13)، وحتى الآباء والأنبياء الذين ولدوا بمعجزات مثل أسحق ويوحنا المعمدان (تك19:17؛لو13:1)، فقد وُلدوا أيضا مثل سائر البشر، بالزواج وبحسب ناموس الوراثة. ولكن الرب يسوع المسيح فقد وُلد بعيدا عن ناموس الوراثة والزواج والعلاقات الزوجية. فقد وُلد من أم ولكن بدون أب بشري، وُلد بقوة الله وحلول الروح القدس مباشرة.

  وقد قصد الكتاب المقدس بـ " العذراء "، العذراء إلى الأبد! فكل فتاة عذراء قبل الزواج تدعى بـ " عذراء " لأنها عادة ما تكون عذراء إلى حين، أما القديسة مريم فقد دعيت بالعذراء، فهي الوحيدة العذراء قبل الحبل بالمسيح وأثناء الحبل به وبعد ولادته! لأن مولودها هو عمانوئيل، الله معنا.  لذا فقد وُصف حبلها بأنه " آيه "؛ " ولكن يعطيكم السيد نفسه آية. ها العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعو اسمه عمانوئيل " (اش14:7)، " هوذا العذراء تحبل وتلد ابنا ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله

- 42 -

معنا " (مت23:1).

2 - الممتلئة نعمة:

  كما وصفها الكتاب بالمنعم عليها، الممتلئة نعمة، والمتميزة عن سائر النساء ببركة لم تنلها ولن تنالها واحدة منهن " فدخل إليها الملاك وقال سلام لك أيتها المنعم عليها. الرب معك مباركة أنت في النساء. فلما رأته اضطربت من كلامه وفكرت ما عسى أن تكون هذه التحية. فقال لها الملاك لا تخافي يا مريم لأنك قد وجدت نعمة عند الله " (لو28:1ـ30). وعندما ذهبت لزيارة اليصابات، صرخت اليصابات عند رؤيتها وقالت بالروح القدس الذي حل عليها في تلك اللحظة " مباركة أنت في النساء ومباركة هي ثمرة بطنك فمن أين لي هذا أن تأتي أم ربي إليّ "(لو42:1، 43).

  والسؤال هنا هل نالت أي أم من أمهات جميع الأنبياء وتميزت بما تميزت به ونالته العذراء؟! والإجابة: كلا! والسؤال الطبيعي هنا هو؛ لماذا وُصفت العذراء القديسة مريم بهذه الأوصاف التي وضعتها فوق مستوى جميع النساء، بل وفوق مستوى جميع البشر بما فيهم الأنبياء، في الوجود كله؟! والإجابة المنطقية هي: لأن الذي حبلت به وولدته هو فوق مستوى جميع البشر! هذه الإجابة المنطقية أجابتها اليصابات في بساطة، بالروح القدس عندما وصفت العذراء بـ " أم ربي "؛ " من أين لي هذا أن تأتي أم ربي إليّ؟ "!!

  تميز المسيح عن سائر الأنبياء بأنه قد وُلد من أم عذراء بدون أب، وُلد بدون زرع بشر، حبلت به العذراء على عكس ناموس الطبيعة وقانون الوراثة اللذين وضعهما الله للحبل والولادة، حبلت به بالروح القدس. وقد وُلد جميع الأنبياء، دون استثناء، ولادة طبيعية، بحسب ناموس الطبيعة وقانون الوراثة من آباء وأمهات. قال الملاك للعذراء عندما بشرها بالحبل بالمسيح " ها أنت ستحبلين وتلدين ابنا وتسمينه يسوع. هذا يكون عظيما وابن العلي يدعى ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه. ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية " (لو31:1ـ33).

- 43 -

ذهلت العذراء عند سماعها هذا الكلام وقالت للملاك متسائلة " كيف يكون هذا وأنا لست اعرف رجلا؟ ". فهي لم تتصور قط أنها يمكن أن تحبل بدون زواج، وسؤالها هذا يدل ويؤكد أن الزواج لم يكن في نيتها مطلقاًَ!! ولكن اشعياء النبي كان قد سبق وتنبأ قبل ذلك بحوالي 700 سنة بهذا الحبل الآية " يعطيكم السيد نفسه آية. ها العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعو اسمه عمانوئيل " (اش14:7). إذا كيف حبلت العذراء؟ ولماذا كان عليها أن تحبل وتلد بدون زرع بشر وبعيدا عن ناموس الحبل والولادة الذي وضعه الله؟ وقد جاءت الإجابة على فم الملاك " فأجاب الملاك وقال لها. الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك فلذلك أيضا القدوس المولود منك يدعى ابن الله " (لو35:1). إذا فالمولود هو:

(أ) المولود بقوة الله التي ظللت العذراء وحلول الروح القدس عليها " تجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء تأنس "، أي أن الأب الحقيقي له هو الله! ومن ثم يدعى بالحقيقة ابن الله، سواء قبل التجسد أو بعد التجسد، فهو المولود من الأب قبل كل الدهور بلاهوته، والمولود من العذراء القديسة مريم بالروح القدس عند تجسده! لذا يدعى بالحقيقة " ابن الله "، " ابن العلي ".

(ب) وهو القدوس، كما قال الملاك " القدوس المولود منك "، والقدوس لقب من ألقاب الله! فهل حبل بأحد ما، سواء من الأنبياء أو غيرهم، بهذه الطريقة؟! وهل دعي أحد منهم بالقدوس وابن العلي وابن الله؟!!  والإجابة؛ كلا! فلماذا وُلد المسيح بهذه الطريقة ولماذا لقب بهذه الألقاب الخاصة بالله؟!!

3 - اختيارها وتفضيلها على نساء العالمين:

قال الكتاب المقدس وقال القرآن أن العذراء القديسة مريم أم المسيح كانت  مختارة، مصطفاة، على نساء العالمين، في هذا العالم والعالم الآخر! فقد وصفها اشعياء النبي في العهد القديم بالعذراء التي ستكون ولادتها ووليدها آية " ولكن يعطيكم السيد نفسه آية. ها العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعو اسمه عمانوئيل "

- 44 -

(اش7:14)، وفسر العهد الجديد لقب وليدها عمانوئيل بـ " الله معنا " هوذا العذراء تحبل وتلد ابنا ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا " (مت1:23). وقال القرآن أنها كانت نذيرة لله من قبل الحبل بها في بطن أمها وكانت مميزة على سائر البشر من آدم وحتى يوم الدين. بل ولم يذكر القرآن اسم أم أي نبي بل ولا اسم أي امرأة أو أنثى أخرى سوى العذراء القديسة مريم، أم المسيح!! وقد تكرر ذكر اسمها 34 مرة، منها 11 مرة لوحدها (مريم ويا مريم) والباقي مقترنا بالمسيح ابن مريم، كما أنها الوحيدة في النساء التي لها سورة باسمها في القرآن.

قال الأستاذ محمود شلبي " مريم؟!! 00 الوحيدة 00 من النساء قاطبة 00 التي ذُكرت 00 باسمها 00 في كتاب الله العظيم 00 ليس مرة 00 ولا عدة مرات 00 ولكن أربعاً وثلاثين مرة 00 بذكر اسمها 00 أو تزيد 000 فلماذا تنفرد مريم بذكر اسمها صريحاً 00 في كتاب الله 00 أكثر من ثلاثين مرّة!!!

  لماذا هذا الشرف 00 من دون النساء جميعاً؟!!

  لأنها انفردت من بينهن جميعاً بحمل اشق تجربة 00 تمر 00 على عذراء!!!"(1).

  والقرآن وضعها في مكانة سامية تسمو على الملائكة والبشر، فوصفها بأفضل نساء الدنيا والآخرة، المفضلة على نساء العالمين " وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ " (آل عمران:42).

  قال الطبري، وكذلك القرطبي " ومعنى قوله: " ٱصْطَفَـٰكِ " اختارك واجتبـاك لطاعته، وما خصك به من كرامته. وقوله: " وَطَهَّرَكِ " يعنـي: طهر دينك من الريب والأدناس التـي فـي أديان نساء بنـي آدم. " وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَاء ٱلْعَـٰلَمِينَ " يعنـي: اختارك على نساء العالمين فـي زمَانك بطاعتك إياه، ففضلك علـيهم ".

  وقال الزمخشري " ٱصْطَفَـٰكِ " أولاً حين تقبلك من أمك ورباك واختصك بالكرامة السنية " وَطَهَّرَكِ " مما يستقذر من الأفعال ومما قرفك به اليهود " وَٱصْطَفَـٰكِ " آخراً " عَلَىٰ نِسَاء ٱلْعَـٰلَمِينَ " بأن وهب لك عيسى من غير أب؛ ولم يكن ذلك لأحد من النساء ".

  وقال الطبرسي " (يا مريم إن الله اصطفاك) أي: اختارك وألطف لك، حتى تفرغت لعبادته، واتباع مرضاته. وقيل: معناه اصطفاك لولادة المسيح، عن الزجاج (وطهرك) بالإيمان عن الكفر، وبالطاعة عن المعصية، عن الحسن وسعيد بن جبير. وقيل: طهرك من الأدناس والأقذار التي تعرض للنساء من الحيض والنفاس، حتى صرت صالحة لخدمة المسجد، عن الزجاج. وقيل: طهرك من الأخلاق الذميمة، والطبائع الردية (واصطفاك على نساء العالمين) أي: على نساء عالمي زمانك ".

  وقال الرازي " اعلم أن المذكور في هذه الآية أولاً: هو الاصطفاء، وثانياً: التطهير، وثالثاً: الاصطفاء على نساء العالمين، ولا يجوز أن يكون الاصطفاء أولاً من الاصطفاء الثاني، لما أن التصريح بالتكرير غير لائق، فلا بد من صرف الاصطفاء الأول إلى ما اتفق لها من الأمور الحسنة في أول عمرها، والاصطفاء الثاني إلى ما اتفق لها في آخر عمرها.

  النوع الأول من الاصطفاء: فهو أمور أحدها: أنه تعالى قبل تحريرها مع أنها كانت أنثى ولم يحصل مثل هذا المعنى لغيرها من الإناث.

  وثانيها: قال الحسن: إن أمها لما وضعتها ما غذتها طرفة عين، بل ألقتها إلى  زكريا، وكان رزقها يأتيها من الجنة.

  وثالثها: أنه تعالى فرغها لعبادته، وخصها في هذا المعنى بأنواع اللطف والهداية والعصمة.

ورابعها: أنه كفاها أمر معيشتها، فكان يأتيها رزقها من عند الله تعالى على ما قال الله تعالى: " أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ".

- 46 -

وخامسها: أنه تعالى أسمعها كلام الملائكة شفاها، ولم يتفق ذلك لأنثى غيرها، فهذا هو المراد من الاصطفاء الأول.

وأما التطهير ففيه وجوه أحدها: أنه تعالى طهرها عن الكفر والمعصية 000
  وثانيها: أنه تعالى طهرها عن مسيس الرجال.

  وثالثها: طهرها عن الحيض، قالوا: كانت مريم لا تحيض.

  ورابعها: وطهرها من الأفعال الذميمة، والعادات القبيحة.

  وخامسها: وطهرها عن مقالة اليهود وتهمتهم وكذبهم.

وأما الاصطفاء الثاني: فالمراد أنه تعالى وهب لها عيسى عليه السلام من غير أب، وأنطق عيسى حال انفصاله منها حتى شهد بما يدل على براءتها عن التهمة، وجعلها وابنها آية للعالمين، فهذا هو المراد من هذه الألفاظ الثلاثة ".

  وقال البيضاوي " كلموها شفاهاً كرامة لها، ومن أنكر الكرامة زعم أن ذلك كانت معجزة لزكريا أو إرهاصاً لنبوة عيسى عليه الصلاة والسلام 000 والاصطفاء الأول تقبلها من أمها ولم يقبل قبلها أنثى وتفريغها للعبادة وإغناؤها برزق الجنة  عن الكسب وتطهيرها عما يستقذر من النساء. والثاني هدايتها وإرسال الملائكة إليها، وتخصيصها بالكرامات السنية كالولد من غير أب وتبرئتها مما قذفتها به اليهود بإنطاق الطفل وجعلها وابنها آية للعالمين ".

وقال ابن كثير " أن الله قد اصطفاها، أي: اختارها؛ لكثرة عبادتها وزهادتها وشرفها وطهارتها من الأكدار والوساوس، واصطفاها ثانياً مرة بعد مرة لجلالتها على نساء العالمين ".

وقال ابن كثير في تفسيره لسورة يوسف أن الشيخ أبو الحسن الأشعري قد نقل عن أهل السنة والجماعة(2): " أنه ليس في النساء نبية إنما فيهن صديقات كما قال تعالي مخبراً عن أشرفهن مريم بنت عمران ".

وقال الأستاذ أحمد بهجت " أن الله يختارها ويطهرها ويختارها ويجعلها على رأس نساء الوجود 000 هذا الوجود، والوجود الذي لم يخلق بعد 000 وهي أعظم فتاة في الدنيا وبعد قيامة الأموات وخلق الآخرة "(3).

كما قال عنها أيضاً " الأميرة التي توجها الله على نساء العالمين "(4).

  وقال الأستاذ أحمد شلبي "  أن مريم لم تصطف مرة واحدة ولكن ثلاث مرات !!!

إحداهن 00 " وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ "!!!

والثانية 00 " 00 يا مريم 00 أن الله اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ 00 " !!

والثالثة 00 " وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ " !!!

ثلاث مرات 00 اصطفاء 00 من اصطفاء 00 من اصطفاء 00 لماذا !؟!!

لآن ما سوف ما يُلقى عليها 00 لا تحتمله نساء العالمين 00

فتحتم أن تكون أعلى 00 لأنها ستحمل 00 ما لم يحملن !!!

" وكلمته 00 ألقاها 00 إلى مريم 00 " !!!(5)

وقال الأستاذ عزت السعدني " السيدة مريم أظهر نساء الخلق أجمعين "(6).

وقال الأستاذ حسن دوح " مريم سيدة نساء العالم 000 سيدة نساء الدنيا والآخرة "(7).

وقالت د. عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطيء) " إن مريم أفضل من جميع النساء من حواء إلى آخر امرأة تقوم عليها الساعة وأن الله تعالى خصها بما لم يُوتِْه امرأة غيرها قط "(8).

كما قالت عنها أيضاً " عندما أتكلم عن السيدة مريم أم المسيح عليهما السلام،

أجد حرجاً بالغاً لما أتهيب من شخصية أم ليست كمثلها أخرى من الأمهات بمن فيهن أمهات الأنبياء عليهم السلام "(9).

وقال د. عطية عامر في كتابه قراءة جديدة للقرآن، تحت عنوان المرأة المثالية: " فمن هي تلك المرأة التي ذكر القرآن أن الله اصطفاها مرتين في آية واحدة؟ أسمها " مريم ابنة عمران ". ذكرها الله في قرآنه بالاسم مرات ومرات، وفصل قصة حياتها مرة بعد مرة، وخصص سورة كاملة تحمل اسمها. وهو فضل لم تحظى به امرأة في القرآن، وشرف كبير لمريم تلك التي نعدها صورة صادقة للمرأة المثالية في كل زمان ومكان "(10).   

4 – النذيرة لله من قبل أن تولد:

  " إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " (آل عمران:35).

  قال الزمخشري " روي أنها كانت عاقرا لم تلد إلى أن عجزت، فبينما هي في ظل شجرة بصرت بطائر يطعم فرخاً له فتحرّكت نفسها للولد وتمنته، فقالت: اللهم إن لك عليّ نذراً شكراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من سدنته وخدمه، فحملت بمريم وهلك عمران وهي حامل " مُحَرَّرًا " معتقاً لخدمة بيت المقدس لا يدَ لي عليه ولا أستخدمه ولا أشغله بشيء، وكان هذا النوع من النذر مشروعاً عندهم. وروي: أنهم كانوا ينذرون هذا النذر، فإذا بلغ الغلام خير بين أن يفعل وبين أن لا يفعل. وعن الشعبي " مُحَرَّرًا ": مخلصاً للعبادة، وما كان التحرير إلا للغلمان، وإنما بنت الأمر على التقدير، أو طلبت أن ترزق ذكراً " فَلَمَّا وَضَعَتْهَا " الضمير لـ (ما في بطني)، وإنما أنث على المعنى لأن ما في بطنها كان أنثى في علم الله، أو على تأويل الحبلة أو النفس أو النسمة "(11).

5 – حفظها وأبنها من مس الشيطان وطهارتهما من الذنوب:

  كانت العذراء القديسة مريم هي الوحيدة بين رجال ونساء العالمين، بمن فيهم الأنبياء، المطهرة والطاهرة، بحسب هذا المفهوم، من الذنوب حتى من قبل أن تولد، وأن الشيطان لم يمسها منذ لحظة ولادتها من بطن أمها إلى لحظة وفاتها، كانت معصومة من مس الشيطان، خاصة في فترة حملها بالمسيح وولادته!!ّ

قال الرازي " ثم حكى الله تعالى عنها كلاماً ثالثاً وهو قولها " وِإِنّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ " وذلك لأنه لما فاتها ما كانت تريد من أن يكون رجلاً خادماً للمسجد تضرعت إلى الله تعالى في أن يحفظها من الشيطان الرجيم، وأن يجعلها من الصالحات القانتات، وتفسير الشيطان الرجيم قد تقدم في أول الكتاب. ولما حكى الله تعالى عن حنة هذه الكلمات قال: " فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ " 000 ذكر المفسرون في تفسير ذلك القبول الحسن وجوهاً: الوجه الأول: أنه تعالى عصمها وعصم ولدها عيسى عليه السلام من مس الشيطان روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إلا مريم وابنها " ثم قال أبو هريرة: اقرؤا إن شئتم " وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ".

  وروى الأمام الطبري في تفسيره عدة روايات تؤكد نفس المعنى ونفس الحديث:

" تعنـي بقولها: " وِإِنّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرّيَّتَهَا " وإنـي أجعل معاذها ومعاذ ذرّيتها من الشيطان الرجيـم بك 000 عن أبـي هريرة، قال: قال رسول الله (ص) " مَا مِنْ نَفْسِ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلاَّ وَالشَّيْطَانُ يَنَالُ مِنْهُ تِلْكَ الطَّعْنَةَ، وَبِهَا يَسْتَهِلُّ الصَّبِـيُّ؛ إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ مَرْيَـمَ ابْنَةِ عِمْرَانَ فَـإِنَّها لَـمَّا وَضَعَتْها قَالَتْ: " رَبّ إِنّى أُعِيذُهَا وَذُرّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ " فَضُرِبَ دُونَها حِجابٌ، فَطَعَنَ فِيهِ " 000 " ما مِنْ بَنِـي آدَمَ مَوْلُودٌ يُولَدُ إِلاَّ قَدْ مَسَّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ، فَـيَسْتَهِلّ صَارِخاً بِـمَسِّهِ إيَّاهُ؛ غَيْرَ مَرْيَمَ وَابْنِها 000 " كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ مِنْ بَنِـي آدَمَ يَـمَسُّهُ الشَّيْطَانُ بـأُصْبُعِهِ، إِلاَّ مَرْيَـمَ وَابْنَهَا " 000 " ما مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلاَّ وَقَدْ عَصَرَهُ الشَّيْطَانُ عَصْرَةً أَوْ عَصْرَتَـيْنِ؛ إِلاَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَـمَ وَمَرْيَـمَ " 000 عن ابن عبـاس، قال: ما ولد مولود إلا وقد استهلّ، غير المسيح ابن مريم لم يسلط عليه الشيطان ولم يَنْهَزْه ".

  وعن وهب بن منبه يقول: لـما ولد عيسى، أتت الشياطين إبلـيس، فقالوا: أصبحت الأصنام قد نكست رؤوسها، فقال: هذا فـي حادث حدث! وقال:  مكانكم! فطار حتـى جاء خافقـي الأرض، فلـم يجد شيئاً، ثم جاء البحار فلـم يجد شيئاً، ثم طار أيضاً فوجد عيسى قد ولد عند مذود حمار، وإذا الـملائكة قد حفت  حوله؛ فرجع إلـيهم فقال: إن نبـياً قد ولد البـارحة ما حملت أنثى قط ولا وضعت إلا أنا بحضرتها إلا هذه! فـأْيِسُوا أن تعبد الأصنام بعد هذه اللـيـلة، ولكن ائتوا بنـي آدم من قبل الـخفة والعجلة.

وأيضاً " كُلُّ بَنِـي آدَمَ طَعَنَ الشَّيْطَانُ فِـي جَنْبِهِ إِلاَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَـمَ وَأُمَّهُ، جُعِلَ بَـيْنَهُما وَبَـيْنَهُ حجابٌ، فأصَابَتِ الطَّعْنَةُ الـحِجابَ وَلَـمْ يَنْفُذْ إِلَـيْهِمَا شَيْءً وذكر لنا أنهما كانا لا يصيبـان الذنوب كما يصيبها سائر بنـي آدم. وذكر لنا أن عيسى كان يـمشي علـى البحر كما يـمشي علـى البرّ مـما أعطاه الله تعالـى من الـيقـين والإخلاص.

- 51 -

  وأيضاً " كُلُّ آدَمِيٍّ طَعَنَ الشَّيْطَانُ فِـي جَنْبِهِ غَيْرَ عِيسَى وأُمِّهِ، كانا لا يُصِيبـانِ الذُّنُوبَ كَما يُصَيبُها بَنُو آدَمَ " قال: وقال عيسى (ص) فـيـما يثنـي علـى ربه: " وأعاذنـي وأمي من الشيطان الرجيـم فلـم يكن له علـينا سبـيـل ".